45

0

الترفاس في تبسة… حين يتحول الصمت إلى موسم رزق في بئر العاتر

مع أولى قطرات المطر التي تلامس الأرض القاسية جنوب ولاية تبسة، يتشكل مشهد مختلف بهدوء. في ضواحي بئر العاتر، لا شيء يبدو عادياً مع بداية الموسم، فالأرض التي كانت صامتة وجافة تستعيد نبضها فجأة، ويخرج الناس في اتجاه واحد: البحث عن “الترفاس”، أو الكمأة الصحراوية.

 نبيل كبور

في هذه المناطق شبه الصخرية، حيث التربة الحصوية والمناخ القاسي، لا يظهر الترفاس بسهولة. فهو فطر بري يختبئ تحت سطح الأرض دون أي علامة واضحة، وكأن الطبيعة اختارت أن تخفيه بعناية. والعثور عليه ليس مسألة حظ فقط، بل هو خبرة تراكمت لدى أبناء المنطقة، يعرفون من خلالها قراءة أدق تفاصيل الأرض؛ من تشققات خفيفة في التربة إلى نباتات صغيرة تُعد دليلاً صامتاً على وجوده.

ومع بداية الموسم، تتحول المساحات المفتوحة إلى ورشة بحث حقيقية. عائلات بأكملها تخرج منذ الصباح الباكر، بعضهم بدافع الشغف، وآخرون بحثاً عن مورد رزق موسمي يخفف من أعباء الحياة. فالإقبال الكبير على الترفاس في الأسواق وارتفاع سعره جعلاه فرصة لا تُفوَّت بالنسبة للكثيرين.

اللافت في بئر العاتر أن الترفاس لا يقتصر على الكثبان الرملية كما هو شائع، بل يظهر أيضاً بين الحصى وفي الأراضي شبه الصخرية، ما يمنح المنطقة ميزة خاصة من حيث الجودة والنوعية. ويؤكد العارفون أن “سر المهنة” يكمن في فهم الأرض أكثر من مجرد البحث العشوائي.

بعيداً عن الجانب التجاري، يحتفظ الترفاس بمكانة خاصة في الذاكرة المحلية. حضوره في المطبخ التقليدي واضح، سواء كان مسلوقاً ببساطة أو مضافاً إلى أطباق الكسكسي، حيث يتحول إلى عنصر فاخر يضفي نكهة مميزة. كما يُنظر إليه كغذاء غني ومفيد، وهو ما يبرر قيمته المرتفعة وإقبال الناس عليه.

ورغم هذا الإقبال، يبقى الموسم غير مضمون، فظهور الترفاس مرتبط مباشرة بكمية الأمطار، ما يجعل كل سنة مختلفة عن الأخرى. كما أن كثرة الباحثين عنه تزيد من صعوبة العثور عليه، لتبقى العملية في كثير من الأحيان أقرب إلى مغامرة مفتوحة.

في النهاية، الترفاس في بئر العاتر ليس مجرد فطر يُجمع ويُباع، بل هو حكاية علاقة قديمة بين الإنسان وأرضه. موسم ينتظره السكان كل عام، ليس فقط لجني محصول نادر، بل لاستعادة ذلك الإحساس البسيط بأن الأرض، مهما بدت قاسية، قادرة دائماً على العطاء.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services