157

0

الصين.. دعم استخباراتي خفي وإيران تواجه "الإغتيال الرقمي" الأمريكي

في زحمة التصعيد العسكري المحتدم بين إيران والغرب، تتشكل ملامح حرب جديدة من نوعها، لا تقتصر بالإعتماد على الدبابات والطائرات بل تتوسع فيها إلى تيارات البيانات الخفية وخوارزميات الذكاء الإصطناعي.

ضياء الدين سعداوي 

فبينما تكشف تحليلات استخباراتية غربية عن دور صيني متزايد في تحصين العمق الإيراني إلكترونيا تأتي الضربة التي أودت بالمرشد الأعلى علي خامنئي لتعلن ولادة عصر "الإغتيال الرقمي"، حيث أصبحت الخوارزميات هي من تحدد مصير القادة قبل الرصاص.

الدعم الصيني: "عين السماء" التي لا تغفل

في تحليل معمق، يرسم أليستير كروك، الدبلوماسي البريطاني السابق ورجل المخابرات المخضرم، صورة مختلفة تماماً عن التحالفات الدولية. فبينما يتردد أن طهران باتت وحيدة في مواجهة العاصفة، يؤكد كروك أن العكس هو الصحيح، لكن بطريقة لا تراها العيون.

فمنذ توقيع إتفاقية الشراكة الإستراتيجية في 2025، منحت الصين إيران أحدث هياكل البيانات العسكرية، لا سيما في مجال معالجة المعلومات. لقد تحولت إيران من الإعتماد على أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS) والنظم الروسية إلى منصة الإتصالات السرية الصينية "بايدو"، وهي خطوة تعني ضمنياً أن طهران أصبحت تعمل داخل غرفة عمليات رقمية محصنة ضد الإختراق الغربي.

ويكشف كروك أن التدفق السري للصور الفضائية يشكل أحد أبرز أوجه الدعم. فالصينيون، كما يقول، "يخبروننا بوضوح أنهم يراقبون"، في إشارة إلى نشر صور للأصول العسكرية الأمريكية في قواعد مثل قاعدة "اللد" في فلسطين المحتلة أو القواعد المنتشرة في السعودية. إنها رسالة مبطنة تقول: "نحن نرى كل تحركاتكم". هذه المعلومات تصل إلى الإيرانيين بسرية تامة، لتمنحهم ميزة البقاء في معركة الإستشعار عن بعد.

ويذهب المحلل المخضرم إلى تشبيه ما تفعله الصين لإيران اليوم بما فعلته أمريكا لأوكرانيا بالأمس، بناء بنية استخباراتية متكاملة من صور الأقمار الصناعية ومراقبة الرادارات وتحليل البيانات، لتقديم "صورة معركة كاملة" للقوات المدافعة. ويستشهد بحدث محدد : عندما تسللت خلايا غربية لتخريب أنظمة الرادار الإيرانية، زال الخطر بمجرد أن قطعت إيران إتصال هذه الرادارات ببيئة المعركة الأمريكية، وهو ما يشير إلى تورط حرب إلكترونية صينية وفرت الحماية وعطلت قدرة العدو على الإستهداف الدقيق.

ويرى كروك أن ما يحدث في إيران ليس مجرد صراع محلي، بل هو جزء من حرب وجودية أوسع يشنها الغرب على الصين وروسيا ودول البريكس، بهدف الحفاظ على السيطرة على الإقتصاد العالمي.

"كلود" تحت المجهر: إغتيال رقمي في طهران

بالمقابل وفي كشف غير مسبوق عن تحول نوعي في الحروب الحديثة، أكدت تقارير صحفية أمريكية أن الغارات التي استهدفت القيادة الإيرانية في طهران نهاية الشهر المنصرم،  وأدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، استندت بشكل كبير إلى تقنيات الذكاء الإصطناعي، وتحديداً برنامج "كلود" (Claude) التابع لشركة "أنثروبيك" (Anthropic) الأمريكية.

وكشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) استخدمت البرنامج في مهام حساسة شملت تقييم المعلومات الاستخباراتية، وتحديد الأهداف، ومحاكاة سيناريوهات المعركة. وتشير المعلومات إلى أن "كلود" لعب دوراً محورياً اً  في تحليل أنماط تحركات الدائرة الضيقة المحيطة بالمرشد، مستنداً إلى مليارات البيانات المشفرة والمعلومات اللاسلكية، مما سمح بتحديد لحظة وجوده في المقر المستهدف بدقة عالية.

ما يزيد المشهد دراماتيكية هو التوقيت. فقبل ساعات فقط من تنفيذ الضربة، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أصدر أمراً عاجلاً بمنع جميع الوكالات الفيدرالية من استخدام تقنيات "أنثروبيك"، بعد تصنيف وزارة الدفاع (البنتاغون) للشركة ك"خطر أمني على سلسلة التوريد". وجاء القرار بسبب رفض الشركة تقديم ضمانات بعدم استخدام تقنياتها في تطوير أسلحة ذاتية التشغيل بالكامل أو مراقبة المواطنين الأمريكيين على نطاق واسع.

ورغم قرار المنع، منح البنتاغون مهلة انتقالية مدتها ستة أشهر للتخلي عن خدمات "كلود"، نظراً لصعوبة استبداله الفوري. البرنامج كان الوحيد المرخص له بالعمل داخل الأنظمة السرية للجيش الأمريكي، بالشراكة مع منصة تحليل البيانات "بالانتير" (Palantir)، مما جعله أداة غير قابلة للإستغناء عنها في اللحظات الحاسمة.

تفاصيل العملية: بين الذكاء الإصطناعي والقوة النارية

وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإن وكالة المخابرات المركزية (CIA) كانت تتعقب تحركات خامنئي لأشهر، واكتسبت ثقة متزايدة بشأن أنماط تنقله ومواقع اجتماعاته. وعندما علمت الوكالة باجتماع كان مقرراً صباح السبت 28 فيفري لمجلس الأمن القومي الإيراني في مجمع قيادي بطهران، تم تعديل توقيت الضربة من الليل إلى النهار للإستفادة من "نافذة الفرصة" الذهبية.

تشير معلومات غير مؤكدة رسمياً إلى أن طائرات الشبح الأمريكية المتطورة، ربما من طراز B-21 Raider أو نسخ مطورة من B-2 Spirit، نفذت الغارة باستخدام صواريخ خارقة للتحصينات استهدفت المخبأ الذي كان يضم المرشد إلى جانب كبار قادة الحرس الثوري، وعلى رأسهم الجنرال محمد باكبور وعلي شمخاني.

جدل أخلاقي وقانوني

يثير هذا الاستخدام المزدوج لتقنيات الذكاء الاصطناعي المدنية تساؤلات عميقة حول مستقبل الحروب. ففي الوقت الذي تصر فيه "أنثروبيك" على موقفها الرافض لتحويل برامجها إلى "آلات قتل"، استغلت شركات منافسة مثل "أوبن إيه آي" (OpenAI) الموقف وعقدت صفقة سريعة مع البنتاغون لتوفير تقنياتها للشبكات السرية، مما أثار موجة إحتجاج واسعة داخل أوساط العاملين في قطاع التكنولوجيا.

وتعليقاً على ذلك، قال الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" داريو أمودي في تصريحات صحفية: "نحن أمريكيون وطنيون، لكننا نرفض أن تستخدم أدواتنا بشكل يتعارض مع قيمنا الأساسية أو دون التأكد من موثوقيتها الكاملة".

من ينتصر في معركة الظل؟

يكشف التناقض الظاهري بين الدعم الصيني الخفي والاختراق الأمريكي الناجح عن طبيعة الحرب الحديثة: إنها معركة دائمة التطور بين أنظمة الحماية وأنظمة الإختراق. فبينما تمنح الصين إيران "قبة حديدية للمعلومات" عبر منصة "بايدو" والصور الفضائية، تمكنت أمريكا من استغلال ثغرة في المنظومة الدفاعية عبر دمج الذكاء الاصطناعي بالاستخبارات البشرية، لتوجيه ضربة قاتلة.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل كانت الضربة الأمريكية ممكنة لولا تراكم المعلومات الاستخباراتية على مدى أشهر؟ أم أن الدعم الصيني استطاع حماية إيران من هجمات إلكترونية واسعة، لكنه لم يستطع منع إختراق نقاط ضعف بشرية ولوجستية؟

يرى مراقبون أن ما حدث يمثل سابقة خطيرة، لأول مرة يقتل قائد دولة على هذا المستوى عبر مزيج من الذكاء الإصطناعي والتكنولوجيا العسكرية المتطورة، مما يعني أن مستقبل الصراعات سيكون محكوماً بقدرة الأطراف على تطوير أنظمة دفاع هجومية رقمية قادرة على مواكبة سرعة التطور التكنولوجي.

نهاية عصر "المخابئ الآمنة"

في لعبة الأمم الكبرى، لا يكون التأثير دائماً عبر الدبابات والجنود. الدور الصيني في إيران، كما يرسمه الخبير البريطاني، هو دور "المهندس الرقمي" و"عين السماء" التي لا تغفل. إنه نموذج جديد للتحالف، حيث تصبح المعلومات هي السلاح الأهم، وحيث يمكن لدولة أن تحمي حليفها دون أن تترك جندياً واحداً على أرضه.

لكن إغتيال خامنئي يكشف أن هذه الحماية ليست مطلقة. فالمزج بين الذكاء الإصطناعي الأميركي والقدرات العسكرية التقليدية استطاع اختراق التحصينات الرقمية، ليعلن نهاية عصر "المخابئ الآمنة". لقد أصبحت الخوارزميات هي صانعة القرار الأول في ساحة المعركة، وأصبح القادة العسكريون تحت مجهر بيانات لا يرحم.

هل تستطيع إيران تطوير قدراتها السيبرانية بالتعاون مع الصين لمواجهة هذا "الإغتيال الرقمي"؟ أم أن الفجوة التكنولوجية مع واشنطن أصبحت بلا جسور؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.

مصادر: وول ستريت جورنال، نيويورك تايمز، تايمز أوف إسرائيل، تحليلات أليستير كروك

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services