42
0
الصداع الرمضاني رفيق الأيام الأولى للصائم

يحل شهر رمضان على المسلمين كل عام محملا بنفحات الإيمان وأجواء الطمأنينة، شهرا تتبدل فيه الإيقاعات اليومية وتسمو فيه الروح فوق تفاصيل العادة.
نسرين بوزيان
غير أن هذا التحول الروحي العميق يواكبه تغير فسيولوجي دقيق، إذ يدخل الجسم في مرحلة إعادة ترتيب شاملة لوظائفه الحيوية.
ونتيجة هذا التغير الفسيولوجي وبين رهبة البداية وحماسة الاستقبال، قد يظهر الصداع في الأيام الأولى كأحد أبرز مؤشرات هذا التغير في رسالة بيولوجية تؤكد أن الجسم منظومة معقدة تتفاعل بدقة مع أي تبدل مفاجئ في نمط التغذية والسوائل.
ويترجم ذلك الشعور بالألم، حيث قد يشعر العديد من الصائمين بألم مفاجئ في الرأس، غالبا في منطقة الجبهة ما يعكس استجابة الجسم للتغيير المفاجئ في عاداته الغذائية.
يعكس الصداع وإن بدا عابرا مرحلة انتقالية يقوم فيها الجسم بإعادة ضبط متكاملة لجميع أنظمته الحيوية، بما في ذلك مستويات السكر في الدم وضغط الدم ونشاط الدماغ وتوازن السوائل لضمان استمرار الأداء الطبيعي أثناء الصيام.
صداع مؤقت يزول مع الصيام
في هذا السياق، أشار طبيب صحة عمومية، الدكتور فتحي بن اشنهو، إلى أن الجسم البشري منظومة دقيقة تعمل باستمرار على تنظيم وظائفه الحيوية، من ضبط مستويات السكر في الدم إلى نشاط الدماغ وضغط الدم وتوازن السوائل.
موضحا أن أي تغيير مفاجئ في النظام الغذائي مثل الصيام، يشكل اختبارا لهذه المنظومة المعقدة، ويستدعي من الجسم إعادة ترتيب آلياته تدريجيا للتكيف مع الوضع الجديد.
وأضاف أن الصيام يتطلب توقف الجسم عن استقبال الطعام والشراب لساعات طويلة، ما يجعل الدماغ والجهاز العصبي في حالة ضبط مستمر، وهو ما يفسر ظهور الصداع والإرهاق والدوخة خلال الأيام الأولى من رمضان، حيث تعتبر هذه الأعراض رسائل طبيعية من الجسم تشير إلى تكيفه مع نمط الصيام الجديد.
ويربط الدكتور بن اشنهو الصداع الرمضاني بعدة عوامل مترابطة؛ إذ يعد انسحاب الكافيين من أبرز هذه العوامل، حيث يظهر بعد ساعات قليلة من آخر مشروب يحتوي عليه ويشبه في شدته صداع التوتر.
كما أن الجفاف يلعب دورا رئيسا إذ يؤدي نقص السوائل إلى تقلص مؤقت للدماغ وانكماش الأوعية الدموية، ما يجعل الدماغ يبتعد عن الأغشية المحيطة مسببا الألم بينما يخف تدريجيا مع إعادة الترطيب عند الإفطار.
مشيرا أيضا إلى أن انخفاض مستوى الجلوكوز يشكل سببا مهما آخر للصداع، إذ يعتمد الدماغ على الجلوكوز الناتج عن الكربوهيدرات كمصدر أساسي للطاقة، ومع الصيام، ينخفض مخزون الجلوكوز تدريجيا، ما يدفع الجسم إلى التحول لاستخدام الكيتونات كمصدر بديل للطاقة، وهو تحول لا يحدث مباشرة مما يؤدي إلى شعور مؤقت بالصداع.
ولا يقتصر تأثير هذه التغيرات على الدماغ فقط - يضيف الدكتور بن أشنهو- بل يمتد أيضا إلى الجهاز الهضمي، إذ يمكن أن يؤدي الإفراط عند وجبة الفطور أو التوقف المفاجئ عن الطعام إلى انتفاخ البطن واضطرابات القولون ما يزيد من شعور الانزعاج ويؤثر على التوازن العام للجسم.
وعلاوة على ذلك، يشير الدكتور بن اشنهو إلى أن المدخنين يواجهون تحديات إضافية خلال الصيام، إذ يزداد طلب الجسم على النيكوتين بشكل ملحوظ بعد ساعات من الامتناع عن التدخين، ما يؤدي إلى زيادة شدة الصداع والشعور بالتوتر الجسدي والإرهاق.
معتبرا أن هذا الشعور ليس مجرد أثر نفسي، بل نتيجة طبيعية لتغير مستوى النيكوتين في الدم، وهو ما يجعل الجسم بحاجة إلى فترة تأقلم عند الصيام.
كما شدد الدكتور بن أشنهو على أهمية اتخاذ إجراءات وقائية تشمل مراقبة ضغط الدم بانتظام، وإجراء فحوص دورية للعينين، والانتباه لأي آلام في الرقبة أو الرأس قد تكون مرتبطة بمشاكل في العمود الفقري أو الروماتيزم، مع ضرورة مراجعة الطبيب إذا استمر الصداع لتجنب أي مضاعفات محتملة.
في ختام حديثه ،أكد طبيب الصحة العمومية، الدكتور فتحي بن اشنهو، إلى أن الصداع الرمضاني غالبا ما يكون مؤقتا ويختفي تدريجيا بعد أيام نتيجة تأقلم الجسم على نمط الصيام.

