31
0
النص الكامل لكلمة الوزير الأول خلال إشرافه على افتتاح المنتدى الإقتصادي الجزائري التونسي

أكد الوزيرالأول أيمن بن عبد الرحمان خلال إشرافة على افتتاح المنتدى الإقتصادي الجزائري التونسي رفقة رئيس الحكومة التونسي أحمد الحشاني، مساء اليوم بقصر المؤتمرات على أهمية المنتدى في الوصول إلى مخرجات ترتقي بالمستوى الرفيع والمتميز للعلاقات الجزائرية التونسية.
وهذا النص الكامل لكلمة الوزير الأول أيمن بن عبد الرحمان.
"وإنّه لمن دواعي السعادة والسرور أن أفتتح،برفقة أخي رئيس الحكومة التونسية، اليوم،هذا المنتدى الاقتصادي الجزائري-التونسي الهامّ، الذي نتطلّع معاً من خلاله، إلى تتويج أشغاله بمخرجات ونتائج ترقى بحق إلى المستوى الرفيع والمتميّز للعلاقات السياسية الأخوية، التي تجمع بين بلدينا وشعبينا الشقيقين.
فكما تعلمون جميعاً، يأتي تنظيم هذه التظاهرة الاقتصادية، على هامش حدث سياسي كبير، هو انعقاد الدورة الثانية والعشرين للّجنة المشتركة الكبرى الجزائرية-التونسية للتعاون، وما يُرافق هذا الموعد المتجدّد من حرص وعزيمة كبيرين، لا سيّما من لدن قيادتي البلدين، رئيس الجمهورية السيّد عبد المجيد تبون وأخيه الرئيس قيس السعيد، من أجل إضفاء ديناميكية جديدة على التعاون والشراكة بين البلدين، والمُضي بهما إلى آفاق ومستويات أرحب، تتناسب والقدرات الهائلة التي يزخران بها.
ويتزامن انعقاد هذا المنتدى مع سياق محلّي غير مسبوق من الإصلاحات الاقتصادية وتعديلات جوهرية، طالت المنظومة القانونية المتعلّقة بمناج الأعمال في الجزائر، لعلّ أهمّها تلك المرتبطة بقانون الاستثمار ونصوصه التطبيقية، والتي تمّ نشرها بالجريدة الرسمية في السنة الفارطة.
كما عكفت بلادي على إعادة النظر في تشريعات وقوانين أخرى على صلة ببيئة الاستثمار والأعمال، على غرار قانون النقد والقرض، حيث ترتكزهذه المنظومة القانونية الطموحة على مبادئ الشفافية، وحرية المبادرة والاستثمار، وتتّسم بالاستقرار القانوني والمساواة بين كل المتعاملين والمستثمرين،فضلاً عن المزايا والضمانات والإعفاءات الجبائية وغير الجبائية.
وسيكون بإمكان الحضور الاستفادة من شروحات أكثر تفصيلاً عن هذه القوانين والتدابير المُتخذة،في قادم المداخلات المبرمجة ضمن هذه الجلسة.
إن حضوركم الشخصي والوفد الهام الذي يرافقكم، لا سيّما من سيّدات ورجال الأعمال، يعكس الأهمية والمكانة التي تُوليها الشقيقة تونس لتطوير علاقات اقتصادية أكثر تميّزاً وعُمقاً. كما يرسّخ ذلك، أكثر من أيّ وقت مضى، قناعة المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين ونظرائهم التونسيين، بضرورة الاستغلال الأمثل لكافّة الفرص المتاحة من أجل الرّفع من حجم المبادلات التجارية وتوسيعها، وهو هدف مشترك، ظلّ وما يزال يحظى بالمباركة والتأييد والتثمين، في مختلف اللقاءات والمواعيد الثنائية، كان آخرها بمناسبة الدورة الخامسة للّجنة التجارية المشتركة لمتابعة التبادل التجاري، التي عُقدت بتونس، يوم 15سبتمبر الماضي.
ولن يتمّ تحقيق هذا الهدف إلاّ من خلال ربط شراكات مُربحة للطرفين، في القطاعات التي تخدم مصلحة البلدين، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر تلك التي تشكل أولوية بالنسبة لحكومتي بلدينا على غرار الطاقة، والطاقات المتجدّدة، والصناعة بمختلف شعبها، والفلاحة،ومواد البناء، والمنتوجات الصيدلانية، والعتاد الطبي،والبيئة وإعادة تدوير النفايات والمناولة وغيرها من الميادين.
ممّا لا شكّ فيه، أن موقع بلادنا الاستراتيجي، كما هو حال الشقيقة تونس، يجعل منهاهمزة وصل بين قارّتَيْ إفريقيا وآسيا، مرورًا بالشرق الأوسط، وبوابة نحو أوروبا، مع العلم أنّ كلّ تلك المناطق تربطها مع الجزائر وكذا تونس اتفاقيات تبادل حر. ومن هنا، يأتي اهتمام بلادنا بتعزيز مبادلاتها الاقتصادية مع دول إفريقيا الغربية، التي تُعدّ من الأسواق الواعدة بتعداد سكاني يفوق 350مليون نسمة.
ولعلّ انتماء الجزائر وتونس لمنطقة التبادل الحر القارية الإفريقيةالتي يُنتظر أن ترفع من الدخل الإجمالي لإفريقيا بمعدل 7% ليصل إلى 450مليار دولار، علاوة على رفع الصادرات الإفريقية بقيمة 560مليار دولار لاسيما في قطاع التصنيع، يتيح آفاقاً واعدة للاستثمار المشترك والتوجه بالتصدير نحو بلدان إفريقيا. ولذا يتعين علينا توحيد وتكثيف الجهود وتنسيق سياسات تطوير تنافسية المنتوجات الموجّهة للتصدير.
إنّ الهياكل والمنشآت القاعدية الحديثة التي ما فتئت الجزائر تعمل على تطويرها، بشكل ممنهج، يضمن ديمومتها وخدمة أهدافها التنموية، مكنت المنظومة الاقتصادية للجزائر من الاستفادة من شبكة لوجستيكية متطوّرة، تضم مطارات حديثة، وموانئ وطرق كبرى، بعضها مرتبط بشكل مباشر بالقارة الإفريقية، كالطريق العابر للصحراءالذي يمتد على مسار 10.000 كيلومتر، مع محور رئيسي إلى نيجيريا عبر النيجر وتفرعات تربط الجزائر وتونس ومالي والنيجر ونيجيريا وتشاد، مُشَكِّلاً بذلك حافزا ومُسَرِّعًا للتكامل الاقتصادي،كونه يمتد على ثلاث مناطق افريقية (الشمال، الغرب، الوسط)، بالإضافة إلى آفاق هذا المشروع الهام الذي اتفقت الدول المعنية به في جوان 2022، بالجزائر، على جعله رواقا اقتصاديا مندمجا.
وفضلا عن ذلك، نتطلع أيضا إلى الحركية الاقتصادية التي سيضفيها مشروع الطريق الرابط بين تندوف بالجزائر والزويرات بموريتانيا،الذي سيربط الجزائر بموريتانيا في المستقبل القريب، ومنها إلى غرب إفريقيا.
وهي كلها مقومات هامة، تضاف إلى تلك المتعلقة بتوفر اليد العاملة المؤهلة، وانخفاض تكلفة الإنتاخ والطاقة، لتسهم، بلا شك، في الرفع من حجم المبادلات البينية وتعزيز قدرات المتعاملين الاقتصاديين في الولوخ إلى تلك الأسواق والظفر بحصص أكبر فيها.
كما أن هذا المسعى يتجلى كذلك في فتح ثلاثة خطوط جوّية إضافية نحو البلدان الإفريقية، تتمثّل في جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا، وأديس أبابا بإثيوبيا ودوالا بالكاميرون، فضلاً عن المنافذ البرّية الحدودية مع دول الجوار، وكذا الخط البحري الرابط بين الموانئ الجزائرية وموانئ موريتانيا والسنغال.
وهنا، لا يفوتني التذكير بالافتتاح الرسمي، قبل أيّام معدودة فقط، لبنكين جزائريين بكلّ من موريتانيا والسنغال، وهو الحدث الاقتصادي الذي تزامن مع تدشين معرضين دائمين للمنتجات الجزائرية بكل من نواكشوط وداكار، في انتظار مشاريع مماثلة سيتمّ إنجازها قبل نهاية السنة، كما هو الحال بالنسبة لافتتاح بنك جزائري بكوت ديفوار.
أمّا بالنسبة للمنطقة العربية، عملت الجزائر وتواصل جهودها، بشكل جدّي وفعّال، لتنفيذ الاتفاق المتعلّق بمنطقة التبادل الحر العربية الكبرى، في إطار سعيها الدؤوب إلى الرفع من مبادلاتها التجارية مع مختلف بلدان هذه المنطقة، لاسيّما مع الشقيقة تونس، وما تواجدُنا هنا إلاّ دليل على الجهود والمساعي المبذولة في هذا الاتجاه، وهو ما نتطلّع إليه كذلك مع الشقيقة ليبيا،وموريتانيا، ومصر، والأردن، ودول الخليج وباقي دول المنطقة.
إنّ الحكومة الجزائرية حريصة كلّ الحرص، على المُضيّ قُدُماً نحو تجسيد فعلي وميداني للأهداف التنموية والخطّة الشاملة التي رسم معالمهما السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبّون، وفق برنامج اقتصادي واعد وطموح،يصبو إلى النهوض بالصادرات وتنويعها وتعزيز تنافسية المنتوخ الوطني في الأسواق الدولية، من خلال إدماخ الاقتصاد الوطني في سلاسل القيم الجهوية والعالمية وتسريع وتيرة المبادلات التجارية. ويمرّ ذلك حتماً عبر استغلال أفضل لفرص الشراكة مع الدول الشقيقة والصديقة، وهذا ما يتناسب مع شعار المنتدى الذي نفتتحه هذا المساء، على بركة الله تعالى، وبمعيّتكم، معالي السيد رئيس الحكومة، والحضور الكريم.
وتهدف هذه الخُطّة التنموية المُحكمة إلى الرّفع من وتيرة إنجاز المشاريع الخلاّقة للثروة وفرص الشّغل وبلوغ أسمى مراتب الرّخاء الاجتماعي، كما ترتكز على تطوير أنماط التكوين من خلال مشاريع التعاون والشراكة ونقل التكنولوجيا والمعرفة.
ففي الميدان الطاقوي، تسعى بلادنا جاهدةً لترقية الاستثمار في مجالات الاستكشاف لتعزيز القدرات الإنتاجية لحقول البترول والغاز، في ظلّ سياق دولي محفّز، مع ارتفاع ملحوظ للطلب على الطاقة في الأسواق العالمية. كما لم تُغفل بلادنا أهمّية الطاقات المتجدّدة، من خلال إطلاق مجموعة من البرامج المميّزة ومشاريع استثمارية واعدة.
وفي مجال المناجم والتعدين، تعكف الجزائر على تجسيد مشاريع عملاقة، لاسيّما في قطاع إنتاخ الحديد والفوسفات والرصاص والزنك بمختلف مناطق البلاد. ولا شكّ في أنّ الكثير من تلك المشاريع تسترعي اهتمام المتعاملين الاقتصاديين المحليين والأجانب على حدّ سواء.
ومن جهة أخرى، ما فتئت القطاعات الصناعية بمختلف فروعها ومجالاتها تُصنّف ضمن أولويات الحكومة باعتبارها رقماً مهمّاً وقيمة مضافة أسهمت وما تزال تُسهم في تعزيز تنافسية المنتوخ الجزائري وجودته، وكذا رفع مردودية المشاريع وتطوّرها، حيث تصبو الحكومة إلى تحقيق مساهمة قطاع الصناعة في الدخل الإجمالي الوطني بنسبة لا تقلّ عن 10 %. وفي هذا الإطار، تمّ تحقيق مكاسب حقيقية في فروع الصناعات التحويلية والغذائية، والنسيج والجلود، والصناعة الصيدلانية والمناولة.
إنّ الحديث عن الصناعات الغذائية يجرّنا إلى قطاع استراتيجي توليه الحكومة أقصى درجات اهتمامها، ألا وهو قطاع الفلاحة ودعم المشاريع الاستثمارية الزراعية بمختلف الولايات، بما فيها المناطق الصحراوية التي ستصبح، في قادم السنوات، محرّكاً أساساً لتحقيق الأهداف التنموية والأمن الغذائي، من خلال تقليص التبعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي الوطني.
كما يحظى قطاعالخدماتوالمؤسسات الناشئة باهتمام كبير من طرف السلطات العمومية لما يملكه من مكانة وتأثير في تسريع وتيرة الإقلاع الاقتصادي، وما يقدّمه من قيمة مضافة، لا سيّما في ترقية الصادرات وتحسين جودة المنتوخ الوطني وتحديث أساليب المعاملات وعصرنة أنظمة النقل، والمالية والبنوك، واللوجستيك والتأمينات.
معالي السيد رئيس الحكومة،
السيدات الفضليات والسّادة الأفاضل،
إنّ تطوّر المنظومة القانونية الخاصّة بمناج الاستثمار، التي أشرنا إليها آنفاً، من خلال صدور قانون الاستثمار الجديد ونصوصه التطبيقية، التي دخلت حيّز التنفيذ، بشكل كلّي، بالإضافة إلى قانون البنك والمصرفي والقانون الجديد للصفقات العمومية، تُشكّل، بلا أدنى شك، حجر الزاوية في سلسلة الإصلاحات الهيكلية الحالية التي تسعى الحكومة إلى تجسيدها بشكل استعجالي، والتي ستشمل، قريباً قانون الجمارك وقانون العقار الموجه للاستثمار. وهي منظومة تهدف بالأساس إلى تحسين جاذبية الاستثمار وخلق ظروف محفّزة تضاهي أو تقترب من جاذبية الاقتصادات الأكثر تنافسية في العالم.
معالي السيد رئيس الحكومة،
السيدات الفضليات والسّادة الأفاضل،
إنّ الجمهورية التونسية، البلد الجار والشقيق، الذي تربطنا به علاقات تاريخية عريقة وأواصر اجتماعية وثقافية متنوّعة ومتينة، فضلاً عن علاقاتنا السياسية الممتازة،التي تعدّ مثالاً للتميّز في المنطقتين العربية والإفريقية، هو كذلك من الشركاء الاقتصاديين البارزين للجزائر، من حيث حجم الاستثمارات والمبادلات التجارية.
فعلى الصعيد التجاري، تعتبر الجزائر أهم شركاء تونس التجاريين في إفريقيا والعالم العربي، ويجدر التنويه هنا بأنه خلال الأشهر السبعة (7)من السنة الحالية شهدت المبادلات التجارية بين البلدين خارخ المحروقات ارتفاعا بنسبة %54، وهو رقم مرشح للارتفاع في قادم الأشهر والسنوات بفعل الجهود التي نتطلع سويا إلى بذلها لتنسيق السياسات وتذليل العقبات وإزالة الصعوبات، أيا كان طابعها، في سبيل الارتقاء بالمبادلات التجارية إلى المستوى الذي نطمح إليه.
أما على الصعيد الاستثماري، فنسجل بالجزائر42مشروعا استثماريا مباشرا وعن طريق الشراكة، تم تجسيد 38منها، في قطاعات الزراعة والبناء والصناعة والخدمات، بقيمة تقارب 14مليار دخ.
ويسرني هنا، أن أنوه بالاهتمام البالغ بالاستثمار بالجزائر الذي تم تسجيله مؤخرا لدى العديد من المتعاملين الاقتصاديين، من خلال تواصلهم مع الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، المستحدثة في إطار الإصلاحات المرتبطة بمناج الأعمال، من أجل تقديم مشاريع هامة، ويكتسي البعض منها طابعا مهيكلا،وهي الآن قيد الدراسة على مستوى ذات الوكالة.
ومع ذلك، وحيث أننا لا نرى سقفا للشراكة بين بلدينا، نتطلّع إلى الأفضل دائما، من خلال الاستغلال الأمثل لكلّ الفرص المتاحة وتشجيع متعاملينا الاقتصاديين على نسج المزيد من الشراكات والتكامل، بمناسبة هذا المنتدى وفي قادم المواعيد واللّقاءات الثنائية والعمل معاً على شحذ همم المستثمرين وتسخير طاقاتهم وقدراتهم الكامنة.
وفي هذا المقام، أود أن أشير إلى أن توفر مناج استثمار مواتٍ، كما أشرت إليه سابقا، بالإضافة إلى فرص التكامل الاقتصادي بين الجزائر وتونس، والمزايا والمقومات التي يوفرها سوقا البلدين، ستشكّل حتماً أرضية سانحة لانطلاقة جديدة للشراكة الثنائية، من هذه القاعة وابتداء من الغد، بمناسبة اللّقاءات الثنائية،لصياغة شراكات منتجة وربط علاقات أعمال دائمةوإبرام صفقات مربحة للجانبين. إنّني وأخي أحمد الحشّاني، انطلاقا من قناعتنا الراسخة والمشتركة بأنّ هذا المنتدى سيكون بدايةً لعهد جديد في العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين وبين المتعاملين والمستثمرين الجزائريين وأشقائهم التونسيين،نشجّعكم في كلّ مساعيكم ومشاريعكم ونعوّل عليكم كثيرا في تحقيق هذا الـمُبتغى النبيل خدمة لبلدينا وشعبينا الشقيقين.
ستجدوننا دوماً وحتماً إلى جانبكم بدعمنا ومرافقتنا في تجسيد كلّ مشاريعكم الهادفة إلى خلق الثروةومناصب العمل والتنمية المستدامة وتحقيق الرخاء والازدهار للشعبين الجزائري والتونسي

