92

0

المنيعة تعيد رسم المشهد الثقافي.. من مركزية المؤسسة إلى ديناميكية المجتمع

 

في تحول لافت يعكس إعادة تشكيل عميقة لمفهوم الفعل الثقافي في الجزائر، برزت تظاهرة شهر التراث بساحة بور سعيد بولاية المنيعة كنموذج ميداني جديد يؤسس لمرحلة تتجاوز الأطر التقليدية نحو شراكة مجتمعية واسعة.

لحسن الهوصاوي 

الحدث لم يكن مجرد نشاط احتفالي عابر، بل محطة كاشفة لتحولات بنيوية في علاقة الثقافة بالمجتمع، وفي توزيع الأدوار بين المؤسسات الرسمية والفاعلين المحليين.


المشهد الثقافي الذي صنعته المنيعة خلال هذه التظاهرة كشف عن انتقال واضح من منطق “الإنتاج المؤسساتي المغلق” إلى “التنشيط التشاركي المفتوح”.

فقد لعبت مديرية الثقافة والفنون دور المنسق والموجه، ممثلة في مديرها العابد ياسين، الذي أكد في مداخلته أن “الانفتاح على الفضاءات العمومية خيار استراتيجي يهدف إلى تقريب الثقافة من المواطن، خاصة فئة الشباب”، مشدداً على أن نجاح هذه المقاربة “مرهون بمدى انخراط الفاعلين المحليين”.


هذا الطرح لم يبق في حدود الخطاب، بل تجسد عملياً من خلال انخراط عدة أطراف، فقد ساهمت مكتبة المطالعة العمومية، ممثلة في بوحميدة الخنساء وبن ساسي سامية، في نقل الكتاب من فضائه التقليدي إلى قلب الساحة العمومية، حيث أوضحتا أن “هذه المبادرة سمحت بكسر الصورة النمطية للمكتبة، وتحويل القراءة إلى نشاط تفاعلي حي يلامس الجمهور مباشرة”.

وفي سياق متصل، سجلت الجمعيات المحلية حضوراً نوعياً ومؤثراً، حيث لم تكتف بالمشاركة الشكلية، بل ساهمت في صياغة مضمون التظاهرة.

ومن بين أبرز هذه الجمعيات: جمعية أطفال الصحراء، جمعية نسائم الجنوب الثقافية، وجمعية الأنوار الولائية للنشاطات الثقافية، التي لعبت أدواراً محورية في التنشيط والتأطير، إضافة إلى جمعية شباب المنيعة لحماية البيئة والتراث التي ربطت بين البعد الثقافي والبيئي عبر تنظيم حملات تحسيسية وأنشطة تشجير.

وفي هذا الإطار، أكد ممثلو الجمعيات، وهم بن شهرة نفيسة وبوكريوع محمد عبد الله ومامين محمد الطاهر، أن “العمل الميداني المشترك بين مختلف القطاعات، خاصة الثقافة والبيئة، يعزز وعي المواطن ويكرس سلوكاً مجتمعياً مسؤولاً”، معتبرين أن هذا النوع من المبادرات “يعيد الاعتبار لدور المجتمع المدني كقوة اقتراح حقيقية”.

كما عرفت التظاهرة مشاركة فاعلين من قطاعات أخرى، من بينهم ممثلو قطاع الثقافة عبد الرزاق قواسم وبلمشرح حبيبة، إلى جانب المستشار أولاد حيمودة فريد، والشاعرة حدة كرط ممثلة مديرية الشباب والرياضة، حيث ساهموا في إثراء البرنامج الثقافي بمداخلات ونشاطات عززت الطابع التكاملي للحدث.

الحضور الأمني لم يكن لافتاً من حيث الكثافة بقدر ما كان فعالاً من حيث التنظيم، إذ عملت المصالح الأمنية على تأمين الفضاء العام وتسهيل حركة المواطنين، خاصة مع الإقبال الملحوظ للعائلات والشباب.

هذا الانتشار المدروس لعناصر الأمن ساهم في خلق مناخ من الطمأنينة، مكّن الزوار من التفاعل بحرية مع مختلف الأنشطة الثقافية دون أي معيقات.


ولم يغب البعد التربوي عن هذه الديناميكية، إذ شارك تلاميذ متوسطة ابن باديس ومرتادو دار الشباب بدريان في مختلف الأنشطة، ما أضفى على التظاهرة بعداً تعليمياً يرسخ علاقة الناشئة بالتراث ويغرس فيهم روح الانتماء الثقافي.


ما يميز تجربة المنيعة هو قدرتها على خلق توازن بين التأطير المؤسساتي والمبادرة المجتمعية، وهو ما يعكس تحولاً في فلسفة العمل الثقافي من مركزية القرار إلى تشاركية الفعل. هذا النموذج يطرح اليوم نفسه كخيار عملي يمكن تعميمه، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الثقافية التقليدية في استقطاب الجمهور.


وفي قراءة أعمق، فإن اختيار الفضاء العام كحاضنة للأنشطة، وربط الثقافة بقضايا معاصرة كحماية البيئة، يعكس توجهاً نحو ثقافة وظيفية متجذرة في الواقع، قادرة على التأثير والتفاعل مع مختلف فئات المجتمع.


غير أن الرهان الحقيقي يبقى في استمرارية هذه الديناميكية. فهل تتحول هذه التجربة إلى سياسة ثقافية دائمة تُبنى عليها استراتيجيات مستقبلية، أم تظل مجرد لحظة استثنائية سرعان ما تخبو؟


ما حدث في المنيعة يبعث بإشارة واضحة: الثقافة حين تخرج إلى الناس، وتُفتح أمام الفاعلين، تستعيد دورها الحيوي كقوة تغيير وبناء مجتمعي.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services