195
0
بابا الفاتيكان في الجزائر: حوار أم مصالحة؟
قراءة في الأبعاد والتحديات

في لحظة تحمل أبعاداً رمزية استثنائية، يصل بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، اليوم الإثنين، إلى الجزائر في أول زيارة بابوية منذ استقلال البلاد، وهي الأولى من نوعها في تاريخ الكرسي الرسولي لبلد يشكل المسلمون أكثر من 99% من سكانه.
ضياء الدين سعداوي
تأتي هذه الزيارة التاريخية بعد عقود من التوترات والتباعد بين الجزائر والفاتيكان، لتجسد تحولًا نوعياً في العلاقات الثنائية، وتحمل رسائل متعددة الأوجه تمتد إلى ما هو أبعد من الطابع الديني لتعيد تعريف "القوة الناعمة" الجزائرية في محيط إقليمي ودولي يشهد اضطرابات كبرى.
سياق الزيارة: بين الإرث الأوغسطيني والجمود التاريخي
إن البعد الشخصي الذي يكتنف هذه الزيارة لا يمكن إغفاله. فالبابا ليو الرابع عشر، الذي حمل اسم روبرت فرانسيس بريفوست قبل اعتلائه السدة البابوية، ينتمي إلى الرهبنة الأوغسطينية التي تأسست في القرن الثالث عشر وتقوم على مثل الحياة الجماعية والمشاركة. وقد كانت الجزائر الحالية موطنا للقديس أوغسطينوس(Saint Augustine)، اللاهوتي المسيحي الكبير الذي لا يزال إرثه الروحي حاضراً بقوة في حبريته. ومن المقرر أن يتوجه البابا غدا إلى مدينة عنابة - هيبون الملكي سابقاً - لزيارة الموقع الأثري حيث شغل أوغسطينوس(أوغيسطون) منصب الأسقف في القرن الخامس الميلادي، وإقامة قداس في كنيسته، في تأكيد على التشبث بجذور مسيحية تمتد بعمق في الأرض الجزائرية.
هذه المحطة الرمزية تحمل أهمية مضاعفة إذا ما وضعناها في سياق التحولات التي واجهت الحضور المسيحي في الجزائر بعد الإستقلال. ففي أعقاب الإستقلال عام 1962، غادر الجزائر أغلب المسيحيين من أصول أوروبية، حيث انخفض عدد الكاثوليك في أبرشية الجزائر من 350 ألفا عام 1959 إلى أقل من 4 آلاف بعد ستة عقود. وبينما استضاف المغرب البابا مرتين (يوحنا بولس الثاني عام 1985 وفرنسيس عام 2019)، واستضافت تونس البابا عام 1996، ظلت الجزائر حبيسة تركة تاريخية معقدة تتسم بـ "عداء حشوي للمسيحية"، على حد تعبير الأكاديمي مهدي غيرغات، يعود جذره إلى صراع الإستقلال ضد الإستعمار الفرنسي وما رافقه من حضور كاثوليكي قوي.
ضحايا تيبحرين: جسر بين الألم والمصالحة
و من المنتظر أن يخصص البابا مساحة من زيارته للتذكير بـ "رهبان تيبحرين" ورفاقهم من المسيحيين. أولئك الذين دفعوا حياتهم ثمناً لالتزامهم في الحوار مع الإسلام و الذين قضوا خلال العشرية السوداء (1992-2002). من المقرر أن يصلي البابا على إنفراد في كنيسة مخصصة لـ19 كاهناً وراهبة قتلوا خلال تلك الفترة. وقد اعتبر رئيس أساقفة الجزائر الكاردينال جان-بول فيسكو أن هذه الزيارة تمثل اعترافاً بتضحيات هؤلاء المسيحيين، خاصة أن البابا ليو الرابع عشر انتخب في 8 ماي 2025، وهو التاريخ نفسه الذي يحيي فيه العالم ذكرى إنتهاء الحرب العالمية الثانية في أوروبا (8 ماي 1945)، فاغتنم الكاردينال هذه المصادفة الزمنية لدعوته ليكون أول حبر أعظم يزور الجزائر منذ الإستقلال.
غير أن الزيارة لن تشمل دير تيبحرين، الذي شهد في 1996 حادثة اختطاف وذبح سبعة رهبان ترابيست من طرف الإرهابيين . هذا الإغفال يحمل دلالات لوجستية وأمنية لا تقل أهمية عن الزيارة نفسها، وربما يهدف إلى تجنب إثارة حساسيات مرتبطة بمناقشة تلك الفترة المأساوية التي لا تزال جراحها مفتوحة في الوعي الجمعي الجزائري.
أبعاد جيوسياسية في ظل حروب وإعادة تشكيل للتحالفات
تأتي زيارة البابا في سياق دولي وإقليمي بالغ التعقيد، يمنحها أبعاداً تتجاوز بكثير الطابع الديني الذي تتسم به. فالحرب الدائرة في الشرق الأوسط، والتوترات الدبلوماسية المتصاعدة بين فرنسا والجزائر، وإعادة تشكيل علاقات الطاقة الأوروبية بعد الحرب في أوكرانيا، كلها عوامل تشكل الخلفية التي تنطلق منها هذه الزيارة.
فالجزائر التي تسعى في سياساتها الخارجية دوما نحو الإنفتاح الدائم على الساحة الدولية تجد في هذه الزيارة فرصة نادرة لتعزيز صورتها كدولة مستقرة وقادرة على الحوار الحضاري. وكتبت صحيفة "المجاهد" الحكومية أن الزيارة تمثل "قوة ناعمة جزائرية" وفعلاً دبلوماسياً كبيراً يترجم الإعتراف باستقرار الجزائر ودورها كوسيط إقليمي.
أما بالنسبة للفاتيكان، فتأتي الزيارة في إطار جولة بابوية تشمل أربع دول إفريقية ، بهدف "مخاطبة العالم الإسلامي ومواجهة التحدي المشترك المتمثل في التعايش"، على حد قول المتحدث باسم الفاتيكان ماتيو بروني. وفي الوقت الذي تشتعل فيه المنطقة، يبدو أن البابا يسعى إلى تقديم نموذج بديل للتعايش، ربما يكون رسالة موجهة إلى العالم العربي والإسلامي تفيد بأن القيم المشتركة أقوى من الصراعات الدامية.
حرية الأديان بين الإنتقادات الغربية والسياق الأمني الجزائري
لا يمكن التغاضي عن القضايا العالقة المتعلقة بحرية الأديان في الجزائر، والتي تشكل خلفية متوترة لهذه الزيارة. فقد صنفت وزارة الخارجية الأميركية الجزائر ضمن قائمة "المراقبة الخاصة" في أحدث تقاريرها الصادر في جانفي 2026، إلى جانب أربع دول أخرى، بسبب ما وصفته بـ "انتهاكات جسيمة لحرية الدين". كما أبدى برلمانيون أوروبيون قلقهم إزاء إغلاق بعض الكنائس وتضييق السلطات على ممارسة الشعائر المسيحية و اقتناء الأناجيل.
غير أن مسؤولي الدولة الجزائرية يصرون على تقديم رؤية بديلة. فمن وجهة نظرهم، الجزائر التي خرجت من عشرية دموية كانت فيها المؤسسات الدينية أحياناً مدخلاً للتطرف والتمويل المشبوه، تعتبر إجراءاتها المتعلقة بمراقبة المباني غير المرخصة التي تتلقى تمويلاً مجهول المصدر إجراءا أمنياً مبرراً لا يختلف عما تنتهجه دول غربية في مراقبة المساجد والجمعيات ذات التمويل الأجنبي. ويبقى التحدي المطروح هو ما إذا كانت هذه الزيارة ستؤدي على الأقل إلى فتح حوار جاد حول تنظيم الحريات الدينية بما يتوافق مع إحتياجات الأمن الوطني و معايير حقوق الإنسان و قوانين الجمهورية.
دلالات الزيارة: الجزائر جسر بين الشمال والجنوب
تكتسب هذه الزيارة أهمية كونها تنطلق من الجزائر التي وصفت بأنها "قلب أفريقيا النابض" و"جسر بين عالمين وقارتين". وهي رسالة موجهة للعالم مفادها أن الجزائر عادت لتلعب دورها كفاعل محوري في المنطقة، وأنها قادرة على استضافة رمز عالمي للمسيحية دون أن تتنازل عن طابعها الإسلامي العميق.
وقد يظل السؤال الأهم الذي تطرحه هذه الزيارة هو مدى قدرة الحوار بين الأديان على الصمود في وجه انهيارات سياسية واقتصادية كبرى يشهدها العالم. ففي اللحظة التي تشتعل فيها الحروب وتتسع الهوة بين الشرق والغرب، قد تكون زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر بمثابة إختبار حقيقي لمدى قدرة الشعوب على تجاوز العداوات التاريخية والتطلع نحو تعايش سلمي قائم على الإحترام المتبادل، في نموذج قد يصبح مرجعاً عالمياً في الأيام العصيبة التي تنتظرنا.

