53

0

اليامين زروال… مسار مجاهد قاد الجزائر من زمن الأزمة إلى ترسيخ التعددية

بواسطة: بركة نيوز

الباحث أحسن سعيد


الرئيس السابق الراحل اليمين زروال شخصية وطنية قدّم جهودًا كبيرة من أجل تحرير البلاد كمجاهد، ومن ثم إعادة بناء الجزائر.

 

بدايات زروال العسكرية في ظل الاستعمار


اليامين زروال من مواليد 1941 بباتنة، هذه المنطقة ولاية الأبطال، الشهيد مصطفى بن بولعيد الذي قدّم أمواله وحياته من أجل الجزائر، وهو من الرموز الوطنية الكبرى.
إلتخق الرئيس  السابق الراحل اليامين زروال  سنة 1957 بصفوف الجيش الوطني، وسنه لا يتجاوز 16 سنة، مع سنتي 1957/1958.

 

 

 

كانت الظروف صعبة، خصوصًا من أجل الحصول على التمويل بالأسلحة للجيش الوطني، وكان الرئيس السابق والراحل اليامين زروال من الشباب الأوائل الذين أُرسلوا إلى البلدان الشقيقة من أجل التكوين على المدفعية التي أفادت جيش التحرير الوطني. لما أرادت فرنسا أن تقيم السياج شرقًا وغربًا، ظهر ما يسمى بالأسلاك الشائكة، خطي موريس، وبالتالي فكرت جبهة التحرير الوطني في معالجة هذه القضية بتكوين شباب الجيش الوطني من أجل التدريب على المدفعية.

 

زروال في مواجهة خطي موريس وشال عبر تطوير المدفعية وكسر الأسلاك الشائكة


الأسلاك الشائكة كان كل ما مرّ على الجيش الوطني إلا ما يضحي بمئات من الشهداء، فكانت عملية المكونين تحطيم الأسلاك الشائكة التي تسمح للجيش الوطني بالدخول أو الخروج من الجزائر بسلامة.
كان المرحوم اليامين زروال أحد الشباب الذين استفادوا من هذا التكوين، ومنذ ذلك تقلد منصب ملازم سنة 1963 في الجيش، ثم استفاد من بعثات التكوين.
أثناء الحرب كانت لقيادة الجيش الوطني ممثلة في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تريد إعداد إطارات للمستقبل، لأنه كان لديهم إيمان قوي بأن الجزائر ستنتصر لأنها قضية عادلة، وجدت الترحيب والمساندة ليس فقط على المستوى العربي بل على المستوى الدولي، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية.
كانت، من خلال رئيس لجنة العلاقات الخارجية آنذاك، قد أقنعت الرأي العام العالمي بأن القضية الجزائرية ليست قضية داخلية فرنسية بل قضية تحرر، وأن للجزائر تاريخًا عميقًا، وأن الجزائر كانت لها اتفاقيات ومعاهدات مع العديد من الدول الكبرى، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، إيطاليا وإسبانيا.

 

مسيرته  بعد الاستقلال


بعد الاستقلال مباشرة، استفاد اليامين زروال من تكوين أكاديمي في الاتحاد السوفياتي، وكان برفقة بعض المجاهدين، من بينهم زين العابدين حشيشي، خالد نزار، محمد بتشين. كما استفاد أيضًا  من تكوين بفرنسا بأحد المدارس سنة 1974، وتخرج برتبة نقيب، ثم تولى ما يسمى إدارة مدرسة الدبابات بباتنة.

كانت هذه المناصب هامة، وفي سنة 1979 تقلد مهامًا وطنية كبرى كقائد العمليات جنوب منطقة تندوف، ثم تولى مسؤولية النواحي، فكان قائدًا على الناحية السادسة بتمنراست، ثم أخيرًا تقلد منصب مدير الأكاديمية العسكرية متعددة الأسلحة بشرشال، المعروفة خاصة في الفترة 1981/1982.

 

زروال ومشروع إصلاح المؤسسة العسكرية 


تقلد مسؤوليات الشرق والغرب والجنوب، وكان على دراية كبيرة بالعادات والتقاليد بمناطق الجنوب مثل التوارق وغيرهم.
في الفترة 1988 التي عرفت أحداثًا مؤلمة، طُرحت مسألة إصلاح المؤسسة العسكرية. في ذلك الوقت كان الرئيس السابق الراحل الشاذلي بن جديد رحمه الله رئيسًا للبلاد، وطلب من الرئيس السابق اليامين زروال، الذي كان قائدًا للقوات البرية في قيادة الأركان العامة إلى جانب خالد نزار، أن يتقدموا باقتراحات من أجل إصلاح المؤسسة العسكرية حتى تنسجم مع التطورات الحديثة.
الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد أخذ باقتراحات خالد نزار الذي كان على رأس الأركان العامة للجيش، وزروال آنذاك طلب من الشاذلي بن جديد إعفاءه من هذه المسؤوليات العسكرية، فعاد إلى باتنة كمواطن جزائري.

وفي وقت قصير استُدعي مرة أخرى لتقلد منصب سفير، عُيّن في رومانيا، فالجو آنذاك كان صعبًا جدًا حيث تم القضاء على الرئيس شاوسيسكو، وفضّل زروال العودة إلى الوطن مرة ثانية.
لم يطل الأمر كثيرًا حتى وجد نفسه في قلب الأزمة السياسية، حيث استخدم العنف واستشهد الكثير من الصحفيين والمثقفين وأساتذة جامعيين وأطباء وغيرهم. فالهدف من العمليات التي رافقت ما يسمى بالعشرية السوداء أنهم أرادوا ضرب الجزائر في صميمها وضرب الوحدة الوطنية.

كانت من أصعب المراحل التي مرت بها الجزائر آنذاك، وكانت استقالة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد وتوقيف العمل الدستوري، ثم ظهور المجلس الأعلى للدولة، فكانت الجزائر تمر بمرحلة انتقالية صعبة جدًا، وكانت في حاجة إلى رجل إجماع وطني يتمتع بثقة كبيرة من المؤسسة العسكرية، لأن المؤسسة العسكرية كانت تحمل أعباء ثقيلة، خصوصًا في العشرية السوداء، حيث كان الإرهاب منتشرًا وكانت هناك ضغوط دولية.

زروال في قلب الأزمة الوطنية خلال العشرية السوداء وقيادة مرحلة انتقالية صعبة


الابن المخلص قبل بمنصب رئيس الدولة، ولم يطل الأمر كثيرًا حتى قدم اقتراحات في إطار الندوة الوطنية التي اجتمعت من 26 جانفي 1994 لاقتراح العودة إلى الشرعية الدستورية. قدم مشروع دستور، وفي نفس الوقت قدم لأول مرة انتخابات رئاسية تعددية، خاصة وأنه سابقًا في ظل الحزب الواحد كانت الأمور تسير بطريقة أخرى، حيث إن الحزب هو الذي يقدم، وفي الغالب يحصل الإجماع على شخصية معينة.

لكن الرئيس الراحل زروال فضل العودة إلى المسار الانتخابي والتعبير عن الإرادة الشعبية، فدعا مجموعة من الشخصيات الوطنية إلى حوار، شاركت فيه مجموعة من الأحزاب، وقرروا المشاركة في هذه الانتخابات الرئاسية.
تم انتخابهم من طرف المجلس الدستوري، وهم نور الدين بوكروح، اليامين زروال، سعيد سعدي، والشيخ محفوظ نحناح. نتيجة الانتخابات في ذلك الوقت كانت مشجعة بالنسبة لمرشح الإجماع الوطني اليامين زروال، الذي تحصل على 61.14 بالمائة، أي حوالي 7 ملايين من المنتخبين صوتوا على هذه الشخصية، وكان الشعب قد اختار اختيارًا موضوعيًا وتلقائيًا رجل الإجماع الوطني.
استمر الوضع وبقي صعبًا جدًا، والجزائر تعرضت لهزات كبيرة وتدخلات أجنبية، وحاول صندوق النقد الدولي إرغام الجزائر على قبول شروط معينة تعجيزية، لأن الجزائر اضطرت إلى الاستدانة وكانت تعيش مرحلة انتقالية.

مشروع الوئام الوطني وفتح الحوار


اليامين زروال فكر مرة ثانية، واقترح ما يعرف بالانتخابات المسبقة في 15أفريل 1999، وطرح أيضًا الوئام الوطني كفكرة  دافع عنها، فتح الحوار مع كل الجزائريين دون إقصاء. آنذاك كانت هناك أفكار أخرى تسمى أصحاب الحل الأمني، وفي تلك الفترة وقعت اختلافات حول هذه القضية، ففضل اليامين زروال أن يعلن عن انتخابات رئاسية مسبقة، لأنه كرجل مجاهد يؤمن أن الثورة من الشعب وإلى الشعب، وهو ليس من أنصار الحل الأمني إطلاقًا. وبالتالي توقع أن هناك الكثير من الأشخاص أخذهم الغرور وارتكبوا أخطاء، فكان يعمل من أجل استرجاعهم.
تكلم مع قيادة “الفيس” في ذلك الوقت، وتمكن من إقناع بعض العناصر لتسليم السلاح والعودة إلى الحياة المدنية، لكنه لم يجد تجاوبًا كاملاً، خصوصًا من بعض أصحاب القرار، نقصد بها المؤسسة العسكرية. ولهذا، بعد الأخذ والرد، فضل أن يعلن عن انتخابات رئاسية مسبقة في 1999، ضمن دستور جديد يكرس التعددية.

انسحاب المترشحين وفوز بوتفليقة

شخصيات كبيرة قد ترشحت لهذه الانتخابات، مثل مولود حمروش، عبد الله جاب الله، حسين آيت أحمد، يوسف الخطيب، وسيفي مقداد. لكن مع الأسف، قبل يومين فقط من إجراء الانتخابات، أعلن المترشحون الخمسة انسحابهم من هذه الانتخابات، على أساس أن القضية محسومة، وأن الرجل الذي تم الاتفاق حوله هو عبد العزيز بوتفليقة، والذي كانت النتائج لصالحه بنسبة عالية جدًا.

وفي جميع الحالات كانت الانتخابات شرعية ونزيهة جدًا، بحضور خبراء وملاحظين أجانب الذين حضروا الانتخابات، وفهموا أن الجزائر تسير في الطريق الصحيح، وأن النهاية ستكون انتصارًا للجزائر.
و عبد العزيز بوتفليقة رحمه الله، أولاً كان مجاهد رفيق السلاح للرئيس السابق هواري بومدين، ثم كان وزير خارجية متميزًا، وكانت للجزائر صوتًا كبيرًا في عهده، وهو من سلالة ضباط جيش التحرير الوطني.

العودة إلى الحياة المدنية


المرحوم  اليامين زروال، بعدما سلم المهمة إلى عبد العزيز بوتفليقة، اختار العودة إلى حياته المدنية والإقامة بين أهله، فذهب إلى باتنة، لكنه بقي على اتصال واهتمام بالجزائر ومستقبلها، وكان كثيرًا ما يجري اتصالات مع الرئيس الحالي عبد المجيد تبون للتعاون وتبادل الآراء.

مواقف زروال خلال أحداث “العصابة”


والقضية التي هزت البلاد، بما يسمى “العصابة”، كان زروال من الذين تم استدعاؤهم إلى قصر الأمم، وطلب منه أن يترشح مرة ثانية، لكنه بكل عزة وأنفة رفض الطلب، وأشعر القيادة العسكرية بما يجري من أجل الانقلاب على السلطة، لأن الرئيس السابق الراحل عبد العزيز بوتفليقة كان طريح الفراش مريضًا لمدة طويلة ولم يكن يتمتع بطاقته. ومع الأسف كانت هناك جماعة تسعى للاستيلاء على السلطة، وحاولوا إقناع اليامين زروال بالمهمة، لكنه رفض تمامًا، وانتهت قضية بما يسمى “العصابة” التي تم القبض عليها وهي محل محاكمات، وكانت بالنسبة للجزائريين درسًا.

إشادات رسمية بمسيرته


مجلة الجيش، نظرًا لمكانة الرجل العظيم زروال، خصصت له افتتاحية شهر أفريل 2026، مما جاء في المقال أن مسيرة السيد اليمين زروال وما تركه من آثار إيجابية هي مفخرة للإلهام بالنسبة للأجيال القادمة. وكان زروال يؤكد قبل وفاته على الاستمرار في دعم الوحدة الوطنية وتعزيز الجبهة الداخلية، و أن هذا الرجل من أبنائها المخلصين.

 

شهادة الرئيس تبون في حق زروال

كما أن الرئيس الحالي عبد المجيد تبون أدلى بشهادة إيجابية لصالح هذا الرجل، حيث قال: كلما التقيت به وجدته قريبًا من الشعب ومساندًا للوحدة الوطنية، وهو رجل يتميز بالتواضع والنزاهة واستجاب للنداء الوطني في كل المراحل، مع حرصه الشديد على الوحدة الوطنية.
وجاء في كلمة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون: عندما أتحدث عن اليمين زروال أشعر بأنني أتكلم عن جزائري أصيل ونزيه يحب وطنه، خاصة في ظل الظروف الدولية الراهنة التي تتطلب وحدة واتفاق الجميع حول المصالح العليا للبلاد.

إرث سياسي ودستوري راسخ


الخلاصة: المجاهد والرئيس السابق الراحل اليمين زروال هو أول رئيس للجمهورية أدخل تعديلات جوهرية على الدستور الجزائري، وأدخل التعددية في الانتخابات على كل المراحل، حتى أصبحت هذه الاختيارات سنة حميدة للتداول على السلطة بين أبناء الجزائر. وهو يتمتع بحكمة القائد ويتصف ببساطة إنسان محب لوطنه. وأخيرًا نقول: رحم الله المجاهد الرئيس السابق اليمين زروال وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services