85
0
المنيعة من الهامش الجغرافي إلى قلب القرار الصحي: استراتيجية علمية وطنية لمجابهة التسممات العقربية
ندوة جهوية ترسم معالم الانتقال من العلاج الظرفي إلى الوقاية الذكية بهدف “صفر وفيات”

في خطوة تعكس نضجًا متزايدًا في مقاربة الصحة العمومية بالجزائر، برزت ولاية المنيعة كمنصة وطنية للتفكير العلمي والتطبيقي في كيفية مجابهة التسممات العقربية، من خلال احتضانها ندوة جهوية للتكوين حول التكفل الطبي الأمثل بهذه الحالات، تحت الرعاية السامية لوزير الصحة، وبإشراف والي الولاية، وبمبادرة من المديرية العامة للوقاية وترقية الصحة، وبالتنسيق مع مديرية الصحة والسكان لولاية المنيعة.
الهوصاوي لحسن
الندوة، التي امتدت من 16 إلى 18 جانفي، جاءت تحت شعار دقيق الدلالة: «تكفل أمثل… صفر وفيات»، في تأكيد واضح على أن التسممات العقربية لم تعد تُدار بمنطق الاستجابة الاستعجالية فقط، بل ضمن رؤية وقائية شاملة تقوم على التكوين المستمر، والتحليل الإحصائي، والتدخل الطبي السريع المبني على المعطيات العلمية.

إشارة انطلاق هذه الفعالية العلمية أُعطيت خلال يوم دراسي احتضنه المجلس الشعبي الولائي، بإشراف مدير الصحة والسكان لولاية المنيعة، السيد حمزة فتح الله، وبحضور إطارات القطاع الصحي، أطباء، شبه طبيين، طلبة، وممثلي السلطات المحلية، ما يعكس إدراكًا مؤسساتيًا متزايدًا بأن الوقاية الصحية مسؤولية جماعية تتطلب تنسيقًا متعدد المستويات.
وعلى المستوى العلمي، شكّلت المداخلات المتخصصة جوهر النقاش، حيث قدّم البروفيسور واعلي مراد، رئيس مصلحة الإنعاش بمستشفى مصطفى باشا، عرضًا معمقًا حول التكفل الطبي بحالات التسمم العقربي لدى البالغين، مشددًا على أن سرعة التقييم السريري ودقة اتخاذ القرار الطبي تمثلان العامل الحاسم في خفض نسب المضاعفات والوفيات، مع الدعوة إلى توحيد البروتوكولات العلاجية عبر مختلف المؤسسات الصحية.
وفي بعد تكميلي لا يقل أهمية، تناول الدكتور سعيداني، المختص بمعهد باستور، التصنيف العلمي للعقارب، مسلطًا الضوء على الأنواع المنتشرة في الجنوب الجزائري ودرجات خطورتها، وهو ما يوفر قاعدة معرفية ضرورية لفهم طبيعة التسمم وتكييف آليات الوقاية والتكفل الطبي.

أما القراءة الميدانية للوضع الصحي المحلي، فقد قدّمها الدكتور عابد من خلال تحليل الإحصائيات المسجلة بولاية المنيعة، مستعرضًا تطور عدد الإصابات والوفيات، ومبرزًا في المقابل التحسن الملحوظ في مؤشرات التكفل بفضل تعزيز الجاهزية الطبية وتحسين مسارات العلاج.
ولم تقتصر الندوة على الجانب النظري، بل تعززت بورشات تطبيقية ميدانية أشرفت عليها الدكتورة بن الساسي، المختصة في الإنعاش والتخدير، رفقة وفد طبي متخصص، حيث نُظّم تكوين مباشر داخل المراكز الصحية، في خطوة تهدف إلى نقل الخبرة إلى الطواقم العاملة في الخط الأول، وربط المعرفة الأكاديمية بالواقع اليومي للممارسة الطبية.
هذا التوجه العملي يعكس تحوّلًا استراتيجيًا في التعاطي مع المخاطر الصحية الموسمية، من خلال التركيز على الوقاية، والتوعية، وسرعة التدخل، في إطار مقاربة تضع المواطن في قلب المنظومة الصحية وتسعى إلى تقليص الوفيات إلى أدنى مستوى ممكن.

وفي هذا السياق، ثمّن رئيس المجلس الشعبي الولائي، معاد جبريط، هذه المبادرة العلمية، مشيدًا بمجهودات الخبراء الوطنيين وإطارات الصحة بالولاية، ومؤكدًا أن مثل هذه اللقاءات تشكل ركيزة أساسية لتحسين الأداء الصحي محليًا ووطنيا، وترسيخ ثقافة التكوين المستمر كخيار استراتيجي لمواجهة التحديات الصحية، خاصة في ولايات الجنوب.
واختُتمت أشغال الندوة بتكريم القائمين عليها، في رسالة رمزية تؤكد أن الاستثمار في الموارد البشرية الصحية لم يعد خيارًا ثانويًا، بل رهانًا استراتيجيًا لضمان أمن صحي مستدام.
هكذا، تؤكد تجربة المنيعة أن شعار “صفر وفيات” ليس طموحًا نظريًا، بل هدفًا واقعيًا قابلًا للتحقيق، متى التقت الإرادة السياسية بالخبرة الطبية، وتحوّل العلم إلى ممارسة ميدانية تخدم صحة المواطن وتعزز الثقة في المنظومة الصحية الوطنية.

