118

0

الدبلوماسية المغربية في إفريقيا.. كيف حوّل المخزن القارة إلى ساحة ابتزاز سياسي وشراء ولاءات؟

 

بقلم الحاج بن معمر 
في السياسة لا تكفي الابتسامات الدبلوماسية ولا الزيارات الملكية الفخمة لصناعة النفوذ الحقيقي، لأن القارة الإفريقية، التي دفعت لعقود ثمن الاستعمار والتبعية، باتت أكثر قدرة على تمييز الشراكة الصادقة من العلاقات القائمة على الابتزاز والمصالح الظرفية.

ومن هنا تحديدًا تتكشف أزمة الدبلوماسية المغربية في إفريقيا، حيث يظهر التناقض الصارخ بين خطاب “التعاون الإفريقي” الذي يروّج له المخزن، وبين ممارسات ميدانية تقوم على شراء المواقف، واستغلال الفقر السياسي لبعض الأنظمة، وتوظيف المال والضغط الاقتصادي لخدمة أجندة ضيقة مرتبطة أساسًا بقضية الصحراء الغربية.
لقد حاول النظام المغربي خلال السنوات الأخيرة تسويق نفسه باعتباره “قوة إفريقية صاعدة”، غير أن القراءة المتأنية للمشهد تكشف أن ما يجري ليس صعودًا استراتيجيًا بقدر ما هو محاولة محمومة للهروب من العزلة السياسية عبر اختراق القارة بالمال والمصالح المؤقتة.

فالمخزن لم يدخل إفريقيا من بوابة مشروع حضاري أو تنموي متكامل، بل دخلها بعقلية “الصفقات السياسية”، حيث تتحول الاستثمارات والاتفاقيات أحيانًا إلى أدوات ضغط لانتزاع الاعترافات أو تغيير المواقف الدبلوماسية.
إفريقيا بالنسبة للمخزن.. ملف الصحراء قبل أي شيء
المشكلة الجوهرية في الدبلوماسية المغربية أنها لا ترى إفريقيا كفضاء حضاري أو اقتصادي مستقل، بل تتعامل معها من زاوية واحدة: من يدعم الطرح المغربي في قضية الصحراء ومن يرفضه.

ولهذا تحوّلت السياسة الخارجية المغربية إلى ماكينة ضغط مستمرة هدفها إضعاف حضور الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية داخل القارة، حتى ولو كان الثمن تمزيق العلاقات الإفريقية وإغراقها في الاستقطاب.
كل تحرك مغربي تقريبًا في إفريقيا يحمل هذا الهاجس. فالاستثمارات البنكية، واتفاقيات التعاون، وحتى الأنشطة الدينية والثقافية، غالبًا ما تُوظف سياسيًا لخدمة أجندة الصحراء.

وهذا ما جعل العديد من النخب الإفريقية تنظر بعين الريبة إلى التحركات المغربية، باعتبارها ليست شراكات بريئة بل أدوات نفوذ مشروطة.
وفي أكثر من محطة، ظهر بوضوح أن الرباط تعتمد سياسة “العصا والجزرة”، فمن يقترب من الطرح المغربي يُغدق عليه بالدعم والاستثمارات والاتفاقيات، ومن يخرج عن الخط يتعرض للتجميد السياسي أو الحملات الإعلامية أو الضغوط الاقتصادية.

وهذه المقاربة ليست دبلوماسية دولة واثقة، بل سلوك نظام يعيش هاجس الشرعية والخوف من الاختراق السياسي داخل القارة.
شراء المواقف بدل بناء التحالفات
واحدة من أخطر الممارسات التي طبعت الدبلوماسية المغربية في إفريقيا هي تحويل المال إلى أداة لشراء الولاءات. فالمخزن يدرك أن جزءًا من الأنظمة الإفريقية يعاني هشاشة اقتصادية وسياسية، ولذلك حاول استغلال هذه الثغرات لبناء شبكة من العلاقات الهشة القائمة على المصالح المؤقتة.
لكن المشكلة أن الولاءات التي تُشترى بالمال تنهار بسرعة عند أول تغير في المصالح.

ولهذا شهدت العلاقات المغربية الإفريقية تقلبات حادة، حيث كانت بعض الدول تسحب اعترافها بالجمهورية الصحراوية ثم تعود لاحقًا إلى مواقف مغايرة بمجرد تغير موازين القوى أو تبدل الحكومات.
هذا يكشف أن المغرب لم ينجح في بناء نفوذ استراتيجي حقيقي داخل إفريقيا، بل بنى شبكة علاقات ظرفية مرتبطة بالمساعدات والضغوط والامتيازات الاقتصادية. وعندما تكون الدبلوماسية قائمة على المال أكثر من الثقة، فإنها تتحول إلى مشروع هش قابل للانهيار في أي لحظة.
اختراق ديني لخدمة السياسة
من الأدوات التي استخدمها المخزن بقوة داخل إفريقيا ما يسمى “الدبلوماسية الدينية”، حيث حاول تقديم نفسه كمرجعية دينية معتدلة عبر الزوايا الصوفية وتكوين الأئمة والتوسع الروحي في غرب إفريقيا.
ظاهريًا يبدو الأمر تعاونًا دينيًا وثقافيًا، لكن في العمق كان جزءًا من مشروع نفوذ سياسي واضح.

فالمغرب أدرك مبكرًا أن الدين في إفريقيا يمثل قوة اجتماعية ضخمة، ولذلك حاول استثماره لبناء ولاءات ناعمة تخدم خياراته السياسية.
غير أن هذا التوظيف السياسي للدين أثار انتقادات واسعة، لأن تحويل المؤسسات الدينية إلى أدوات دبلوماسية يُفقدها استقلاليتها الروحية، ويجعلها جزءًا من لعبة النفوذ الإقليمي.

كما أن بعض النخب الإفريقية بدأت تنظر إلى هذا التوسع باعتباره محاولة لاختراق المجتمعات الإفريقية ثقافيًا ودينيًا تحت غطاء “الإسلام المعتدل”.
العودة إلى الاتحاد الإفريقي.. هزيمة مغلفة بالدعاية
حين عاد المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، احتفت وسائل الإعلام الرسمية بالحدث باعتباره “انتصارًا تاريخيًا”. لكن الحقيقة السياسية كانت مختلفة تمامًا.
فالرباط عادت إلى الاتحاد بعدما أدركت أن سياسة المقاطعة التي استمرت عقودًا لم تحقق أهدافها، وأن الغياب عن المؤسسات الإفريقية جعلها تفقد التأثير داخل القارة.

غير أن العودة نفسها كانت اعترافًا ضمنيًا بفشل الرهان السابق، لأن المغرب اضطر للجلوس داخل منظمة تعترف رسميًا بالجمهورية الصحراوية كدولة عضو.
وهنا ظهرت مفارقة كبيرة: المغرب عاد إلى الاتحاد بهدف تقليص نفوذ البوليساريو، لكنه وجد نفسه مضطرًا للتعايش مع واقع لم يستطع تغييره،  بل إن السنوات التالية أظهرت أن الرباط لم تتمكن من تحقيق اختراق حاسم داخل المنظمة، رغم الإنفاق الضخم والحملات الدبلوماسية المكثفة.
الإعلام المغربي.. ماكينة تضليل في إفريقيا
جزء مهم من الاستراتيجية المغربية في إفريقيا اعتمد أيضًا على الإعلام والدعاية السياسية. فقد موّل المخزن منصات إعلامية وشبكات علاقات عامة لتلميع صورته داخل القارة وتقديم المغرب كقوة تنموية كبرى.
لكن هذا الإعلام غالبًا ما وقع في فخ التضخيم والدعاية الفجة، حيث جرى تصوير أي اتفاق اقتصادي صغير على أنه “اختراق تاريخي”، وأي زيارة رسمية باعتبارها “تحولًا استراتيجيًا”.

ومع الوقت بدأت هذه اللغة تفقد مصداقيتها، خصوصًا أمام شعوب إفريقية تعاني أزمات حقيقية وتبحث عن شراكات ملموسة لا عن حملات دعائية.
كما أن الإعلام المغربي انخرط أحيانًا في حملات تشويه ضد دول إفريقية أو شخصيات سياسية لا تتماشى مع الموقف المغربي، ما عزز صورة الرباط كطرف يدير علاقاته بعقلية الصراع لا التعاون.
التطبيع مع إسرائيل.. ضربة لصورة المغرب الإفريقية
حين اتجه المغرب نحو التطبيع مع إسرائيل، كان يعتقد أن الدعم الأمريكي لموقفه في الصحراء سيعوض أي خسائر أخرى. لكن الرباط لم تنتبه إلى أن جزءًا كبيرًا من الوعي الإفريقي ما يزال يعتبر القضية الفلسطينية قضية تحرر مرتبطة بتاريخ مقاومة الاستعمار والفصل العنصري.
ولهذا أثار التقارب المغربي الإسرائيلي تحفظات واسعة داخل الأوساط الإفريقية، خاصة مع تنامي مشاهد العدوان على الفلسطينيين. وبدا للكثيرين أن المخزن مستعد للتحالف مع أي طرف مقابل الحصول على دعم سياسي في ملف الصحراء، حتى لو كان ذلك على حساب صورته داخل القارة.
إفريقيا الجديدة لم تعد تُخدع بالشعارات
المعضلة الكبرى التي يواجهها المخزن اليوم أن إفريقيا تغيّرت، فالقارة لم تعد كما كانت في التسعينيات، ولم تعد تقبل بسهولة بسياسات النفوذ التقليدي أو شراء الولاءات. هناك وعي سياسي متصاعد، ونخب جديدة، وشعوب باتت تراقب كيف تُدار العلاقات الدولية.
ولهذا فإن الخطاب المغربي حول “الأخوة الإفريقية” لم يعد كافيًا لإخفاء السياسات الحقيقية القائمة على الضغط والاختراق وتوظيف الاقتصاد والدين والإعلام لخدمة أهداف سياسية ضيقة.
كما أن صعود قوى دولية جديدة داخل إفريقيا، مثل الصين وروسيا وتركيا، جعل المنافسة أكثر تعقيدًا، وأضعف قدرة المغرب على تقديم نفسه كفاعل استثنائي داخل القارة.
أزمة نظام أكثر منها أزمة دبلوماسية
في العمق، لا تعكس حالة التخبط في إفريقيا مجرد أخطاء دبلوماسية عابرة، بل تكشف أزمة بنيوية في طبيعة النظام المغربي نفسه. فالمخزن يتعامل مع السياسة الخارجية بعقلية أمنية أكثر منها استراتيجية، ويبحث عن المكاسب الدعائية السريعة بدل بناء نفوذ طويل الأمد.
ولهذا تبدو الدبلوماسية المغربية كثيرة الحركة لكنها قليلة التأثير الحقيقي. زيارات مكثفة، اتفاقيات بالعشرات، حملات إعلامية ضخمة، لكن دون قدرة فعلية على صناعة مشروع إفريقي متماسك.
إن النفوذ الحقيقي لا يُبنى بالخوف ولا بالمال وحده، بل بالثقة والاحترام والمصالح المتبادلة. وهذه المعادلة تبدو غائبة إلى حد بعيد عن المقاربة المغربية الحالية في إفريقيا.
وفي النهاية، قد ينجح المخزن مؤقتًا في انتزاع بعض المواقف أو بناء تحالفات ظرفية، لكنه يواجه صعوبة متزايدة في إقناع إفريقيا الجديدة بخطابه.

فالقارة التي تتجه نحو إعادة تعريف سيادتها ومصالحها لن تقبل طويلًا بأن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية أو سوق مفتوحة لشراء الولاءات الدبلوماسية.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services