102430
0
مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 176

بقلم اسماعين تماووست
في ليالٍ تشبه بعضها حتى بات الليل نفسه يملّ سواده، كنت أوقن أن الجريمة لا تبدأ حين يُسفك الدم، بل يوم يُسفك الحياء من العقول.
ما كان يحدث في تلك الأيام لم يكن مجرد عصابات تُنكل بأبرياء، بل فكرة فاسدة وجدت من يرويها. كلما وطئت قدماي مسرح جريمة، لا أرى فقط جثة، بل قصة. قصة وطن يُقطع أوصاله من الداخل، وخيوط كثيرة تنتهي عند يد واحدة.
علّمتني التجربة أن العدو الأخطر هو الذي يشبهك. يردد اسم الله، يسير بجانبك، ينحني للسلام، ثم يغرس الخنجر في ظهرك.
من يومها، تعلمت ألا أثق إلا بما أقرأه في العيون، فالخائن مهما خبأ قلبه، تفضحه نظراته.
كانوا يتحدثون عن الدين، ويذبحون بإسمه. عن الحرية، ويسجنون الأحياء في قبور مفتوحة. عن الشرف، وهم يبيعونه في أرخص سوق.
وقفت كثيرًا أمام الخراب الذي خلفوه. لم أسأل: "لماذا؟"
لأنني كنت أعلم...
كنت أعلم أن الأوطان لا تُسرق فقط من خزائنها، بل من قلوب أبنائها.
ولهذا، كنت أحتفظ ببقايا عزيمة، وأردد:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾
[الحج: 38]
عشت على يقين أن معركة الجزائر لم تكن مع بنادق المرتزقة، بل مع العقول التي صنعت هذا الخراب.
كان الليل يسدل ستائره، وأظل أنا وحدي على مكتبي، تتراكم الملفات، وتتطاير أوراق الشهداء. وفي لحظة صمت، كنت أكتب:
"ثمة خيانة لا تُعالج بالرصاص، بل بكشفها."
وفي داخلي، صوت أبي — الشهيد — يتردد:
"إسماعين الأوطان لا تسقط إلا حين يصمت الشرفاء."
لم أكن أتحمل فكرة الصمت. كان كل شهيد أعرفه، وكل يتيمٍ مرّ أمامي، يصرخ في ذهني:
"احكِ عنا… لا تترك دمنا يُنسى."
ولهذا، كتبت.
لا لأنني أملك موهبة الكتابة، بل لأنني أملك ذاكرة لا تموت. وكنت أعلم أن عدوي الأذكى هو الذي سيحاول دفن الحكايات، لا الجثث.
وفي تلك المرحلة، اكتشفت سرًّا:
أن الرعب قد ينتصر لساعات، لكن الكلمة العادلة تعيش قرونًا.
اليوم، كلما نظرت للخلف، علمت أنني لم أكن رجل شرطة فقط… كنت مؤرخًا للدم، وموثقًا للحقيقة، ورافضًا لأن تنسى الجزائر أسماء من ضحوا من أجلها.
لهذا بقيت أتنفس، لا لكي أعيش، بل لأكتب.
في زحمة الفوضى، حيث تتشابك الأصوات وتختلط رائحة الخوف بالغدر، كان صوت العقل ينادي داخلي بصمت لا يخطئه سمع.
كنت أدرك أن مهمتي ليست فقط جمع الأدلة، بل أن أكون صدى للذين لا صوت لهم، ومُوقِعًا على صفحات النسيان، لأكتب بأحرف من نور قصص المظلومين.
بين الظلام والليل، تعلمت أن أسير بثبات، وأن أميّز الحقيقة وسط بحر الأكاذيب.
الدهاء كان سلاحي، والهدوء ملاذي، فقد أدركت أن العاصفة الحقيقية ليست في الرصاص، بل في تشتيت الفكر، وتشويه الذاكرة.
لم أسمح لليأس أن يقترب، رغم أن الخسارات كانت تطرق بابي بلا رحمة.
كان في قلبي صوت يقول: "الصبر مفتاح النصر، والعدل عنوان الحياة."
أحيانا، كنت أجلس مع نفسي وأسألها: كيف نحمي وطنًا يتآكل من داخله؟ وكيف نصمد حين ينكسر الحبل بيننا وبين الأمل؟
كانت الإجابة بسيطة لكنها عميقة: بأن نؤمن بأن كل ضوء في هذا الظلام هو انتصار صغير، وكل خطوة نحو الحق رسالة لا تموت.
لم يكن الأمر مجرد وظيفة، بل عهدًا قديمًا قطعته مع نفسي، مع الأرض التي احتضنتني، ومع روح كل شهيدٍ رحل.
كان في عزيمتي أن أكون ذلك الجدار الذي لا ينكسر، واليد التي تمسك بقوة، والقلم الذي لا يخشى الحقيقة.
أذكر قول الله تعالى:
﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾
[آل عمران: 139]
هذه الآية كانت نبراسًا في ليالي الوجع، تلهمني أن القوة ليست في الغلبة الجسدية فقط، بل في ثبات الإيمان، وفي صمود القلب.
وفي كل ملفّ جديد كنت أفتحه، أسمع همسات الأحياء، وصرخات المغيبين، وأجد عزيمة جديدة تملأ روحي.
كنت أعلم أن الحرب لم تكن فقط بيننا وبينهم، بل بين الخير والشر، بين الحقيقة والزيف.
هكذا، استمرت رحلتي… ليست فقط كضابط، بل كإنسان يحمل مشعل الحق، متحديًا الظلام، حتى تشرق شمس الحرية من جديد.
في زوايا الذاكرة التي لا تهدأ، هناك تفاصيل صغيرة تحمل عبء تاريخٍ كبير، وكأن كل لحظة من الألم قد نُسجت بخيوط من الألم والخيانة.
كنت أُعيد تلك المشاهد في ذهني، كل مشهد بمثابة لوحة مرسومة بالدموع والدماء، يروي قصة وطن يُقتل بصمت.
كنت أتساءل دائمًا: كيف يمكن لإنسان أن يتحول إلى وحش؟ وكيف يُباع الضمير بثمن بخس؟
لكنني سرعان ما أدركت أن الإجابة ليست في الوحش نفسه، بل في البيئة التي تخرجه من بيننا، في الفساد الذي يستشري كالسم داخل الجسد.
في كل ملف كنت أفتحه، وجدت أسماءً ليست مجرد حروف، بل أرواح كانت تحلم بالحرية والسلام.
وكنت كمن يحاول جمع أشلاء حلمٍ ضائع، ليعيد تشكيله رغم كل الخيبات.
كانت ليالي التحقيق طويلة، والصمت في غرفتي يروي لي قصصًا أكثر من الكلمات.
كنت أكتب وأكتب، لا لامتلاء صفحات فقط، بل لأن الكتابة كانت طريقي للبقاء إنسانًا في عالم ينهار.
في لحظة ضعف، تذكرت قولًا حكيمًا:
"إنما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين أخويكم"
[الحجرات: 10]
وهذا كان جوهر رسالتي، أن المصالحة ليست فقط بين الناس، بل بين القلب والضمير، بين الماضي والحاضر.
لم يكن هدفي أن أكون مجرد شاهد على الخراب، بل أن أكون صوتًا ينبض بالحياة، ينادي بالحق وسط الصمت المريب.
كنت أعلم أن الكلمات أقوى من البنادق، وأن الحقيقة رغم تعثرها في خطواتها، لن تُهزم أبدًا.
وبين دفاتر التحقيق، كنت أجد قواسم مشتركة بين ضحايا الظلم، كانوا كالنجوم التي لا تنطفئ في سماء ذكرياتي.
هكذا استمرت رحلتي، مفعمة بإصرار على كشف الظلم، وكتابة قصة وطن لم يمت بعد.
يتبع..…

