12

0

الدولة أمام اختبار الفضاء المفتوح: من يضبط السرد في العصر الرقمي؟

بين حرية التعبير وتضليل الرأي العام… عندما تتحول المنصات الافتراضية إلى ساحة صراع على المعلومة

لم يعد الفضاء الرقمي في الجزائر مجرد مجال للتفاعل الاجتماعي أو تبادل الآراء، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في المعادلة الوطنية، يساهم في تشكيل الرأي العام ويوجه النقاشات، وأحيانًا يفرض سرديات موازية للخطاب الرسمي.

الهوصاوي لحسن

 هذا التحول، رغم ما يحمله من فرص لتوسيع المشاركة والتعبير، كشف في المقابل عن هشاشة في التعامل مع المعلومة، وعن انزلاقات جعلت من بعض المنصات الافتراضية أدوات ضغط وتشويش بدلًا من أن تكون فضاءات نقاش مسؤول.

المعلومة بين التداول والقرار

في الدولة الحديثة، لا تُعد المعلومة مجرد محتوى، بل عنصرًا من عناصر السيادة. فطريقة نشرها، وتوقيتها، ومصدرها، كلها عوامل تحدد أثرها في الاستقرار العام. غير أن منطق "النشر الفوري" كسر هذا التوازن، حيث باتت أخبار غير مؤكدة حول قرارات سيادية، أو تغييرات إدارية، أو مواقف مؤسساتية، تتداول على نطاق واسع قبل أن تمر عبر قنواتها الطبيعية.

هذا الواقع خلق مفارقة خطيرة: رأي عام يتفاعل مع معلومات لم تُنتج بعد، ومؤسسات تُدفع إلى الرد بدل المبادرة، وهو ما يضعف الثقة ويُربك الأداء العام.

الإشاعة كأداة تأثير

لم تعد الإشاعة الرقمية فعلًا عفويًا، بل تحولت في بعض الحالات إلى وسيلة لصناعة الانطباع وتوجيه المزاج الاجتماعي. فالتضخيم، والاقتطاع من السياق، وتقديم الافتراض على أنه حقيقة، كلها تقنيات تُستعمل في الفضاء الافتراضي وتنتج أثرًا مباشرًا على السلم الاجتماعي.

ويزداد خطر هذه الممارسات حين تتعلق بقضايا الأمن الوطني أو المؤسسات السيادية، حيث يصبح الأثر مضاعفًا، ويتحول المنشور من رأي شخصي إلى عامل اضطراب عام.

انتحال الصفة… شرعية زائفة

من أخطر مظاهر الانفلات الرقمي ادعاء التحدث باسم المجتمع المدني أو الإيحاء بتمثيل مؤسسات الدولة وإطاراتها. هذه الممارسات لا تخلق فقط خلطًا بين الرأي والصفة، بل تمنح المحتوى مصداقية وهمية وتجعل المتلقي يتعامل معه على أنه موقف رسمي أو تمثيلي.

فالمجتمع المدني، الذي يُفترض فيه أن يكون رافعة وعي وتأطير، يُستغل أحيانًا كواجهة لتمرير مواقف فردية أو أخبار غير مؤكدة، ما يسيء إلى دوره ويُفرغه من رسالته القانونية.

القانون كآلية توازن لا كأداة قمع

في مواجهة هذه التحولات، لا يتدخل القانون بوصفه قيدًا على الحرية، بل كآلية توازن تحمي الحق في التعبير من الانزلاق إلى الفوضى. فالتشريع يميّز بين النقد المشروع والتشهير، وبين الرأي والتضليل، وبين التعبير الفردي وسوء استعمال الصفة.

كما أن إعادة النشر أو إدارة الصفحات لم تعد أفعالًا محايدة، بل أدوارًا مؤثرة تُحمّل أصحابها مسؤولية كاملة عن المحتوى المتداول، متى كان مخالفًا للقانون أو ماسًا بالمصلحة العامة.

معركة الوعي قبل معركة النص

يبقى الرهان الحقيقي في ترسيخ ثقافة رقمية تقوم على التحري والدقة والمسؤولية. فمهما بلغت صرامة القوانين، لا يمكن ضبط الفضاء الرقمي دون وعي جماعي بأن الكلمة فعل، وأن المنشور موقف، وأن الصفة ليست شعارًا يُستعمل عند الحاجة.

فحرية التعبير تظل مكسبًا أساسيًا، لكنها تفقد معناها حين تُفصل عن الحقيقة وتتحول إلى أداة ضغط أو تضليل.

خلاصة

في زمن المنصات المفتوحة والتأثير السريع، تجد الدولة والمجتمع نفسيهما أمام تحدٍ مشترك: كيف نحمي الفضاء الرقمي دون خنق النقاش العام؟ الجواب لا يكمن في المنع ولا في الفوضى، بل في ترسيخ معادلة واضحة:
حرية مسؤولة، معلومة موثوقة، وسيادة لا تُدار خارج مؤسساتها.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services