28
0
المنيعة تختبر اقتصاد التراث… من الذاكرة إلى دورة الإنتاج
“تراثنا… حضارتنا” يكشف تحوّل المقاربة الوطنية نحو جعل الثقافة مورداً تنموياً لا مجرد رصيد رمزي

في مشهد يتجاوز حدود الاحتفال إلى فضاء التفكير في السياسات العمومية، احتضنت ولاية المنيعة افتتاح شهر التراث الممتد من 18 أفريل إلى 18 ماي، تحت شعار “تراثنا… حضارتنا”، في تظاهرة بدت أقرب إلى مختبر ميداني لإعادة تعريف موقع التراث داخل معادلة التنمية. الحدث، الذي جمع بين الحرفيين والجمعيات وممثلي المؤسسات الثقافية، عكس وعياً متزايداً بأن الموروث الثقافي لم يعد فقط أداة لحفظ الهوية، بل أصبح أحد الموارد الممكنة لتحريك الاقتصاد المحلي.
لحسن الهوصاوي
الافتتاح الرسمي بالمتحف العمومي، بحضور السلطات المحلية، لم يكن مجرد محطة بروتوكولية، بل حمل إشارات واضحة إلى توجه مؤسساتي جديد يسعى إلى إدماج التراث ضمن الرؤية التنموية. فالمقاربة التي تتشكل تدريجياً تقوم على الانتقال من منطق الحفظ إلى منطق التثمين، ومن استهلاك التراث كرمز إلى استثماره كمنتج. وهو تحول ينسجم مع التحولات العالمية التي باتت ترى في الصناعات الثقافية والإبداعية أحد محركات النمو.

وقد تجلّت هذه الرؤية من خلال الحضور اللافت للحرفيين القادمين من ولايات مختلفة، على غرار غرداية وعين وسارة، إلى جانب حرفيي المنيعة، في مشهد يعكس حركية وطنية حول إعادة إحياء الصناعات التقليدية. هذا التنوع لم يكن مجرد عرض للتعدد الثقافي، بل أفرز حالة من التفاعل بين خبرات مختلفة، ما أتاح إعادة قراءة الحرف التقليدية من زاوية جديدة، تقوم على الابتكار دون التفريط في الأصالة.
في هذا السياق، تحوّل فضاء التظاهرة إلى منصة للتبادل، حيث لم تعد المنتجات الحرفية مجرد معروضات، بل صارت مدخلاً لنقاش أوسع حول سلاسل القيمة المرتبطة بها: من التكوين إلى الإنتاج، ومن التسويق إلى الترويج السياحي. وهو ما يطرح، بشكل غير مباشر، سؤالاً مركزياً حول مدى قدرة هذه الحرف على الاندماج في اقتصاد السوق، في ظل تحديات تتعلق بالتمويل، والتأطير، وضعف قنوات التوزيع.
الدور الذي لعبته الجمعيات الثقافية أضفى على التظاهرة بعداً مجتمعياً واضحاً، حيث ساهمت في نقل التراث من الفضاء المؤسساتي إلى الفضاء الاجتماعي. من خلال العروض الفلكلورية والأنشطة التفاعلية، تم تقديم التراث كعنصر حيّ، مرتبط بالحياة اليومية، وليس مجرد موروث معروض. هذا التوجه يعكس فهماً جديداً للثقافة باعتبارها ممارسة اجتماعية قابلة للتجدد، لا مجرد ذاكرة محفوظة.
كما برز البعد المعرفي للتظاهرة من خلال مساهمة مكتبة المطالعة العمومية، التي عملت على إبراز أهمية التوثيق في حماية التراث. فالتحدي لم يعد مقتصراً على الحفاظ على الموروث في شكله التقليدي، بل أصبح مرتبطاً بضرورة إنتاج معرفة حوله، تضمن استمراريته وتُيسّر نقله للأجيال القادمة ضمن سياق علمي ومنظم.
البرنامج العام، الذي جمع بين المعارض وورشات الحرف الحية وعروض الأزياء التقليدية، أتاح للزوار تجربة مباشرة مع التراث، ما ساهم في كسر الحاجز بين المنتج والمتلقي. هذه المقاربة التفاعلية تعزز من فرص إعادة إدماج التراث في الحياة اليومية، وتحويله إلى عنصر فاعل في تشكيل الذوق العام.
غير أن هذا الزخم يطرح، في المقابل، تحديات حقيقية. فنجاح التظاهرات الثقافية لا يُقاس فقط بحجم المشاركة أو عدد الزوار، بل بقدرتها على إحداث أثر مستدام. وهو ما يتطلب الانتقال من منطق التظاهرة إلى منطق المشروع، عبر وضع استراتيجيات واضحة لدعم الحرفيين، وتطوير آليات التسويق، وربط التراث بقطاعات حيوية مثل السياحة والصناعات الإبداعية.
وفي هذا الإطار، جاءت الكلمات الرسمية لتعكس هذا الوعي، حيث أكد المفتش العام للولاية، مسعود كروط، أن تثمين التراث بات خياراً استراتيجياً، فيما شدّد مدير الثقافة والفنون، العابد ياسين، على ضرورة مرافقة الفاعلين في هذا المجال وتمكينهم من أدوات التطوير. من جهتها، اعتبرت مديرة المتحف بالنيابة، وهيبة رسيوي، أن المؤسسات الثقافية مطالبة اليوم بلعب دور أكثر ديناميكية في احتضان المبادرات وتحويلها إلى مشاريع مستمرة.
وعلى مستوى المشاركين، عبّر الحرفيون وممثلو الجمعيات عن ارتياحهم للأجواء التنظيمية، مشيدين بحفاوة الاستقبال وروح التعاون. هذه الانطباعات تعكس أهمية البعد الإنساني في إنجاح مثل هذه المبادرات، حيث يشكل التواصل والتبادل أساساً لبناء شبكة وطنية فاعلة في مجال التراث.
في المحصلة، تكشف تجربة المنيعة عن محاولة جادة لإعادة تموقع التراث ضمن الفضاء الاقتصادي، دون التفريط في أبعاده الثقافية. وبين تحديات الواقع وإمكانات المستقبل، يبقى الرهان قائماً على تحويل هذا الوعي إلى سياسات عملية، تجعل من التراث رافعة حقيقية للتنمية، لا مجرد عنوان للاحتفال.


