50
0
الحراك… حين التحم الشعب بالجيش لصناعة التحول

بقلم: الحاج بن معمر
شكّلت ذكرى الحراك الشعبي في الجزائر محطة رمزية فارقة في مسار الدولة والمجتمع، ليس فقط لأنها تستحضر لحظة تاريخية خرج فيها ملايين الجزائريين إلى الشارع للمطالبة بالتغيير، ولكن لأنها تعيد إلى الواجهة واحدة من أهم معادلات الاستقرار في البلاد: تلاحم الجيش مع الشعب. فمنذ انطلاق الحراك في 22 فبراير 2019، دخلت الجزائر مرحلة سياسية دقيقة اتسمت بالحراك السلمي الواسع، وبمرافقة مؤسسة الجيش لهذا المسار ضمن خطاب شدد على حماية الدولة وصون الإرادة الشعبية في آن واحد. وبين الشارع والمؤسسة العسكرية تشكّلت معادلة خاصة، صنعت انتقالاً سياسياً أقل كلفة مقارنة بما شهدته دول أخرى في المنطقة.
لقد جاء الحراك في سياق إقليمي ودولي متوتر، حيث كانت تجارب عدد من الدول العربية قد انتهت إلى فوضى أمنية أو انهيار مؤسسات الدولة. غير أن الحالة الجزائرية تميزت بوعي شعبي عميق بطبيعة المخاطر المحيطة، وبحضور مؤسسة عسكرية ذات عقيدة راسخة ترتكز على حماية الوطن واحترام السيادة الوطنية. ولم يكن هذا التوازن وليد الصدفة، بل هو امتداد لمسار تاريخي بدأ مع ثورة التحرير المجيدة، حين كان جيش التحرير الوطني تجسيداً لوحدة الشعب في مواجهة الاستعمار، قبل أن يتأسس الجيش الوطني الشعبي كامتداد لذلك الإرث التحرري.
خلال الأسابيع الأولى للحراك، بدت الساحات العمومية في مختلف المدن الجزائرية فضاءات مفتوحة للنقاش السياسي والتعبير السلمي. رفعت شعارات تطالب بدولة القانون ومحاربة الفساد وتجديد النخب السياسية، وتميّزت المسيرات بطابع حضاري لافت أثار إعجاب المراقبين. في تلك اللحظة الدقيقة، لعبت قيادة الجيش الوطني الشعبي دوراً محورياً في توجيه مسار الأحداث نحو حل دستوري، حين دعت إلى تطبيق المادة 102 من الدستور آنذاك، ما مهّد لاستقالة الرئيس السابق وفتح الباب أمام مرحلة انتقالية مؤطرة قانونياً. وقد عُدّ هذا الموقف مؤشراً على رغبة المؤسسة العسكرية في تجنب الفراغ الدستوري، والحفاظ على استمرارية الدولة ومؤسساتها.
لم يكن التحدي آنذاك سياسياً فحسب، بل كان أمنياً أيضاً. فالجزائر، التي عانت خلال تسعينيات القرن الماضي من أزمة أمنية دامية، كانت تدرك جيداً كلفة الانزلاق نحو الفوضى. ولذلك حافظ الجيش على انتشار مدروس، من دون تدخل مباشر في المسيرات، ما عزز الثقة بين الشارع والمؤسسة العسكرية. هذا السلوك عزز صورة الجيش كضامن للاستقرار، لا كطرف في الصراع السياسي. وقد تكررت في شعارات المتظاهرين عبارات تؤكد الأخوة بين الشعب والجيش، في إشارة إلى إدراك جماعي بأن الحفاظ على الدولة يتطلب وحدة الصف.
ومع تقدم الأحداث، دخلت البلاد في مسار انتخابي تُوّج بانتخاب رئيس جديد في ديسمبر 2019، أعقبه إطلاق حزمة من الإصلاحات السياسية والدستورية. فقد شهدت الجزائر استفتاءً دستورياً في 2020، تضمّن تعديلات تهدف إلى تعزيز الفصل بين السلطات، وتوسيع صلاحيات البرلمان، وتكريس الحريات العامة. ورغم اختلاف التقييمات حول عمق هذه الإصلاحات، فإنها عكست محاولة للاستجابة لبعض مطالب الحراك ضمن الإطار المؤسساتي. في هذا السياق، حافظ الجيش على خطاب يؤكد دعمه لمسار دستوري توافقي، مع التشديد على عدم الانخراط في العمل الحزبي أو السياسي المباشر.
إن قراءة تلاحم الجيش مع الشعب خلال الحراك تقتضي العودة إلى العقيدة العسكرية الجزائرية، التي تأسست على مبدأ “الجيش في خدمة الشعب”. فالمؤسسة العسكرية في الجزائر ليست كياناً منفصلاً عن المجتمع، بل تتشكل في أغلبها من أبناء هذا الشعب، ما يمنحها بعداً اجتماعياً عميقاً. كما أن تجربتها في مكافحة الإرهاب خلال العشرية السوداء عززت مكانتها كحامٍ للوطن من المخاطر الداخلية والخارجية. هذه الخلفية التاريخية أسهمت في بناء جسور ثقة متبادلة، ظهرت بوضوح خلال مسيرات الحراك.
غير أن التلاحم لم يكن مجرد شعار عاطفي، بل كان خياراً استراتيجياً لحماية الدولة من سيناريوهات التفكك. فالجيش، في بياناته المتتالية، شدد على ضرورة الاستجابة للمطالب المشروعة للشعب، وفي الوقت نفسه حذّر من محاولات اختراق الحراك من قبل أطراف تسعى إلى ضرب استقرار البلاد. وقد أثبتت الوقائع أن البيئة الإقليمية المحيطة بالجزائر لم تكن مستقرة، ما جعل الحفاظ على التوازن بين الانفتاح السياسي والأمن القومي مهمة دقيقة. في هذا الإطار، لعبت الأجهزة الأمنية دوراً في مرافقة المسيرات وضبط أي انحراف محتمل، مع الحرص على عدم المساس بالطابع السلمي للحراك.
ذكرى الحراك اليوم تفتح نقاشاً واسعاً حول حصيلة المرحلة: هل تحققت الأهداف التي خرج من أجلها المتظاهرون؟ وهل نجحت الدولة في تحويل الزخم الشعبي إلى إصلاحات مستدامة؟ الإجابة ليست أحادية، إذ يرى البعض أن البلاد قطعت خطوات مهمة في تجديد مؤسساتها ومكافحة الفساد، بينما يعتبر آخرون أن المسار لا يزال يحتاج إلى تعميق الإصلاحات وتعزيز المشاركة السياسية. لكن ما يكاد يجمع عليه معظم المتابعين هو أن الجزائر تجاوزت لحظة حرجة من تاريخها بأقل الخسائر الممكنة، بفضل وعي شعبي ومسؤولية مؤسساتية، كان في مقدمتها الجيش الوطني الشعبي.
كما أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تلت الحراك لا يمكن فصلها عن السياق العام لتلك المرحلة. فقد تبنّت السلطات سياسات تستهدف دعم القدرة الشرائية، وتشجيع الاستثمار، وإطلاق مشاريع تنموية في مختلف الولايات، في محاولة لامتصاص الاحتقان الاجتماعي وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة. وفي هذا المسار، ظلّ الجيش يؤدي أدواره التقليدية في حماية الحدود ومكافحة التهديدات العابرة للحدود، خاصة في ظل بيئة إقليمية معقدة في الساحل وليبيا. هذا التفرغ للمهام الدفاعية، بالتوازي مع دعم المسار السياسي، عزز صورة التوازن بين الأمن والإصلاح.
ومن زاوية رمزية، أعادت ذكرى الحراك الاعتبار لفكرة المشاركة الشعبية في صنع القرار، ورسخت ثقافة التظاهر السلمي كأداة تعبير حضاري. كما أبرزت أهمية الحوار الوطني كآلية لتجاوز الأزمات، بعيداً عن منطق الصدام. لقد كانت مشاهد المتظاهرين وهم يرفعون العلم الوطني ويهتفون للوحدة الوطنية دليلاً على أن الرهان لم يكن إسقاط الدولة، بل إصلاحها من الداخل. وهنا تحديداً تبرز قيمة التلاحم بين الجيش والشعب، باعتباره صمام أمان يمنع الانقسام ويحفظ مؤسسات الدولة من الانهيار.
إن التحدي المطروح اليوم يتمثل في كيفية استثمار تلك اللحظة التاريخية لبناء عقد اجتماعي جديد يعزز الثقة بين المواطن والدولة. فالتلاحم الذي ظهر في الشارع يجب أن يتحول إلى شراكة مستدامة في التنمية وصنع السياسات العامة. كما أن الحفاظ على روح الحراك يتطلب ترسيخ قيم الشفافية والمساءلة، وضمان فضاءات حرة للنقاش السياسي والإعلامي. وفي هذا السياق، يظل الجيش، بحكم مكانته الدستورية، ضامناً للوحدة الوطنية، شرط أن يستمر في احترام حدوده الدستورية، وأن تبقى السياسة مجالاً للمدنيين ضمن مؤسسات منتخبة.
ختاماً، تمثل ذكرى الحراك في الجزائر مناسبة للتأمل في مسار دولة واجهت اختباراً صعباً، ونجحت في عبوره بفضل تلاحم شعبها وجيشها. لقد أثبتت التجربة أن الاستقرار لا يعني الجمود، وأن التغيير لا يستلزم الفوضى. وبين هذين الحدين تشكّلت تجربة جزائرية خاصة، عنوانها التوازن بين الإرادة الشعبية وحماية الدولة. وإذا كان المستقبل يحمل تحديات جديدة، فإن درس الحراك يبقى حاضراً: عندما يلتقي صوت الشارع بحكمة المؤسسة، يمكن للأوطان أن تجد طريقها نحو الإصلاح بأقل الكلف وأكثر الأمل.

