100691
0
مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 175

بقلم اسماعين تماووست
في تلك السنوات الحالكة، كان الوطن يتألم في صمت. جراحه المفتوحة لا تجد من يداويها، وصراخ أبنائه يضيع في فراغ كثيف من الخوف والرعب، لم تكن الأصوات تعلو إلا لأزيز الرصاص، ولا الألوان تُرى إلا حمرة الدماء وسواد الحداد. أصبح الموت ضيفًا ثقيلاً، يحلّ على البيوت متى شاء، يقتلع الأرواح دون سابق إنذار، ويمضي تاركًا خلفه أمهات ثكلى، ونساءً أرامل، وأطفالاً يتامى، ينظرون للسماء بعيون باكية تسأل: بأي ذنبٍ قُتل أبونا؟
لم يكن أولئك القتلة سوى أدوات شهوات مريضة، ينفّذون رغبات سادتهم دون وعي، ولا إدراك لحجم المصيبة. عصابة دنّست الأرض والسماء، لا تعرف معنى للرحمة، ولا تؤمن بقداسة الحياة. كان كل شيء مباحًا عندهم: قتلٌ، ونهبٌ، واغتصابٌ، وتعذيبٌ، وكل فعلٍ شيطانيّ يخطر ببال بشر منزوع الفطرة.
وما كان يدمي القلب أكثر، أن بعض أبناء هذا الوطن، أولئك الذين يُفترض أن يكونوا حماة له، صاروا شركاء في الجريمة. تخاذلوا، وارتضوا الذلّ، وباعوا ضمائرهم بثمنٍ بخس. جلسوا على موائد الدم، يشربون نخب الخيانة، ويتباهون أمام سادتهم .
أما الأبرياء، فكانوا يعيشون حالة رعب دائم. لم يعد أحد يأمن من غدر الزمان. كل شخص صار هدفًا محتملًا. شيخ في المسجد، تلميذ في القسم، أمّ في بيتها، طفل في حضن أبيه. لم يكن للبراءة مكان. صار الدم أرخص من الماء، والقتل أبسط من إغماضة عين.
كنت أتجوّل بين حطام القرى، أجمع الحكايات من أفواه الأحياء، أستنطق الجدران السوداء التي شهدت المجازر. كانت الأرامل يروين مآسيهن بدموع حارقة، واليتامى يحدّقون في الفراغ، كأنهم يبحثون عن دفء مفقود.
امرأة عجوز أمسكت بيدي يومًا، وقالت بصوت متهدّج:
"يا بني… أخذوا ابني الوحيد… ذبحوه أمامي… لم يتركوا لي غير قميصه الملطخ بدمه… أقسمت أن لا أغسل دمي عنه حتى ألحق به."
وقفت أمامها عاجزًا. ماذا أقول؟ أي كلامٍ يواسي قلبًا احترق؟
كنت أردد في سري:
﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾
[البروج: 8]
نعم… كان ذنبهم الوحيد أنهم أرادوا أن يعيشوا بكرامة في وطنهم. أن يمشوا آمنين في دروب قراهم. أن يناموا ليلاً بلا خوفٍ من المجهول.
كان المشهد فظيعًا. رجال بملامح ضباع، وقلوب ذئاب، يسوقون الأبرياء نحو الموت، والقرى تحترق كأعواد الثقاب. لم يكن في قلوبهم ذرة من إنسانية. سفكوا دماء الرجال، واستحيوا النساء، ويتموا الأطفال، دون أن يرمش لهم جفن.
ومع ذلك، كانت هناك مقاومة. رجال شرفاء لم يرضخوا. تسلّحوا بالإيمان، وبحبّ هذا الوطن. رفضوا الخنوع، وعاهدوا أرواحهم أن يبقوا واقفين حتى آخر رمق. كانوا قلة، نعم… لكنهم كانوا أعمدة شامخة، حملت البلاد على أكتافها في أحلك الليالي.
كانت أيامًا نازفة. يموت فيها المرء ألف مرة قبل أن يُقتل. خوف على الأهل، على النفس، على الوطن. أحياء كاملة صارت مقابر مفتوحة. لا تفرق فيها بين يوم وليلة، ولا بين فرحٍ وحزن. كل شيء صار رمادًا.
ومع كل هذا، كان هناك من يتاجر بالدماء. منافقون يرتدون ثياب الدين نهارًا، ويعقدون صفقات الخيانة ليلاً. يتبادلون أسماء المطلوبين، ويمهّدون الطرق للقَتَلة.
كنت أراقبهم من بعيد، وأتأمّل كيف يسقط البشر من علياء إنسانيتهم إلى درك الخيانة. كانوا يبيعون شرفهم مقابل حفنة دنانير، أو وعود زائفة بمناصب.
لم يكن الجرح في الجسد وحده، بل في الروح أيضًا. وطنٌ مغدور، وشعب ممزق، ودماء بريئة تسقي الأرض كل ليلة.
لكننا كنا نؤمن — وما زلنا — أن الفجر لا بد أن يُولد، مهما طال ليل الباطل.
لم تكن الحربُ في بلادي سلاحًا يُشهر فقط، ولا نارًا تشتعل في ليلٍ غادرٍ وتنطفئ عند أول ضوء. كانت حرب عقولٍ قبل أن تكون حرب بنادق. أدركت مبكرًا أن وراء هذا الجنون دماغًا يدير الخراب عن بعد، يُتقن تحريك قطع شطرنج بشرية بلا رحمة.
في أوج ذلك الرعب، وبينما كانت الأحياء تُباد، والمداشر تُخلى من أهلها، وقفت أفكر… ماذا يريدون حقًا؟ أي حقدٍ هذا الذي يدفع الإنسان إلى استباحة دم أخيه، تحت عباءة دينٍ لم يأمر يومًا بظلم ولا فوضى؟
رأيت بأم عيني كيف تسللت أفكار الخراب إلى النفوس قبل أن تصل إلى الأجساد. كيف شوّهوا مفاهيم الرحمة، وكيف أقنعوا أتباعهم أن القتل طاعة، والاغتيال قُربى.
كنت أعلم — وأنا أُدير تحقيقاتي في الخفاء — أن هناك أيديًا خفية تحيك السواد لوطنٍ لم يخضع يومًا. خونة الداخل أخطر من عدو الخارج. فهم يُتقنون لغتك، يعرفون ضعفك، ويتحدثون بلسانك.
كلما عثرت على أثر جريمة، لم أكن أبحث فقط عن القاتل، بل عن صاحب الفكرة… عن ذاك الذي زرع الحقد في القلوب، وأطلق الأوامر في الظل.
وفي صمتي كنت أردد قول الحق: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾
[النحل: 26]
كنت أؤمن أن الظلم وإن طال، فهو إلى زوال. وأن قوة الأحرار لا تقاس بالرصاص، بل بالعقل الذي يصمد حين ينهار الجميع.
في كل مساء، كنت أجلس وحيدًا بين الوثائق، لا لأعد عدد الجثث، بل لأرسم خارطة العدو. كنت أدرس تحركاتهم، لغتهم، رموزهم، وأقرأ رسائلهم المشفرة في تفاصيل الجرائم.
كنت أقول لنفسي: "إن أردت هزيمة الظلام، فابدأ من عقله، لا من ذيله."
وما كان يشدني وسط هذا الجنون، أن الجزائر كانت دائمًا تلد رجالها وقت الشدة. رأيت في وجوه عجائز القرى، وفي نظرات أطفال الشوارع، شجاعة لا تُشترى، وعزة لا تكسرها المحن.
لم أسلم من التهديدات، ولا من محاولات الاغتيال. لكنني — بقدر ما كنت أواجه خطر الموت — كنت أزداد إيمانًا أن الصمت جريمة، وأن الحياد خيانة.
ليس كل من حمل سلاحًا مجرمًا، ولا كل من لبس بزةً عسكرية شريفًا. كنت أميز الرجال من الأصنام، وأعرف أن التاريخ لا يحفظ الأسماء، بل المواقف.
ولأني كنت أؤمن أن العدل بطيء لكنه لا يغيب، ظللت أمضي، أكتب، وأدون، لأشهد وأفضح.
كنت أعرف أنني إن سقطت، ستنهض بعدي كلماتٌ تُلهب صدور الخونة.
قلت ذات يوم في نفسي:
"قد يموت الجسد، لكن الوطن يعيش في من يحمل سره، ومن يتقن قراءة جراحه."
ولذا، قررت أن أكون شاهدًا لا ضحية. سلاح عقلي أشرس من مسدسي و كذالك رصاصهم. ومعركة الأفكار التي خضتها في صمت، صنعت نصرًا لم يتوقعوه.
يتبع…

