43

0

السويقة في قسنطينة.. الرئة التي تتنفس بها المدينة في شهر الصيام

"حين تنطق الأزقة برائحة الأجداد في قلب المدينة القديمة

بين الصخر العتيق وجسور الهوى، وبمجرد أن يهلّ هلال شهر رمضان، تستيقظ "السويقة" من غفوتها لتعيد رسم ملامح "قسنطينة الزمان". هنا، في قلب المدينة القديمة، لا تزال الأزقة الضيقة تقاوم النسيان، وتفتح ذراعيها لكل من يبحث عن رائحة الأجداد ودفء الهوية الأصيلة.
 
ص دلومي
 
 
السويقة: هندسة التاريخ ورائحة "الزمن الجميل

ليست "السويقة" مجرد رقعة جغرافية بقلب المدينة القديمة، بل هي متحف مفتوح وشريان يضخ الأصالة في عروق قسنطينة. تتميز بعمارتها الفريدة حيث تتلاصق البيوت العتيقة ذات الأبواب الخشبية المزخرفة، وتتقارب الشرفات  لترسم ظلالاً باردة تحمي المتسوقين من شمس الظهيرة.
 

السويقة في قسنطينة: كل زقاق يحكي قصة التاريخ وروح رمضان

في كل زقاق من أزقتها، تشعر بجاذبية التاريخ؛ فهنا دكان  لا يزال يحافظ على موازينه التقليدية، وهناك  قبو يفوح منه عبق تخمير العجين وصناعة القطايف. هذا التلاحم العمراني يعكس تلاحماً اجتماعياً صمد لقرون، حيث كانت السويقة دوماً الرئة التي تتنفس منها العائلات القسنطينية، ومستودع أسرار الطبخ الذي يتوارثه الأحفاد عن الأجداد، مما يجعل التسوق فيها خلال رمضان تجربة روحية قبل أن تكون مادية.

 

السويقة في رمضان: الروح الأصيلة والأسواق الشعبية التي تجذب قسنطينة
 
لم تعد السويقة مجرد سوق شعبي، بل تحولت إلى "محجّ" سنوي للقسنطينيين. رغم رحيل نصف سكانها نحو المدن الجديدة بعد اهتراء البنايات، إلا أن "الروح" رفضت الرحيل، بمجرد دخولك من أبوابها، يلفحك عبق التوابل العطرية، وتختلط رائحة القهوة الطازجة الممزوجة بماء الزهر مع روائح الحلويات التقليدية التي تصنعها أيادٍ خبيرة تحفظ أسرار المهنة منذ عقود.
على جنبات الأزقة، تصطف صواني الزلابية الساخنة وقلب اللوز والصامصة، بينما يعلو صوت الباعة منادين على بضائعهم، ليخلقوا سيمفونية شعبية تتناغم مع حركة الزوار المتدافعين لاقتناء الفريك واللحوم الطازجة، التي لا تكتمل مائدة "الجاري" القسنطيني بدونها.
 
"بركة نيوز تزور السويقة في رمضان: اكتشاف الروائح والنكهات الأصيلة"
 
 
تنقلت بركة نيوز بين أزقة السويقة الضيقة، وراقبنا حركة الزوار الذين يأتون من مختلف أحياء المدينة وحتى من المدن الجديدة لتجربة الروائح والنكهات الأصيلة.
 
 عمي أحمد، أحد الزوار القدامى، قال إن السوق لم تعد كما كانت ديموغرافياً، لكنها في رمضان تستعيد سحرها المميز. رغم انتقاله إلى حي حديث، لا يشعر بطعم الشهر الفضيل إلا حين يستنشق رائحة طفولته بين جدرانها العتيقة ويشاهد المحلات التي لم تفقد رونقها القديم.
 
خالتي يمينة، من سكان المدينة القديمة، تحدثت عن كل زاوية من زوايا السويقة التي كانت تضج بالحياة طوال العام.
 
 
وأضافت أن تغير الملامح العمرانية لم يقلل من قوة الحنين، فهو ما يجبر السكان القدامى على العودة كل رمضان لاستعادة روح الشهر التي لا توفرها المراكز التجارية الحديثة.
 
 مواطنة أخرى، فيروز، أشارت إلى أنها لا تزال تستمد من السويقة كل ما يلزمها خاصة خلال رمضان، حيث تجذبها رائحة التوابل والقهوة والحلويات، التي تذكّرها بالاحتفالات الرمضانية القديمة وباللقاءات التي كانت تجمع الأصدقاء والجيران قبل الإفطار.
 
الباعة القدامى في السويقة: الحياة تعود في رمضان وروح السوق الأصيلة تستمر
 
 
محمد، بائع  اللحوم، قال إن الحياة تعود إلى السويقة في رمضان، ويحرص الزوار على اقتناء اللحوم والفريك من محلاته، معتبرين أن هذه الأطعمة جزء لا يتجزأ من أجواء الإفطار التقليدية. مراد، بائع التوابل، أكد أن الزوار يأتون خصيصًا لشراء التوابل الأصلية والقهوة الطازجة، وهي الروائح التي تمثل رابطًا حسيًا بين الماضي والحاضر وتجعل تجربة التسوق الرمضانية في السويقة فريدة من نوعها.
 
إبراهيم، أحد الباعة القدامى، أضاف أن الأزقة كانت تمتلئ قبل رمضان بشهر كامل بالزوار الراغبين في اقتناء الفريك والتوابل والحلويات واللحوم، واليوم رغم ترحيل الكثير من السكان، فإن المحلات لا تزال صامدة وتستقبل الزوار بشغف، لتعكس الصمود الرمضاني وروح السوق الأصيلة.
 
 
الحلويات التقليدية وروائح الماضي
 
تجولت بركة نيوز بين محلات الحلويات العتيقة، حيث تصطف صواني الزلابية المقلية حديثًا، و"قلب اللوز" المحشو بعناية، وقطع "الصامطة" المميزة التي تحمل نكهات أجيال من خبرة الصانعين.
 
كل ركن هنا يروي قصة عن الحرفية، عن النساء والرجال الذين ظلوا يحافظون على التقاليد منذ عقود، وعن الزوار الذين يحرصون على شراء هذه المنتجات كل رمضان ليعيدوا تجربة طفولتهم ويشاركوا عائلاتهم النكهات القديمة.
 
 
 
 
مسجد عبد المؤمن: منارة الروح في قلب "حومة" السويقة

في زاوية تفيض بالسكينة وسط ضجيج الباعة، يشمخ مسجد عبد المؤمن كشاهد عيان على قرون من الإيمان والهوية بقلب السويقة العتيقة. ليس المسجد مجرد بناء من الحجر والآجر، بل هو "بوصلة" الروح التي تضبط إيقاع اليوم الرمضاني في المدينة القديمة. فمع اقتراب موعد الإفطار، تنبعث من مئذنته العتيقة ابتهالات تلامس شغاف القلوب، ومع صلاة التراويح، يتحول المسجد إلى خلية نحل إيمانية؛ حيث تتزاحم الأكتاف وتصطف الصفوف في مشهد مهيب يجمع "الشيوخ" الذين شابوا في أزقة الحي مع "الشباب" الذين جاؤوا من أحياء قسنطينة الجديدة وفاءً لتربة أجدادهم.
ورغم "جراح" العمران التي أصابت أجزاءً من المدينة القديمة ورحيل الكثير من العائلات، إلا أن المسجد ظل صامداً كقلعة ترفض الاستسلام للوحدة. صوت الأذان فيه ليس مجرد نداء للصلاة، بل هو إعلان عن بقاء "روح السويقة" حية؛ صوتٌ ينساب عبر المسالك الضيقة والمنازل المتلاصقة، ليمتزج في تناغم فريد مع عبق "الفريك" ورائحة بخور "الجاوي" المنبعثة من الدكاكين المجاورة.
 
هنا في رحاب عبد المؤمن، تذوب الفوارق الطبقية والمسافات الجغرافية، لتنسج سيمفونية رمضانية تجمع بين قدسية المكان ودفء العلاقات الاجتماعية، مؤكدة أن السويقة ستظل "قلب سيرتا" الذي لا يتوقف عن النبض طالما أن مآذنها تصدح بذكر الله في كل ليلة من ليالي الشهر الفضيل.
 
 
 
أجواء الليل الرمضاني في السويقة
 
مع حلول المساء، تتحول الأزقة إلى مشهد حيّ من الألوان والأنوار. أصوات الباعة تعلو مع أقدام المتسوقين، وتفوح رائحة الخبز الطازج والفريك واللحوم المشوية، وتتشابك مع رائحة القهوة والتوابل، لتخلق تجربة حسية متكاملة لكل من يتجول بين الأزقة. هنا، لا يقتصر دور السويقة على التجارة فحسب، بل تصبح مساحة اجتماعية يلتقي فيها الأصدقاء والجيران والعائلات، حيث يتبادل الجميع التحيات والنصائح حول تحضير موائد الإفطار، وتتجدد الذكريات الرمضانية في كل زاوية.
 
 
 
مقاومة الاندثار وحفظ الهوية
 
رغم كل التغيرات العمرانية وترحيل السكان، تظل السويقة نموذجًا حيًا للمقاومة الثقافية، حيث يمتزج الماضي بالحاضر في لوحة رمضانية نابضة بالحياة. أواني النحاس اللامعة، أكياس التوابل الملونة، التحيات المتبادلة بين الجيران، وكل ركن يحمل ذكريات، كلها عناصر تجعل من السويقة تجربة حسية فريدة تحكي قصة مدينة ترفض أن تفقد روحها.
 
ستبقى السويقة القلب النابض لقسنطينة، الرابط الذي يربط الأجيال الجديدة بذكريات الأجداد، لتظل روح رمضان محفوظة بين الأزقة القديمة، حيث تختلط الروائح والألوان والأصوات في سيمفونية تحاكي الحنين والهوية، وتضمن أن يظل كل رمضان له نكهة خاصة لا يُدرك جمالها إلا بين أزقة السويقة العتيقة، فتظل السويقة رمزًا للهوية القسنطينية الأصيلة وروح الشهر الفضيل كما عرفها الأجداد.
 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services