21
0
الجزائر تتجه نحو “مصالحة جبائية” جديدة
الأبواب المفتوحة بالمنيعة تكشف رهان الدولة على الامتثال الطوعي وتطهير الديون الضريبية

لحسن الهوصاوي
في خطوة تعكس توجها جديدا للإدارة الجبائية نحو تكريس ثقافة الثقة والمرافقة بدل الاكتفاء بمنطق المتابعة والعقوبة، احتضنت ولاية المنيعة، أمس الأحد، فعاليات الأبواب المفتوحة الخاصة بالتدابير الجبائية المتعلقة بتسوية الوضعية الضريبية، وذلك في إطار الحملة الوطنية التي أطلقتها وزارة المالية والمديرية العامة للضرائب لشرح مضامين المادتين 93 و122 من قانون المالية لسنة 2026.
هذه المبادرة، التي أشرف عليها مدير الضرائب لولاية المنيعة بن جدو خالد، لم تكن مجرد نشاط إداري تقليدي، بل حملت أبعادا اقتصادية وتنظيمية تعكس مساعي الدولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الإدارة الجبائية والمكلفين بالضريبة، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية التي تفرض توسيع الوعاء الضريبي ومحاربة الاقتصاد الموازي بأساليب أكثر مرونة وواقعية.
وعرفت التظاهرة، المنظمة على مستوى المصالح الجبائية بجنان البايليك، مشاركة واسعة لممثلي غرفة التجارة والصناعة والاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين، إلى جانب عدد معتبر من المتعاملين الاقتصاديين والمكلفين بالضريبة، الذين تلقوا شروحات مفصلة حول التدابير الاستثنائية الخاصة بالتسوية الجبائية الطوعية، وكذا الإجراءات المتعلقة بتطهير وإلغاء بعض الديون والغرامات الجبائية وفق ما ينص عليه قانون المالية الجديد.
ويقرأ متابعون هذه التدابير باعتبارها جزءا من مقاربة اقتصادية تعتمد على تشجيع الامتثال الطوعي، من خلال منح فرص قانونية للمؤسسات والأفراد من أجل تسوية أوضاعهم الجبائية دون الدخول في مسارات نزاع طويلة أو إجراءات ردعية قد تؤثر على النشاط الاقتصادي، خاصة بالنسبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتجار والحرفيين.
وفي هذا السياق، حرصت مصالح الضرائب خلال الأبواب المفتوحة على تخصيص فضاءات للاستقبال والتوجيه، مع فتح المجال أمام الحضور لطرح انشغالاتهم المرتبطة بملفاتهم الجبائية، حيث تكفل إطارات القطاع بتقديم التوضيحات القانونية والتقنية اللازمة، في خطوة تؤكد سعي الإدارة إلى ترسيخ مبدأ الشفافية وتحسين جودة الخدمة العمومية.

وأكد مدير الضرائب لولاية المنيعة، بن جدو خالد، أن هذه الحملة تندرج ضمن سياسة تقريب الإدارة من المواطن وتعزيز الوعي الجبائي، موضحا أن مصالح الضرائب تعمل على مرافقة المكلفين وتمكينهم من فهم التدابير الجديدة والاستفادة من التسهيلات التي جاء بها قانون المالية لسنة 2026، بما يسمح بتسوية أوضاعهم في إطار قانوني واضح ومنظم.

ويرى مختصون أن الرهان الحقيقي لهذه الإصلاحات لا يكمن فقط في تحصيل المستحقات الجبائية، وإنما في بناء علاقة جديدة بين الدولة والمتعامل الاقتصادي تقوم على الثقة والتعاون، خاصة في ظل توجه الجزائر نحو تحديث المنظومة المالية والانتقال التدريجي إلى إدارة جبائية أكثر رقمنة وفعالية.
وبين متطلبات تعبئة الموارد المالية للدولة وضرورة الحفاظ على ديناميكية النشاط الاقتصادي، تبدو إجراءات التسوية الجبائية التي حملها قانون المالية 2026 محاولة لإيجاد توازن جديد، عنوانه: “تشجيع الامتثال بدل توسيع دائرة المتابعات”، وهي مقاربة قد تحدد مستقبلا ملامح العلاقة بين الإدارة الضريبية والفاعلين الاقتصاديين في الجزائر.


