246906

0

مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 170

بواسطة: بركة نيوز

 

بقلم اسماعين  تماووست

في الظلمات، لا شيء يبدو واضحًا. لكننا، نحن الذين عشناه، عرفنا أن الليل ليس أبديًا،
الظلال التي خيمت على الجزائر في العشرية السوداء لم تكن مجرد جريمة أو حرب. كانت مرحلة إعادة تعريف الذات، مرحلة اختبار الإرادة على البقاء، على المقاومة.
كنا نمشي في الشوارع التي امتلأت بالدم، لكننا لم نتوقف. لم نكن نقاتل من أجل الانتصار فقط، بل من أجل الحقيقة.
الحقيقة التي كانت في كثير من الأحيان مفقودة. لم تكن فقط تلك التي نبحث عنها في الوثائق، ولا في التحقيقات، بل في عيون الأبرياء الذين فقدوا كل شيء، وفي ضحايا الحروب النفسية التي لا تقل وطأتها عن الحروب الجسدية.

هناك شيء غير مرئي كنت أشعر به دائمًا أثناء عملي في الميدان. كان يتعلق بالذاكرة الجماعية، التي لا تذهب بسهولة،  بعض الناس لا يتحدثون عن الماضي، لكن ملامح وجوههم، وحركات أجسادهم، والدموع التي تترقرق في عيونهم، تحكي كل شيء.
كان الأنين الذي يخرج من أفواه العائلات المكلومة أقوى من كل رصاصة، أقوى من كل صوت انفجار. كان الأنين يرافقنا أينما ذهبنا.
لكن بين كل هذا، كان هناك أمل. أمل خافت لكن صامد، كما لو أن الجزائر كانت تقول لنا، في صمت، "لن أستسلم".
كانت الحاجة إلى بناء هذا الأمل تكمن في التفاصيل: كيف كنا نعود إلى نفس المكان حيث تساقطت الأرواح، ونجد أن الحياة تتجدد ببطء، كيف كانت الأيدي المتعبة تحمل أطفالاً ليتعلموا في المدارس التي كادت أن تصبح خالية، كيف كنا نزرع البذور في تربة ملوثة بالألم ولكننا كنا نأمل في غدٍ أفضل.
لكل ضحية، كان هناك شخص آخر يحاول أن يمضي قدمًا، ويحاول أن يكون جزءًا من هذا البناء الجديد. كان الوطن لا ينهض وحده، بل مع كل فرد في المجتمع كان هناك إصرار على أن الألم لا يكون آخر الفصول، بل بداية لفصل جديد.

لكن هل كان من الممكن أن ننسى؟
هل يمكن لنا أن نغفل عن الآلام التي عشناه؟
إجابة هذا السؤال لم تكن سهلة، فبينما تلتئم بعض الجروح، تبقى أخرى مفتوحة. لكننا تعلمنا أن الحياة، مهما كانت مريرة، تظل أعظم من الموت، وأن الجزائر التي انبعثت من الرماد يمكنها أن تستعيد ذاتها، قطعة تلو الأخرى.

كل شيء كان يبدو وكأنه سيتوقف، أصوات الرصاص التي كانت تملأ الفضاء، الدخان الذي يغطي السماء، والموت الذي كان يقترب في كل زاوية. في تلك اللحظات، لا تجد سوى أنفاسك، التي تكاد تخذلك.
لكن في أعماق هذا الظلام، كانت هناك فصول أخرى تُكتب. كانت الجزائر تُختبر، ليس في قدرتها على الصمود فقط، بل في قدرتها على الاستمرار بعد أن فقدت العديد من الأجزاء التي كانت تشكلها.
لن تكتب القصص عن الذين انتصروا، بل عن الذين ظلوا يقاومون في صمت،  هؤلاء الذين قاوموا في الزوايا الخفية، الذين رفضوا أن يسمحوا للشر أن يطغى على النور.

الشوارع التي كانت تعج بالحياة صارت خالية،  بيوتٌ فارغة، مدارس مغلقة، وأماكن  شهدت الكثير من الضحكات يملؤها الآن الصمت.
لكن رغم كل هذا الخراب، ظل فينا شيء واحد لم ينكسر: الإيمان. الإيمان بأن الجزائر ليست مجرد أرض أو حدود، بل هي شعب، التاريخ،  الذاكرة التي لا تُمحى.
على الرغم من الظلام، لم يكن هناك من خيار سوى أن نستمر، لأننا علمنا أن الأمل في إعادة بناء الحياة لا يأتي من القليل، بل من جهد الجميع.
كانت الأيام تتراكم، واحدة تلو الأخرى، دون أن نشعر. في البداية كانت العودة إلى الحياة تبدو مستحيلة، لكن شيئًا فشيئًا، بدأنا نلاحظ ذلك التغيير الذي طالما أردناه.
لم يكن الأمر سهلاً. فكل خطوة كانت مصحوبة بالترقب والخوف. ولكننا تعلمنا، في النهاية، أن العزيمة الحقيقية ليست في تجنب الألم، بل في القدرة على التعايش معه، على التكيف معه، وفي النهاية، تحويله إلى طاقة تدفعنا نحو المستقبل.
من بين أنقاض الجروح القديمة، نمت أشجار الأمل، وأثمرت في أراضٍ كانت قد تضررت بشدة.
الجزائر، رغم كل الألم، كانت في طريقها إلى النهوض مجددًا. كانت تبتسم، وإن كان ذلك بصعوبة. ولكن كما علمنا، فإن كل بداية جديدة تبدأ غالبًا في أعمق الظلمات.
اليوم، كل من عايش تلك اللحظات يدرك أن الجزائر، مهما كانت الجراح، لا يمكن أن تُغلب. كانت وستظل شامخة، لا لأن الزمن سيعوض ما فقدناه، بل لأننا نستحق أن نعيش في وطنٍ خالي من المآس.

لا يمكن لأي كلمة أن تصف الحقيقة التي عاشها هذا الشعب، تلك اللحظات التي تمزق فيها الزمن ويختلط فيها الموت بالحياة. الإرهاب ليس مجرد قسوة جسدية تترك آثارها على الأجساد؛ بل هو اختراق للنفس البشرية، تهديد للروح والعقل، إنه حرب لا تقتصر على المعركة بين الطرفين، بل تمتد لتتسلل إلى داخل الإنسان نفسه، لتتركه مشوشًا، فاقدًا للثقة في كل ما حوله. الإرهاب ليس فقط عنفًا ماديًا، بل هو غرس الخوف في القلوب، وتدمير للأمل.

في الجزائر، لم يكن الإرهاب مجرد حدث عابر، بل كان عاصفة تهز الأرض التي كان يظن الجميع أنها ثابتة. في تلك العشرية السوداء، شهدنا حروبًا لم تكن تقتصر على الأجساد فقط، بل كانت تهدف إلى تدمير الروح الوطنية، وتفكيك النسيج الاجتماعي الذي ربط الشعب الجزائري عبر التاريخ. كانت هناك محاولة ممنهجة لزعزعة الأمن، ليس فقط من خلال الانفجارات والقتل العشوائي، ولكن أيضًا من خلال تدمير الانتماء والوحدة الوطنية.

لكن، رغم كل شيء، ظل الأمل جزءًا منا. إننا، في الجزائر، نعلم أن الإرهاب لا يمكن أن يحدد مصيرنا، لأننا نؤمن أن الحياة أقوى من الموت، مهما حاولت أي يد ظالمة أن تزرع الفتنة فينا، فإن إرادة الشعب كانت أقوى، والعزيمة كانت أقوى من أي تهديد. "إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (الشرح: 6). هذه الآية الكريمة كانت دائمًا تذكرنا بأن الصعاب لا تدوم، وأن الفرج دائمًا يأتي بعد أشد المحن.

لكن كيف يمكن للإنسان أن يتحمل هذا العبء؟ كيف يمكن له أن يظل صامدًا في وجه الموت الذي يهدده من كل جانب؟ الجواب يكمن في الإيمان. الإيمان بأن هذه المحنة لن تدوم، وأن كل إرهاب يولد من فراغ، ومن روحٍ خاوية. الإرهاب ليس له جذور في القيم الإنسانية، ولا في التاريخ المشترك بين الناس. هو شر، لا يسعى إلا إلى التفريق والتدمير. لذا، فإن ردنا عليه يجب أن يكون في الإصرار على الحياة، في العمل على البناء والتطوير، في التفاؤل بمستقبلٍ خالٍ من العنف.

 كل جريمة إرهابية لا تهدف إلا إلى الفساد، إلى نشر الفوضى بين الناس، لكن إرادة الحياة تقتضي أن نواجه هذا الفساد بكل قوة وعزيمة، أن نعيد بناء ما دمرته يد الإرهاب. ليس فقط بإعادة بناء المباني، بل بإعادة بناء القيم، بالتمسك بالمبادئ التي جمعتنا على مر العصور.
الجزائر لم تكن مجرد بلد يحارب الإرهاب، بل كانت تعيش في معركة من نوع آخر. كانت معركة بين الخير والشر، بين النور والظلام. ورغم أن الظلام كان قويًا في بعض اللحظات، إلا أن النور كان يتسرب عبر الفجوات. وفي النهاية، كان هو المنتصر.

ومع مرور الزمن، بدأنا نرى كيف أن الإرهاب، رغم تأثيره الكبير على الحياة اليومية، إلا أنه لم يكن قادرًا على قتل روح الأمة الجزائرية، ظلت هذه الروح حية، تنبض بالأمل والتجدد. وبفضل تلك الروح، استطاعت الجزائر أن تقف مجددًا على قدميها، وأن تبني مستقبلاً أفضل لأبنائها.

لكن، لا يجب أن ننسى. فالأمم التي تعاني من ويلات الإرهاب لا بد أن تحتفظ في ذاكرتها بالجراح التي أحدثتها تلك الأيام السوداء. الذاكرة، رغم أنها قد تؤلم، إلا أنها مهمة للغاية. فهي تذكير دائم بالثمن الباهظ الذي دفعته الجزائر للحفاظ على هويتها واستقلالها. الإرهابيون لم ينجحوا في جعلنا ننسى تاريخنا أو نبتعد عن قيمنا. بل على العكس، جعلونا نتمسك بها أكثر.

واجبنا  اليوم ألا نسمح للتاريخ أن يتكرر. ففي الوقت الذي يجب أن نتذكر فيه مآسي الماضي، علينا أن نعلم الأجيال القادمة كيف يمكن للإنسان أن يواجه الإرهاب، ليس فقط بالشجاعة العسكرية، بل بالوحدة الاجتماعية، وبالتمسك بالقيم الإنسانية التي تُحارب الإرهاب من جذوره.

يتبع ...

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services