22
0
المنيعة تُحوِّل الطفولة إلى مشروع وطني للتنمية الثقافية:
“7/7 ثقافتي” يرسم ملامح مقاربة جديدة لبناء الأجيال

الهوصاوي لحسن
في خطوة تعكس التحول المتنامي في مقاربة قضايا الطفولة على المستوى المحلي والوطني، احتضنت بلدية حاسي القارة بولاية المنيعة احتفالية اليوم العالمي للطفولة، ضمن فعاليات التظاهرة الوطنية “7/7 ثقافتي” التي أطلقتها وزارة الثقافة والفنون، لتتحول المناسبة من طابع احتفالي تقليدي إلى منصة تربوية وثقافية شاملة تعيد تعريف علاقة الطفل بالمجتمع، وبالفضاء الثقافي على وجه الخصوص.
حدث يتجاوز الاحتفال: الطفولة في قلب المشروع التنموي
الاحتفالية التي احتضنها المركز الثقافي بحاسي القارة لم تكن مجرد نشاط سنوي، بل جاءت في سياق رؤية مؤسساتية تعتبر الطفولة ركيزة أساسية في بناء المجتمع، ومحوراً استراتيجياً في السياسات الثقافية والاجتماعية. وقد اتسمت التظاهرة بطابع تشاركي جمع بين السلطات المحلية، والمجتمع المدني، والفاعلين التربويين والثقافيين.

وفي هذا السياق، أكد ممثل والي ولاية المنيعة، المفتش العام مسعود كروط، خلال كلمته الافتتاحية، أن الاستثمار في الطفولة هو استثمار مباشر في مستقبل الوطن، مشيراً إلى أن الدولة تولي أهمية خاصة لإنشاء فضاءات ثقافية وتربوية قادرة على احتضان المواهب الناشئة وصقلها.
المكتبة العمومية: من الفضاء التقليدي إلى الفعل التربوي
برز الدور المحوري لطاقم مكتبة المطالعة العمومية لولاية المنيعة، ممثلاً في بن ساسي سامية وبوحميدة الخنساء، اللتين أشرفتا على تأطير ورشات ثقافية وتربوية استهدفت ترسيخ ثقافة القراءة لدى الأطفال.

ولم يعد دور المكتبة يقتصر على الإعارة والاطلاع، بل تحولت إلى فضاء ديناميكي للتكوين والتفاعل، عبر أنشطة تمزج بين الترفيه والمعرفة، بما يعكس تحولاً في وظيفة المؤسسات الثقافية نحو الانخراط المباشر في بناء الوعي لدى الناشئة.
سجلت الجمعيات المحلية حضوراً قوياً في هذه التظاهرة، حيث ساهمت جمعية أطفال الصحراء، وجمعية الفتح الثقافية، وجمعية الأمل لذوي الاحتياجات الخاصة، إلى جانب فعاليات مدنية أخرى، في إثراء البرنامج العام.
حضور رسمي يعكس ثقل الرهان التربوي
حضور مسؤولين محليين ومديري قطاعات مختلفة، مدير المجاهدين حمزة واضح، ومدير الصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية للعمال الأجراء جقاوة عبد الرحمن ، والدكتورة بالمداني منيرة المديرة الفرعية للرقابة الطبية
إلى جانب فعاليات مدنية وثقافية، في مشهد يعكس تعدد المتدخلين في ملف الطفولة باعتباره قضية مجتمع لا قطاعاً معزولاً.
هذا الحضور يعكس تطوراً في مفهوم الشراكة بين المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية، حيث لم تعد الجمعيات مجرد فاعل مكمّل، بل شريكاً أساسياً في صناعة الفعل الثقافي والتربوي الموجه للطفولة.
الروضات: بناء المهارات منذ المراحل الأولى
شكلت روضتا خماوي وبضياف إحدى الركائز الأساسية في إنجاح التظاهرة، من خلال مشاركة الأطفال في ورشات فنية وتربوية متنوعة. وقد أظهرت هذه المشاركة أهمية الاستثمار في الطفولة المبكرة، باعتبارها المرحلة الحاسمة في بناء الشخصية وتنمية القدرات الذهنية والحسية والاجتماعية.
الأنشطة التي قُدمت للأطفال لم تقتصر على الترفيه، بل حملت أبعاداً تربوية تهدف إلى تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية روح التعاون والعمل الجماعي، وترسيخ قيم التعبير الحر.
الحكواتي: استعادة الذاكرة الثقافية
في مشهد لافت، أعادت فقرة الحكواتي الاعتبار لأحد أعرق الفنون الشعبية، حيث قدم أحمد دويدة بالة مجموعة من القصص التراثية ذات البعد التربوي. وقد شكلت هذه الفقرة جسراً بين الماضي والحاضر، وأبرزت أهمية الحكاية كوسيلة فعالة في نقل القيم والمعرفة.

هذا الحضور الفني لم يكن مجرد عرض ترفيهي، بل إعادة إحياء لوسيلة تعليمية تقليدية قادرة على بناء الخيال وتعزيز الارتباط بالهوية الثقافية.
ضيوف الشرف وكلمات بالمناسبة: إجماع على أولوية الطفولة
عرفت التظاهرة حضوراً رسمياً واسعاً ضم عدداً من المسؤولين المحليين ومديري القطاعات، الذين أجمعوا في كلماتهم على أن الطفولة تمثل أولوية وطنية تتطلب تضافر جهود مختلف الفاعلين.
وأكد مدير الثقافة والفنون ومحافظ المهرجان الثقافي المحلي “قراءة في احتفال” العابد ياسين، أن العمل الثقافي الموجه للطفل يجب أن يتحول إلى ممارسة مستمرة، وليس مجرد نشاط موسمي، مشدداً على أهمية إدماج القراءة والإبداع في الحياة اليومية للطفل.
من جهته، أبرز مدير النشاط الاجتماعي والتضامن محمد مروش أن حماية الطفولة مسؤولية مشتركة، تتقاسمها الأسرة والمدرسة والمؤسسات العمومية والجمعيات، داعياً إلى تعزيز العمل التشاركي لضمان بيئة سليمة للنمو.
أجواء فنية وتنشيطية متنوعة
تخللت الاحتفالية عروض فنية ومسرحية وتنشيطية، شارك فيها أطفال المركز النفسي البيداغوجي للمجاهد “دحاج عبد العزيز بن محمد” ببلدية المنيعة، من خلال لوحات تراثية هادفة، إلى جانب فقرات ترفيهية قدمها المهرجانان نسوري ولبرني، مما أضفى أجواء من البهجة والتفاعل.
كما ساهمت مختلف الهيئات، من بينها الهلال الأحمر الجزائري، في دعم الجوانب التنظيمية والإنسانية للتظاهرة.
خاتمة: الطفولة كرهان وطني مستدام
تؤكد هذه التظاهرة أن الطفولة في المنيعة لم تعد مجرد فئة مستهدفة بالاحتفال، بل أصبحت محوراً لمشروع ثقافي–اجتماعي متكامل يهدف إلى بناء الإنسان منذ مراحله الأولى.
فالرسالة التي حملتها “7/7 ثقافتي” تتجاوز حدود المناسبة، لتؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الطفل، وأن الثقافة ليست ترفاً، بل أداة استراتيجية لصناعة الوعي، وترسيخ الهوية، وبناء أجيال قادرة على قيادة المستقبل.
وفي الختام، تبقى الطفولة في صميم الاهتمام الوطني، باعتبارها حجر الأساس لأي مشروع تنموي مستدام، ورسالة الأمل التي تُبنى عليها ملامح الغد.

