89

0

السيادة الرقمية أولوية استراتيجية للقارة الإفريقية

بواسطة: بركة نيوز

احتضن المركز الدولي للمؤتمرات عبد اللطيف رحال بالعاصمة مؤتمر" أفريكا غلوبال تاك 2026 " من 28 إلى 30 مارس الجاري تحت شعار "كل الشبكات تقارب واحد " ، بمشاركة واسعة من خبراء وفاعلين اقتصاديين بارزين وصناع قرار من مختلف الدول.

نسرين بوزيان

أكد المشاركون على هامش فعاليات المؤتمر في حديثهم لـ "بركة نيوز" أن تحقيق السيادة الرقمية لم يعد خيارا يمكن تأجيله ، بل أصبح ضرورة استراتيجية حتمية فرضتها التحولات العالمية السريعة والمتلاحقة في مجالات التكنولوجيا والاتصالات الحديثة.

مقاربة شاملة لبناء السيادة الرقمية

وأوضح الخبراء أن بناء سيادة رقمية حقيقية يتطلب اعتماد مقاربة شاملة ومتعددة الأبعاد، ترتكز على أربعة مجالات مترابطة البحر، البر، الجو، والفضاء، إذ أن أي ضعف في أحد هذه المجالات ينعكس سلبا على المنظومة الرقمية القارية بأكملها، ما يجعل تبني استراتيجية متكاملة أمرا حيويا.

وأشاروا إلى أن المجال البحري يشكل العمود الفقري للاتصالات الرقمية العالمية، وتعتمد إفريقيا بشكل كبير على الكابلات البحرية لنقل الجزء الأكبر من البيانات الدولية، ما يستلزم حمايتها وتأمينها من أي تهديد محتمل باعتبارها أولوية استراتيجية، إذ أن أي خلل في هذا القطاع يضعف قدرة القارة على التحكم في تدفق البيانات الحيوية ويعرض المنظومة الرقمية للخطر.

أما في المجال البري، شدد المشاركون على أهمية تطوير شبكة أرضية قوية ومترابطة تشكل أساس السيادة الرقمية خصوصا مع الاستثمارات المكثفة في مشاريع الألياف البصرية العابرة للقارة التي تتيح ربط الدول الإفريقية ببعضها البعض، وتقليص التبعية للمسارات الخارجية، إضافة إلى إنشاء مراكز بيانات سيادية داخل القارة لتصبح حجر الزاوية للتحكم في البيانات الحيوية واستثمارها بشكل مستقل.

فيما يخص المجال الجوي والشبكات المتنقلة، أبرز المشاركون أن مستقبل الاتصالات يتجه نحو التكامل بين الشبكات الأرضية والحلول الجوية، بما يشمل تعميم تقنيات الجيل الرابع المتقدم والجيل الخامس مع الاستعداد المبكر لتقنيات الجيل السادس، علاوة على أهمية إدارة الطيف الترددي بشكل منسق على المستوى القاري لتفادي التداخلات وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد، بما يعزز جودة الخدمات الرقمية المقدمة للمستخدمين في مختلف الدول الإفريقية.

أما في المجال الفضائي، اعتبروا امتلاك قدرات مستقلة في الأقمار الصناعية لم يعد ترفا بل ضرورة لضمان السيادة الرقمية، إذ تتيح هذه التكنولوجيا تأمين خدمات الاتصال والمراقبة وإدارة الأزمات بشكل فعال. 

داعين إلى تعزيز التعاون بين الدول الإفريقية ضمن إطار الوكالة الفضائية الإفريقية وتطوير شراكات دولية قائمة على نقل المعرفة والخبرة، بما يسهم في بناء منظومة فضائية متكاملة تلبي احتياجات القارة وتعزز استقلاليتها التقنية على المدى الطويل.

 

خلل هيكلي في منظومة السيادة الرقمية

 

   

في هذا السياق، كشف مؤسس منصة " ينفيستي"،  عبد اللاوي عبد الرحيم، أن نحو 90% من بيانات الأفراد والمؤسسات في القارة الإفريقية يتم تخزينها خارج حدود القارة، ما يعكس خللا هيكليا كبيرا في منظومة السيادة الرقمية ويضع الدول الإفريقية في موقف ضعف حقيقي، إذ لا تتحكم في البيانات الحيوية ولا في طرق معالجتها أو استغلالها خصوصا في قطاعات استراتيجية مثل التعليم والصحة والتجارة الإلكترونية والخدمات المصرفية، كما أن مراكز حفظ البيانات تتواجد خارج القارة السمراء، ما يزيد من ضعف السيطرة الرقمية ويحد من قدرة القارة على حماية أمنها المعلوماتي.

وأكد عبد اللاوي أن الخطوة الأساسية لمعالجة هذا الاختلال تكمن في الاعتراف بالمشكلة ورفع مستوى الوعي بها على المستويين السياسي والقاري وتكاتف الجهود لإيجاد حلول عملية.
مشيرا إلى أن المؤتمرات مثل "أفريكا غلوبال تاك 2026" منصة مثالية لتبادل الخبرات ووضع سياسات عملية تضمن بناء منظومة رقمية مستقلة ومستدامة، معبرا عن أمله في أن تفضي مخرجات المؤتمر إلى قرارات ملموسة لتحسين إدارة البيانات على مستوى القارة.

التكتل القاري لحماية البيانات

   

 

بدوره،  ناقش خبير الرقمنة والمعلوماتية ، قرار يونس ، مخاطر فقدان السيطرة على البيانات، موضحا أن الاستخدام اليومي للتطبيقات الرقمية يولد كميات هائلة من المعلومات بشكل مستمر،  لا تكمن الصعوبة فقط في حجم البيانات، بل تشمل أيضا مكان تخزينها وطريقة معالجتها لاسيما أن هذه الكميات الضخمة تنتج بمعدلات متزايدة مع نمو استخدام الهواتف الذكية، التطبيقات المصرفية، منصات التعليم الإلكتروني، والتجارة الرقمية، ما يجعل التحكم فيها وإدارتها أمرا بالغ التعقيد ويؤكد الحاجة إلى منظومة رقمية مستقلة قادرة على مواجهة التحديات بكفاءة.

وحذر الخبير من تخزين البيانات خارج القارة لأنها تصبح خاضعة لخوارزميات وسياسات قد لا تراعي خصوصيات المجتمعات الإفريقية، وقد تستغل بطرق تضر بالمصالح الاقتصادية والاجتماعية والأمنية للقارة.

مبرزا أن الدول الإفريقية تواجه صعوبة في فرض شروطها على الشركات العالمية عند التصرف بشكل فردي، بينما يتيح العمل الجماعي ضمن تكتل قاري قوة تفاوضية أكبر تمكنها من فرض قواعد مثل توطين البيانات داخل الحدود لاسيما أن التحدي لا يقتصر على حماية البيانات فقط بل يشمل الانتقال من مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الإنتاج والابتكار المحلي عبر تطوير حلول رقمية إفريقية تلبي الاحتياجات القارية.

الاستثمار في البنى التحتية وتطوير الكفاءات

   

 

من جهته، أكد الخبير في التنمية الاقتصادية ، هادف عبد الرحمن، أن المؤتمر يشكل فرصة مهمة للفاعلين في قطاع التكنولوجيات الرقمية الحديثة لبحث سبل الشراكة والتعاون وتبادل الخبرات والتجارب، مما يعكس التزام الجزائر بدعم العمل الإفريقي المشترك وتعزيز التكامل الاقتصادي والرقمي داخل القارة.

وأوضح  هادف أن المؤتمر يوفر أيضا منصة هامة  للقاء الخبراء وصناع القرار لمناقشة استراتيجيات بناء القدرات الرقمية وتحديد الأولويات في الاستثمار بالبنية التحتية الرقمية، وتوحيد الرؤى بين الدول الإفريقية لتحقيق السيادة الرقمية الوطنية. 

كما أشار هادف إلى أن تحقيق التحول الرقمي يرتبط بضرورة توفر بنى تحتية قوية تشمل شبكات الاتصال ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، إلى جانب تطوير شبكات الألياف البصرية وتقنيات الجيل الخامس والاتصالات عبر الأقمار الصناعية.


طفرة رقمية متسارعة في السوق الجزائري

   

 

 أشاد ممثل شركة هواوي، نولان، بالديناميكية الكبيرة التي يشهدها القطاع مدفوعة بمشاريع واسعة لتعميم الإنترنت عالي التدفق خاصة عبر شبكات الألياف البصرية، موضحا أن هذه الطفرة الرقمية مرتبطة بتزايد الطلب على الإنترنت عالي السرعة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، إضافة إلى توسع الخدمات الإلكترونية في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية، ما يستدعي تعزيز القدرات الفنية والتقنية لضمان موثوقية الشبكات وكفاءة الخدمات الرقمية المقدمة.


وأشار نولان إلى أن التطورات التكنولوجية في مجالات الأمن السيبراني والنقل الذكي والشبكات والروبوتات تتيح فرصا واسعة لتعزيز القدرات الرقمية، وأن التحديات الأمنية المتزايدة تتطلب دمج عدة تقنيات لضمان صمود الشبكات أمام التهديدات، وتحسين بيئة العمل وزيادة جودة الخدمات الرقمية.

تعزيز مكانة الجزائر كمحور إفريقي

 

 

 

 

بالنسبة للآليات المعتمدة لتنظيم الإطار القانوني وضمان حماية البيانات الشخصية وتعزيز الاستقلالية التقنية للقارة، شدد أستاذ الهندسة البيداغوجية بالمعهد الوطني المتخصص بلعزوق عثمان بولاية برج بوعريريج،بركان هيثم، على ضرورة مواءمة التشريعات مع التطورات الرقمية الحديثة لضمان أمن المعلومات لاسيما أن السيادة الرقمية لا يمكن فصلها عن القوانين، ويأتي في هذا السياق القانون رقم 18-07 المؤرخ في 10 جوان 2018، المعدل والمتمم بالقانون رقم 25-11 المؤرخ في 24 جويلية 2025  الذي يشكل الإطار القانوني الأساسي لحماية الأشخاص الطبيعيين في معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي في الجزائر.

مشيرا إلى أن هذه القوانين تشكل أساسا هاما لكنها غير كافية لمواجهة التحديات الرقمية الحديثة إذ يجب دعمها بتقنيات متطورة لتشفير البيانات وتأمينها، بما يحافظ على الخصوصية ويعزز مكانة الجزائر كمركز رقمي إقليمي.

 

تعزيز التحول الرقمي الإفريقي

   

 

 

 

 وكشف المدير العام لمتعامل الهاتف النقال جازي، بومدين سنوسي ، أن المؤسسة تطمح إلى استغلال البنى التحتية الجزائرية وجودة رأس المال البشري للمساهمة في بناء سوق إفريقية متكاملة تجمع بين السيادة التكنولوجية والإدماج الرقمي.

مشيرا إلى أن ما تقوم به جازي على مستوى الجزائر قد يمتد ليشمل القارة الإفريقية، عبر إقامة شراكات استراتيجية تقوم على تبادل الخبرات والتكوين والاستثمار المشترك، بما يعزز التكامل ويدعم التوجه نحو بناء سيادة رقمية إفريقية حقيقية.

وأوضح سنوسي أن المؤسسة تعتزم استغلال هذه المنصة القارية لاستكشاف سبل التعاون مع الفاعلين الأفارقة بالاعتماد على حلول مبتكرة مثل الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وخدمات الدفع الإلكتروني للاستجابة لتحديات السيادة الرقمية.


بناء رؤية مشتركة لمستقبل القارة

   

 

 

من جانبه، أشاد مدير الشؤون المؤسساتية

بأوريدو الجزائر جزايري رمضان ، بتنظيم مثل هذه اللقاءات معتبرا أنها تشكل فرصة حقيقية لتبادل الأفكار والخبرات بين الدول الإفريقية، وتسهم في بناء رؤية مشتركة لمستقبل الرقمنة في القارة.

وأشار جزايري إلى أن الاجتماعات والورشات المتخصصة للمؤتمر تساعد على وضع استراتيجيات متكاملة تشمل تطوير البنى التحتية الرقمية، وتوحيد السياسات ودعم التعاون بين الدول الإفريقية في البحث والابتكار، بما يعزز استقلالية القارة الرقمية ويقلل التبعية للخارج.

لافتا أن التحكم في البنى التحتية للاتصالات أصبح مسألة سيادية خاصة في ظل التنافس العالمي المتزايد على التكنولوجيا، مشددا على ضرورة تطوير هذه البنى سواء كانت بحرية أو برية أو جوية أو فضائية، باعتبار ذلك شرطا أساسيا لتحقيق الأمن الرقمي والتنمية الاقتصادية.

خلص إلى القول إن إفريقيا مطالبة اليوم بالانتقال من موقع التبعية إلى موقع الفاعل المؤثر في المجال التكنولوجي، لتصبح القارة لاعبا رئيسيا في تحديد مستقبل التكنولوجيا عالميا.

 

في الختام، أكد المشاركون على أهمية التعاون القاري لتوحيد السياسات الرقمية وحماية البيانات، لبناء سوق رقمية متكاملة من خلال إرساء دور الجزائر كمحور أساسي لدفع التحول الرقمي ووضع أسس سيادة رقمية إفريقية مستدامة.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services