103159

0

مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة "171"

 

بقلم  اسماعين  تماووست

الإرهاب ليس مجرد حادثة أو حدث عارض يمر في التاريخ، بل هو أيديولوجية هدامة تجنح نحو تدمير ما بني عبر أجيال من العرق والدماء. هو نبتة خبيثة تُغرس في أرضٍ خصبة، تتغذى على العنف والكراهية، لتخرج ثمارها فتنًا ومآسي.

في جزائرنا الحبيبة، لم يكن الإرهاب مجرد قنابل تنفجر أو رصاص يُطلق، بل كان تهديدًا لحياة الناس اليومية، لأمنهم النفسي، وعلاقاتهم الاجتماعية.

في تلك الأيام العصيبة التي عرفت بـ "العشرية السوداء"، شعر كل واحد منا بأنه مهدد في كل لحظة، وأنه لا يوجد مكان آمن من براثن العنف. كانت الحياة اليومية مشبعة بالخوف، والكلمات كانت تُلفظ بحذر. القلوب كانت تضرب على إيقاع الرعب، والعيون تترقب كل حركة، حتى أصغر التفاتة كانت تثير القلق. وللأسف، كان الإرهابيون يقتاتون على هذه المخاوف، محاولين أن يفرضوا قوانينهم على الحياة التي كنا نعيشها.

لكن العنف لم يكن وحده هو ما كان يهدد الجزائر، الإرهاب ليس فقط القتل والدماء؛ بل هو أفكار مسمومة، عقول مشوشة، وأشخاص ضائعين يأخذهم أفق مظلم يحاولون دفع الآخرين إليه. كان الإرهابيون يزرعون أفكارهم بين العقول الصغيرة والضعيفة، مثلما يزرع الفلاح بذرة في الأرض، ينتظرون أن تنمو هذه البذرة لتصبح شجرة تخفي وراءها الكثير من الخوف والكراهية.

في وسط هذه العاصفة من الخراب، كان هناك من استمر في المقاومة. لم تكن المقاومة فقط في حمل السلاح، بل كانت في مواجهة هذه الأفكار. كان علينا أن نثبت أن الإرهاب ليس طريقًا للحرية، بل هو طريق الهاوية، الحرية ليست في قتل الآخرين أو تدمير المجتمع، بل في التعايش، في بناء السلام، وفي التفاهم المتبادل بين البشر. "وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا" (الإسراء: 81)، وكما يقول الله تعالى، الحق لا يموت، فمهما طال الزمان، سيظل النور ينتصر على الظلام.

لكن كيف نواجه هذا الظلام الذي يحاول أن يلتهم حياتنا؟ الإجابة تكمن في التعليم والوعي. لا يمكن محاربة الإرهاب بالسلاح فقط، بل يجب علينا أن نواجهه بالعقول المستنيرة، بأن نعلّم الناس كيف يميزون بين الحق والباطل،  يجب أن نزرع في الأجيال القادمة قيم التسامح، والحوار، والاحترام المتبادل، ما يجعلنا أقوياء ليس فقط في قدرتنا على القتال، ولكن في قدرتنا على بناء ثقافة سلمية، ثقافة تحتفل بالاختلاف، ولا تفرض صمتًا على من يختلف معك.

إن الإرهاب الذي عشناه، وإن كان قد جعلنا نتألم ونعاني، إلا أنه أيضًا علمنا درسًا عميقًا. علمنا أن الحياة أغلى من أن تُهدَر لأسباب تافهة، وأن السلام هو الطريق الوحيد لتحقيق الأمل.

الجزائر التي عانت من ويلات الإرهاب ليست هي نفسها اليوم. نحن اليوم أقوى، وأكثر إصرارًا على البناء، نعيش اليوم مع أمل أكبر، وعزيمة لا تُكسر. على الرغم من الجراح التي تحملناها في صمت، ومع أن العديد من الأسئلة ما تزال بلا إجابة، إلا أن لدينا يقينًا بأن المستقبل سيكون أفضل. "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (الشرح: 6)، فالصبر على المحن لا يُضيع، بل يبني طريقًا للنور.

إن الإرهاب يحاول أن يقطع الطريق أمامنا، لكننا لن نسمح له. حتى لو كانت الدروب موحشة، فإننا نعلم أن العودة إلى الحياة ليست مجرد اختيار، بل هي واجب، نؤمن أن الجزائر، كما هو الحال مع جميع الأمم التي تعرضت للإرهاب، لن تُهزم. بل على العكس، كلما حاول الإرهابيون أن يغرسوا الحقد في قلوبنا، كلما زادت قوتنا في نشر المحبة والسلام.

هذه ليست مجرد كلمات، بل هي دعوة لكل واحد منا لأن يكون صوتًا ضد العنف، أن يكون نبراسًا للمستقبل، أن يقف في وجه الظلام ليُعلن أن الضوء قادم، وأن الجزائر ستظل قائمة، شامخة، في وجه أي تحدي.

لقد علمنا التاريخ أن الإرهاب ليس مجرد شكل من أشكال العنف، بل هو محاولة لقتل الروح البشرية، محاولة لإخماد الضوء في أعين البشر. الإرهاب لا يقتل فقط الجسد، بل يسعى إلى قتل الأمل، وإزالة معنى الحياة من قلوب الناس،  هو أكثر من مجرد انفجارات، هو اختراق للنفوس، هو التسلل إلى داخل القلوب لتدميرها من الداخل.

لكن حتى في وجه هذا الظلام، هناك حقيقة ثابتة لا يمكن أن تُخفيها آلة القتل ولا المأساة: الروح لا تُقهر. هذا هو الدرس الذي تعلمناه في الجزائر. حتى عندما اهتزت الأرض تحت أقدامنا، وعاشت القلوب في حالة خوف دائم، ومع كل طلقة رصاص كانت تطلق على الأبرياء، كان هناك شيء لا يمكن أن يمسه الإرهاب: الأمل. هذا الأمل كان موجودًا في كل زاوية من هذا الوطن، كان في ابتسامة طفل نجا من الموت، في كلمة طيبة قالها أحدهم في لحظة محنة، في يد ممدودة للمساعدة دون انتظار مقابل.

الإرهاب، في جوهره، كان يحاول فرض أسلوبه على حياتنا. كان يحاول جعلنا نعتقد أن الخوف هو شعور طبيعي، وأن العنف هو الحل الوحيد، لكن الجزائر، كما هي عادة في لحظات المحن، رفضت أن تكون رهينة لهذا الفكر. حتى في أصعب اللحظات، كان هناك دائمًا من يقول: "لن نخضع". كان هناك دائمًا من يناضل ليقول: "نعم، سنواصل الحياة". لم يكن ذلك بالسهولة التي قد يظنها البعض، بل كان يتطلب شجاعة من نوع خاص.

شجاعة لا تأتي من السلاح، بل من الإيمان العميق بأن الحياة أجمل من أن يُغتالها العنف، وأن الروح أقوى من أي سلاح مهما كان فتاكًا.

في وسط كل هذا العنف، كان هناك من رفض الانضمام إلى دوامة العنفد كان هناك من اختار أن يكون صوتًا للسلام بدلًا من الصمت الذي يفرضه الإرهاب. كان هناك من فهم أن رد فعل المجتمع على الإرهاب ليس أن يبادله العنف بالعنف، بل أن يختار الطريق الأكثر صعوبة، ولكنه الأكثر نبلًا: التسامح. فالتسامح ليس مجرد كلمة نرددها، بل هو فعل يومي، هو أن نمد يدنا حتى لأولئك الذين لم يروا فينا إلا أعداء، هو أن نفتح قلوبنا للسلام، وأن نعلم الأجيال القادمة أن القوة الحقيقية هي في القدرة على العيش مع الآخر، والاحتكام إلى العقل بدلاً من القتل.

الإرهاب يعلمنا درسًا مؤلمًا، لكنه أيضًا يعلّمنا أن الحياة لا تتوقف، وأن النصر لا يأتي من تدمير الآخرين، بل من بناء حياة أفضل لنا ولأبنائنا. الإرهابيون يسعون إلى نشر الخوف والكراهية، لكننا نرد عليهم بالحب والأمل، نرد عليهم بخلق جيل يتعلم من الماضي ليبني مستقبلًا أفضل.

والجزائر التي عانت، لا تزال اليوم تصنع تاريخًا جديدًا. هي لا تبكي على الماضي، ولكنها تنظر إلى المستقبل بعين متفائلة، نعم، رغم القسوة التي مررنا بها، ورغم الدماء التي سفكت، فإن الجزائر اليوم تعلمت كيف تستعيد قوتها. لم يعد الإرهابيون أبطالًا في نظرنا، بل هم مجرد هزيمة للجميع، لأنهم لم يستطيعوا تدمير الروح التي تربطنا ببعضنا البعض.

ولقد جاء دورنا اليوم لنبني، ليس فقط بنايات جديدة، بل أيضًا قيمًا جديدة. بناء مجتمع لا يتغذى على الحقد، بل على التفاؤل. مجتمع يتعلم من أخطائه ولا يكررها. مجتمع يرفض أن يكون ضحية، بل يكون هو القوة التي تحول الألم إلى أمل. "وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا" (الإسراء: 81).

في النهاية، الإرهاب لا يعرف كيف يقتل الروح، لأنه لا يستطيع أن يقتل الأمل. والأمل، مهما كان في قلب شخص واحد فقط، قادر على إشعال نارٍ في عالمٍ مظلم. وها هي الجزائر اليوم، رغم كل ما مرّ بها، تقف ثابتة، لتقول للعالم: "نعم، الحياة أقوى من كل الأسلحة، والإيمان أقوى من كل العنف".

يتبع...

 

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services