453

0

الدعوة إلى إرساء يقظة تربوية جديدة تدعم الابتكار والسيادة التكنولوجية

دعا المشاركون، اليوم، خلال ندوة علمية موسومة بـ"الرياضيات رافعة وطنية للابتكار والسيادة التكنولوجية: رؤية استشرافية"،إلى بلورة رؤى جديدة تعزز دور التعليم في دعم الابتكار وترسيخ السيادة التكنولوجية، من خلال إبراز أهمية الرياضيات والخوارزميات والتشفير والتحليل كركائز أساسية للتقنيات الحديثة وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا.

 

نسرين بوزيان

وأشار المتدخلون في الندوة التي احتضنتها كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير بجامعة دالي إبراهيم بالعاصمة،  ونظمتها مؤسسة  صناعة الغد ،بالتنسيق مع جامعة الجزائر 3 والجمعية الوطنية للاقتصاديين الجزائريين إلى أهمية اليقظة التربوية باعتبارها نظاما متكاملا لإعداد الكفاءات والمهارات اللازمة، من خلال وضع أسس تربوية سليمة، وتوجيه المناهج التعليمية، وتكوين معلمين قادرين على تنمية قدرات التلاميذ.

 

 

 

 

في هذا السياق، أوضح الوزير المنتدب الأسبق للاستشراف والإحصائيات، ورئيس المؤسسة الجزائرية صناعة الغد أن تنظيم هذه الندوة جاء  متابعة لمخرجات برنامج اليقظة التربوية المنظم السنة الماضية، ضمن برنامج عمل المؤسسة لمعالجة المشكلات التربوية التي تواجه التلاميذ الجزائريين بشكل تدريجي وفي مقدمتها إشكالية الرياضيات واستمرار تخوف التلاميذ والطلبة منها.

 مبرزا أن هذه الإشكالية طرحت على الخبراء قصد الخروج بحلول تقنية ترفع إلى السلطات المعنية لاسيما وزارة التربية الوطنية، بهدف تطوير أساليب تدريس الرياضيات وإخراجها من حيز الصعوبة إلى التكيف مع متطلبات واحتياجات التنمية والسيادة التكنولوجية.

 

تأهيل الأستاذ لمواجهة تحديات العصر الرقمي

 

   

 

 

من جهته، استعرض أستاذ التعليم الثانوي المتقاعد في مادة الرياضيات، بلعباس مصطفى، في مداخلة بعنوان "تدريس الرياضيات بين الواقع والمأمول: قراءة في المناهج"  مبرزا مختلف مراحل تطور مناهج الرياضيات في الجزائر حيث أشار إلى أن الفترة الممتدة من 1962 إلى 2000 تميزت بالتحضير للإصلاح الجذري من خلال الاعتماد على الممارسة التلقينية، عبر تأليف بعض الكتب، والحفاظ على أخرى، وترجمة عدد منها، إلى جانب إعداد مذكرات الدروس، وأردف قائلا" إن المناهج الدراسية آنذاك ارتكزت على المقاربة بالأهداف والمقاربات ذات الطابع التلقيني، فيما شهدت الفترة الممتدة من 2000 إلى 2026 اعتماد المقاربة بالكفاءات من خلال تبني مناهج جديدة غير أن الطابع التلقيني ظل يطغى على المقاربة البنائية.

وأوضح المتحدث أن تحديات القرن الحادي والعشرين تفرض ثنائية العولمة والأصالة، ما يستدعي تأهيل الأستاذ بالاعتماد على كفاءات مهنية حديثة من أبرزها الكفاءة البيداغوجية، وإتقان المحتوى الرياضي بعمق، ومهارات استخدام التكنولوجيا إضافة إلى مهارات التواصل الفعال.

كما شدد بلعباس على أن المناهج الدراسية تستوجب الارتكاز على المضامين المعرفية والمقاربات التعليمية والوسائل البيداغوجية ، تتماشى مع متطلبات العصر مع توفير محفزات للمتعلم في بيئة تعليمية مناسبة.

مؤكدا في السياق ذاته على ضرورة إصلاح منظومة تعليم الرياضيات بالاعتماد على المقاربة بالكفاءات التي ترتكز على الكفاءة بدل المحتوى، من خلال اعتماد وضعيات إدماجية، وتقويم مستمر، وتوظيف المعرفة في الحياة اليومية، فضلا عن الاعتماد على الرقمنة عبر علوم التكنولوجيا والهندسة والرياضيات مع الاستناد إلى معايير التقييم الدولية وعلى رأسها اختبارات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة.

 

التفكير الخوارزمي بوابة الإبداع التكنولوجي

 

   

 

من جانبها، أكدت عضوة لجنة التربية بالاتحاد الإفريقي للرياضيات، كريمة سايح، على ضرورة تنمية التفكير الخوارزمي داخل المنظومة التربوية باعتباره مدخلا أساسيل لتعزيز الإبداع التكنولوجي، داعية إلى التخلي عن النظرة السلبية للرياضيات كمادة خوف وتحويلها إلى مادة قوة.

وأبرزت سايح  أن الواقع الحالي يظهر اختزال الرياضيات في الحفظ والتمارين الروتينية والنجاح في الامتحانات فقط، في حين أن التحدي الجوهري اليوم يرتبط بالتكنولوجيا اليومية في ظل غياب الربط الفعلي بين الرياضيات والابتكار،  ما يستدعي التحول من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها وابتكارها.

كما أشارت إلى رؤية منظمة اليونسكو لتعليم الرياضيات في عصر الذكاء الاصطناعي والتي تقوم على بناء تفكير مترابط بين الرياضيات والإعلام الآلي والذكاء الاصطناعي.

كما نوهت سايح إلى ضرورة تعليم المعلوماتية والذكاء الاصطناعي منذ المراحل الأولى و تنمية التفكير النقدي والإبداعي لاسيما أن البرنامج الدولي لتقييم الطلبة أدرج التفكير الخوارزمي ضمن بنود الاختبارات الدولية، ما يفرض إعداد المتعلمين وفق هذه المعايير، علاوة على أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توصي بدمج الرياضيات مع المعلوماتية والذكاء الاصطناعي و إدراج التفكير الخوارزمي ضمن اختبارات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة.

وشددت سايح على أن تقنية الذكاء الاصطناعي لا تمثل قطيعة مع الرياضيات بل هي امتداد لها عبر خوارزميات متقدمة  لاسيما أن التفكير الخوارزمي يشكل الجسر الحقيقي بين مجالي الذكاء الاصطناعي والمعلوماتية، من خلال تطبيق الخوارزميات على الواقع وربطها بعلوم الحاسوب، وتحويل المنطق إلى خوارزميات وبرامج، في حين يرتكز مجال الرياضيات على المنطق والتجريد والبرهان، وهي مجالات مترابطة تشكل سلسلة متكاملة تقود إلى تحقيق السيادة التكنولوجية.

وفي ختام مداخلتها، أكدت سايح على أهمية تبني التفكير الخوارزمي باعتباره الجسر الحقيقي بين مادة الرياضيات والابتكار التكنولوجي، لاسيما أن الطالب عندما يتعلم التحليل والتجريد وتصميم الخوارزميات، يكتسب عقلية المبتكر ولا يقتصر على تلقي المعرفة فقط.

كما دعت إلى ضرورة دمج التفكير الخوارزمي في جميع الأطوار الدراسية من خلال إدراج دروس الإعلام الآلي دون حاسوب، وتدريب المعلمين على منهجيات التدريس الخوارزمي لبناء منظومة تربوية تشكل ركيزة للسيادة التكنولوجية والابتكار.

 

اليقظة التربوية والابتكار البيداغوجي رافعة التعليم المستقبلي

وفي مداخلة أخرى، أكد الباحث الدائم بالمعهد الوطني للبحث في التربية، رزقي حمزة، بعنوان "اليقظة التربوية والابتكار البيداغوجي نحو رؤية استشرافية لمستقبل تعليم مبتكر" على ضرورة إعادة بناء النماذج التربوية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وتنامي اقتصاد المعرفة لا سيما أن الابتكار البيداغوجي بات ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار تطويري.

وأوضح رزقي أن اليقظة التربوية تمثل في هذا الإطار آلية استشرافية قادرة على رصد التحولات العلمية والتكنولوجية والمجتمعية، وتوجيه السياسات التعليمية نحو المستقبل، بالاستناد إلى دور الرياضيات كبنية أساسية لهندسة المنظومة التربوية من خلال الجمع بين اليقظة والابتكار لبناء رؤية استشرافية لتعليم مبتكر قادر على الاستجابة لتحديات المستقبل.

مشيرا إلى أن العلاقة بين الرياضيات واليقظة التربوية والابتكار هي علاقة تلازمية وظيفية حيث تعمل الرياضيات باعتبارها المادة المحورية التي تحول اليقظة من مجرد مراقبة سلبية إلى ابتكار بيداغوجي فاعل.

كما أبرز رزقي أن اليقظة التربوية تمثل عملية رصد مستمر للمحيط والتحولات التعليمية غير أنها بدون الرياضيات تظل وصفية، في حين يسمح الدور الرياضي بتحويل المؤشرات التربوية إلى بيانات كمية، ما يجعلها أكثر دقة في رصد الانحرافات.

كما أن اليقظة التربوية بوصفها موجها للابتكار البيداغوجي، تجعل الابتكار استجابة لضرورة تم رصدها عبر أدوات رياضية مثل وجود فجوة في مهارات التفكير المنطقي لدى المتعلمين، وهو ما يدفع إلى إنتاج ابتكار بيداغوجي وتكنولوجي.

وفي ختام مداخلته، أكد  رزقي أن بناء تعليم مبتكر يمر عبر ترسيخ ثقافة اليقظة التربوية باعتبارها أداة استشراف وتوقع، وإدماج الابتكار البيداغوجي كنهج يومي داخل الفصول الدراسية المبنية على الرياضيات بما، يضمن إعداد متعلم قادر على صناعة المستقبل بدل الاكتفاء بالتكيف معه.

كما شهدت الندوة تأسيس خلية لليقظة التربوية لمؤسسة صناعة الغد برئاسة كريمة سايح، وتوقيع اتفاقية تعاون وتبادل المعارف بين المؤسسة الجزائرية لصناعة الغد وكلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير بجامعة الجزائر 3، إضافة إلى تكريم خاص لصانع هوية المدرسة الجزائرية عبد القادر فضيل.

   

   

في تصريح لبركة نيوز، أكد رئيس الجمعية الوطنية للرياضيات، أحميم شفير، على المكانة الاستراتيجية التي تحتلها الرياضيات في ظل التحولات الرقمية المتسارعة والتوجه العالمي نحو تعزيز السيادة التكنولوجية.

وأوضح المتحدث، أن تحقيق السيادة التكنولوجية لا يتم دون إرساء يقظة تربوية فعالة داخل المنظومة التعليمية، تقوم على رصد التحولات العلمية والتكنولوجية، وتحليل حاجات المتعلمين، وتوجيه السياسات البيداغوجية نحو تطوير تعليم الرياضيات وربطه بالتطبيقات الحديثة في مجالات الذكاء الاصطناعي لاسيما أن العديد من الدول باتت تولي أهمية كبرى لترسيخ تعليم الرياضيات لدى التلاميذ والطلبة، من خلال تحديث المناهج الدراسية، وتطوير الكفاءات البيداغوجية للأساتذة، ودعم البحث العلمي، وإنشاء المخابر المتخصصة، باعتبار الرياضيات أداة أساسية في بناء القدرات العلمية والتكنولوجية وصناعة الابتكار.

وشدد  على أن الربط بين الرياضيات واليقظة التربوية يمثل مدخلا استراتيجيا لإعادة بناء المنظومة التعليمية، بما يساهم في تحقيق السيادة التكنولوجية في مختلف المجالات.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services