1641
0
الخيانة المنسيّة

بقلم الحاج بن معمر
لم يكن المشهد رياضياً، ولم يكن عابراً، ولم يكن قابلاً للتأويل البريء؛ كان صمتاً أثقل من الهتاف، ووقفةً تشبه محاكمةً بلا قضاة، وإشارةً لا تحتاج إلى شرح لأنها مغموسة بالدم والذاكرة.
رجلٌ يقف في المدرجات لا ليشجّع فريقاً، بل ليستدعي شبح باتريس لومومبا، ويعيد فتح ملفٍ ظنّ كثيرون أنه دُفن إلى الأبد، هنا لم تكن كرة القدم لعبة، بل مسرحاً للتاريخ، ولم يكن الصمت حياداً، بل اتهاماً مباشراً.
السؤال الذي فجّر كل شيء لم يكن: ماذا فعل الرجل؟ بل: لماذا فعلها هنا، في المغرب تحديداً؟ لأن المغرب ليس مضيفاً عادياً في هذه الحكاية، بل عقدةٌ تاريخية في واحدة من أبشع الجرائم السياسية في إفريقيا الحديثة.
باتريس لومومبا لم يكن زعيماً عابراً، بل رمزاً للتحررالحقيقي، الرجل الذي فهم أن الاستقلال ليس علماً يُرفع ولا نشيداً يُتلى، بل سيادةٌ على القرار والثروة، ولهذا بالضبط كان هدفاً.
اغتياله في 17 جانفي 1961 لم يكن نتيجة فوضى داخلية فقط، بل ثمرة تحالف استعماري واضح، خططت له بلجيكا، وباركته الولايات المتحدة، ونُفّذ بأدوات محلية وإقليمية، كان من بينها – وهذه هي الحقيقة التي تُغضب – دور مغربي تحت غطاء الأمم المتحدة.
بعد أسابيع قليلة من استقلال الكونغو انفجرت البلاد: تمرّد، انفصال كاتانغا الغنية بالمعادن، وفوضى شاملة، الأمم المتحدة أرسلت قوات “حفظ سلام”، وكانت وحدات مغربية ضمنها بقيادة الجنرال بن حمو الكتاني.
المهمة المعلنة حماية الشرعية، لكن الواقع كان انقلاباً على الشرعية في سبتمبر 1960 نفّذ جوزيف موبوتو انقلاباً أطاح بحكومة لومومبا، ولم يكن ذلك ليتم دون غطاء دولي وإقليمي؛ قوات حفظ السلام التي كان يفترض أن تمنع الانقلاب صمتت، بل سهّلت، والجنرال الكتاني – بحسب وثائق وشهادات معاصرة – لعب دوراً داعماً، فصار الصمت مشاركة، والحياد خيانة.
الصحافة المغربية المعارضة آنذاك، وعلى رأسها “التحرير”، صرخت وسمّت ما يجري “عاراً تاريخياً”، وطالبت بالمحاسبة، لكن القرار كان قد اتُّخذ في مكان أعلى، حيث تُدار المصالح لا المبادئ.
حين حاول لومومبا الهروب لإعادة تنظيم المقاومة أُلقي القبض عليه، لم يُعامل كأسير سياسي بل كهدف يجب سحقه؛ عُذّب وأُهين أمام زوجته وأطفاله، ثم نُقل إلى كاتانغا حيث كان الحكم جاهزاً: إعدامٌ بالرصاص، ثم تقطيعٌ للجثة وإذابتها في الحمض، في محاولة لمحو الرجل من الوجود.
لم يبقَ سوى سنٍّ واحدة احتفظ بها ضابط بلجيكي كتذكار، وأُعيدت بعد ستة عقود اعترافاً متأخراً بجريمة لا تسقط بالتقادم. بعد ذلك حكم موبوتو الكونغو 32 عاماً، أعاد تسميتها زائير، نهب ثرواتها، قمع شعبها، وحوّل بلداً غنياً إلى جحيم، وكان خلال ذلك حليفاً للغرب وصديقاً للرباط.
وحين سقط في 1997، لم يجد ملجأً إلا المغرب؛ استقبله الملك الحسن الثاني، عاش أيامه الأخيرة هناك، مات ودُفن في الرباط، وقبره لا يزال شاهداً صامتاً، بلا اسم كامل، كأن الخجل يُراد له أن يكون بديلاً عن الاعتراف.
في الجهة المقابلة يقف موقف الجزائر، لا بوصفه ادّعاءً أخلاقياً، بل كخيار تاريخي ثابت؛ الجزائرالتي خرجت من حرب تحرير دموية اختارت منذ استقلالها دعم حركات التحرر دون مواربة، واعتبرت اغتيال لومومبا جريمة استعمارية، ولم تشارك فيها، ولم تبررها، ولم تستضف جلاديه.
من الكونغو إلى أنغولا، ومن جنوب إفريقيا إلى فلسطين، كانت الجزائر منحازة لبوصلة واحدة: مناهضة الهيمنة ودعم السيادة، ودفعَت ثمن ذلك عزلةً وضغوطاً، لكنها ربحت احترام التاريخ. لذلك، حين يعود لومومبا إلى الواجهة اليوم، لا تحتاج الجزائر إلى تبييض سجلّها؛ سجلّها يتكلم.
الغضب الذي تفجّر بسبب وقفة صامتة في مدرجات كرة القدم لم يكن غضباً من إشارة، بل خوفاً من حقيقةٍ استيقظت: أن الجرائم التي لم تُحاسَب تعود دائماً، وأن الرياضة ليست خارج السياسة، كما أن الثقافة والفن ليسا بريئين حين يتعلق الأمر بالذاكرة.
لماذا الآن؟ لأن جيلاً إفريقياً جديداً يراجع تاريخه بعيونه، لا بعيون المستعمر، لأن الروايات الرسمية تتآكل، ولأن الصمت الطويل لا يلغي الذنب.
المغرب، كدولة، ليس مطالباً بجلد الذات، لكنه مطالب بالاعتراف: الاعتراف بأن اصطفافات الستينيات كانت خياراً لا قدراً، وأن غطاء الأمم المتحدة لا يبرئ الخيانة، من دون هذا الاعتراف ستظل الأشباح تطارد الملاعب والمنصات، وسيظل اسم لومومبا ينهض كل مرة، لأن الرجل لم يمت في كاتانغا؛ مات الجسد فقط، أما الفكرة فباقية، تقف أحياناً في صمتٍ مرعب، وتحدّق في وجوه من ظنّوا أن التاريخ يمكن دفنه.
الجزائر فهمت الدرس مبكراً، وغيرُها ما زال يهرب من المرآة، لأن الخيانة قد تُنسى في الأرشيف، لكنها لا تُنسى في ذاكرة الشعوب.

