24
0
المنافسات الرياضية والواقع العربي..النفور بدل التقارب والتضامن !؟

بقلم: مسعود قادري
في زمن القطبية الثنائية العالمية وما ميزها من تنافر وحرب باردة شرسة بين المعسكرين الليبرالي الغربي والشيوعي الشرقي، وجدت أوروبا نفسها منقسمة إلى شطرين، شطر شرقي يغني بالأحمر القاني وشطر غربي يغني بألوان الطيف السبعة التي لا ترى منها شعوب العالم الأخرى غير السواد.
في هذه الفترة العصيبة من التاريخ البشري والعلاقات السياسية المصلحية بين الكتلتين المتعاونتين على دحر النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية، والمتفرقتين بعد ذلك لأسباب مصلحية وتسلطية أكثر منها حضارية وثقافية، فالغرب الذي هيمن على العالم كله لفترة طويلة وابتز الشعوب وامتص خيراتها ليطور حياته ويصنع قوته على حسابها، انتفخ بفضل طاقاتها وسخر شبابها للدفاع عنه وتحريره من النازية لكنه ـ الغرب الاستدماري ـ سرعان ما أدار ظهره لهذه الكيانات البشرية التي لم يعطي لها الحق في عيش كريم بأوطانها وخيراتها ولا في الديمقراطية والحرية والعدالة التي تغنى بها من انتفخت بطونهم بطرا من خيرات مستدمراتهم، فانقلبوا عليها وتنكروا لما قدمت لهم وكانت أصل ما بلغوه من رقي وحضارة مزيفة و.. !؟ ..
هنا استيقظت الشعوب التي نومت لعقود وقرون لتطالب بحقها في الاستقلال والحرية على أراضيها والتخلص من الهيمنة الغربية، فوجدت في الشطر الأوروبي الشرقي ـ الشيوعي الاشتراكي ـ ودروعه الفكرية العقائدية المنتشرة في العديد من دول العالم خير مساند لها في تجسيد طموحها والقيام بثورات شعبية عارمة ضد التواجد الأجنبي فوق أراضيها ..
المساند الجديد دافعه الظاهر، تحرري ولا ينكر أحد مدى ما قدمه من دعم ومساندة لحركات التحرر في العالم، سياسيا، دبلوماسيا وحتى عسكريا، لكن منشأه الفكري العقائدي من إنتاج يهودي صهيوني وهو سبيل جديد لاجتثاث الشعوب من جذورها العقائدية ومحاربة دياناتها بطريقة مغايرة لما سلكته الكنيسة في العهود السابقة وفشلت في تحقيقه.. فالفكر الجديد ـ تبين مع مرور الزمن ـ أنه يصب في النهاية في بحر واحد.
الهدف الظاهر هو المساهمة في تحرير الشعوب من قبضة الاستعمار الغربي لكن الحقيقة أن مسعاه هو إنشاء حكم أحادي التفكير والتوجه وتكوين قطبية جديدة وأنظمة تابعة تتخذ من الوطنية والثورية مشجبا تعلق عليه الآمال والأحلام لكنها قليلا ما تكون في خدمة شعوبها وتحقيق أهدافها التنموية والتطويرية لغياب رؤى واضحة ومخططة وفق برنامج استشرافي علمي ، يأخذ في الحسبان كل المعطيات الموضوعية وإمكانيات البلد المالية والمادية، بل المصدر الوحيد هو ما يصدر عن الحاكم المستبد عادة بنظام بوليسي يجعل من إبداء الرأي جريمة وقول الحقيقة منكرا وخيانة وكانت هذه حياة الدول الشيوعية المتقمصة للاشتراكية كنظام حكم لا يعترف بالرأي الآخر ولا بتعددية الأفكار لبناء وطن قوي ومتطور ..
بين القطبين، ضاع العرب في البحث عن مكانة بين هذا وذاك، لكن الغرب الأوروبي خاصة لم يتأثر كثيرا من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والرياضية بالخصوص بهذه القطبية الثنائية ولم تعيقه الحرب الباردة بين الحلفيين العسكريين ـ الناتو ووارسو ـ المنحل مع سقوط الاتحاد السوفياتي في بداية تسعينيات القرن الماضي ـ وميلاد القطبية الأحادية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة دون غيرها .
أوروبا التي انطلقت في بداية سبعينيات القرن الماضي بتكوين كياني موحد انطلق بسوق أوروبية سداسية مشتركة لتتطور تدريجيا حتي بلغت في نهاية الأمر وحدة قارية متكاملة اقتصاديا وسياسيا واجتماعية رغم ما يفصل بين بلدانها من فوارق لغوية ، عرقية ، تاريخية، لكنها موحدة في فكر واحد شعاره " في الاتحاد قوة " وهذا ما جعل هيئات القارة الرياضية والثقافية تسبق العمليات السياسية والاقتصادية لتوفير مناخ الوحدة المنتظر، فلم تؤثر فيها فترة الحرب الباردة لسبب تاريخي بسيط هو أن أحد القطبين مصطنع ولا يمكنه البقاء طويلا لتعود شعوبه إلى أصوله العقائدية وتتبع الطريق الذي رسمه الآخرين لتطوير أوروبا الموحدة التي صارت قوة اقتصادية لها مكانتها في العلاقات الدولية ومواقفها السياسية وتأثيراتها على الساحة العالمية في مختلف القرارات الأممية التي تخدم مصالح الغرب والحلف الوحيد المسيطر على العالم حاليا ـ"حلف الناتو" " .
كل ما كان يطبخ في كواليس السياسة والاستخبارات، كانت العلاقات الرياضية والثقافية ـ الفنية ـ بالخصوص ـ بعيدة عن تأثيراته، بل كانت تساهم في تحقيق الهدف السامي المبتغى من مخططي الأمة بعد نهاية الحرب الباردة..
فالمنافسات الرياضية القارية والعالمية بين الأندية والمنتخبات وكذلك المهرجانات الثقافية والفكرية التي ساهم الاتحاد الأوروبي للإذاعة والتلفزيون في إنشائها ونشرها والترويج لها، زادت من تقريب الشعوب وتمتين علاقاتها ببعضها ولم تتوقف أو تتعطل لأي سبب من الأسباب ، فلا الليبراليون عارضوها ولا الشيوعيون عرقلوها، بل كانوا جميعا يتمتعون بها ويدعمونها تسهيلا لما يجري تحت الطاولة من مقالب سياسية وديبلوماسية واستخباراتية كانت ثمارها ذوبان الكتلة الشيوعية وحل القوى الثانية في العالم المتمثلة في الاتحاد السوفياتي ، بل قضت على الفكر الشيوعي في العالم ـ مع بقايا شاذة عند "قوم تبع في دول عربية وإفريقية تريد بعض فئاتها المحسوبة على الثقافة والمدعمة من التيارات اللائيكية الماسونية في العالم محاربة ثقافة شعوبها الأصلية فقط دون هدف حضاري واضح لأنها لا تمتلك ذلك في الأصل ..
الشاهد هنا، أن الدول الأوروبية في الفترة المذكورة رغم الاختلاف الجوهري في أنظمة الحكم بين الكتلتين، لكنه ظل بعيدا عن الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية التي تخص أجيال المستقبل فحافظت على العلاقة الانسانية بين الشعوب ولم تتأثر بالخلافات السياسية الآنية التي سرعان ما تزول فتغيب معها أسباب الفرقة والتنافر بين الأنظمة دون الشعوب والتنظيمات بقيت بمنأى عن كل تأثير يتسبب في تعطيل مسارها المستقبلي والمثال حي في عالم اليوم حيث عادت كل الدول التي ضمت عقب الحرب العالمية الثانية من أوروبا عنوة وبالقوة إلى أحضان الكنيسة الغربية بكل توجهاتها ..
العكس تماما، ما يجري في محيطنا العربي الإفريقي بالخصوص، حيث اول ما يقحم في الخلاف السياسي الآني بين الحكام، هو العلاقة بين الشعوب من خلال الأبواق الإعلامية المختصة في إثارة النعرات والخلافات وقلب المواجع بين الشعوب وتضخيم الأمور الصغيرة ونفخها لتصبح مصائب كبيرة..
أول ضحايا هذا التطبيل المصطنع هو العلاقات المباشرة بين من يستمعون لهذه" المنادب " التي تقام في أي مناسبة رياضية بين أي طرفين عربيين أو إفريقيين لهما خلافات بسيطة يمكن حلها بالطرق السلمية وبالحوار..؟
لكن المؤثرين في المحيط العام يفضلون نقل الخلافات إلى الشارع لتغطية نقائصهم وإظهار عيوب الآخرين. فيتحول اللقاء الرياضي بين منتخبين شقيقين أو جارين إلى معركة حامية الوطيس تستعمل فيها كل الأسلحة ـ بينما يترك السلاح الرياضي السليم جانبا .. !؟
في مناسبة أو حدث ، يسعى كل طرف للنيل من الآخر ليس بفوز رياضي محضر ومعد ميدانيا وتربويا ، بل بالطرق الملتوية التي تستخدم فيها أطراف خارجية تجند لتسميم المحيط الرياضي وتلويثه ليفقد مهمته الأساسية المتمثلة في زرع المحبة وتمتين العلاقات بين الشباب العربي والإفريقي عن طريق تطوير الممارسة الرياضية ورفع مستوى الرياضيين ليكونوا في مستوى نظرائهم في العالم وتحقيق النتائج التي تشرف الأمة والقارة في اللقاءات الأولمبية والبطولات العالمية ..
أما استغلال المنافسات الرياضية القومية أو القارية للتضليل وتنفيذ مخططات دنيئة تهدف إلى ضرب المنافسة وصانعي الحدث في الصميم، فهذا ما لا يخدم الرياضة العربية والإفريقية ولا يرفع من شأنها مع أنها في كلا الحالتين ـ عربية أو إفريقية ـ تمتلك من المقومات البشرية، التاريخية والدينية والجغرافية وحتى العائلية ما يجعلها أقرب وأنسب للنجاح من غيرها لو تحررت من المؤثرات الخارجية التي تلعب في مثل هذه الحالات دور الشيطان و دسائسه للتفرقة والتدمير وهو نفس الدور التخريبي التهديمي للمخدرات والمهلوسات التي شلت ومازالت تشل الكثير من شبابنا فكريا وعمليا، لوجود من يمارسون نفس المهام التي يمارسها بعض المسيرين الدخلاء على الرياضة عربيا وإفريقيا، وهي المهام التي ينطلق أصحابها من مبدأ: " أعيش انا وبعدي الطوفان"..؟ !

