74

0

البروفيسور يوسف كمال تومي العقل الجزائري الذي سبق الزمن واخترع أسرع روبوت في العالم

الهجرة العلمية إلى الريادة العالمية في علم الروبوتيك

بواسطة: بركة نيوز

الحاج بن معمر
 
في زمنٍ تتسابق فيه الأمم لامتلاك مفاتيح التكنولوجيا المتقدمة، وتُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على إنتاج المعرفة لا استهلاكها، يبرز اسم البروفيسور الجزائري يوسف كمال تومي كواحد من العقول العلمية الاستثنائية التي استطاعت أن تفرض حضورها في قلب المنظومة العلمية العالمية، دون أن تتخلى عن جذورها أو تنسلخ عن هويتها الدينية والثقافية.
إنه نموذج نادر للعالِم المسلم الجزائري الذي جمع بين التفوق العلمي، والالتزام الأخلاقي، والريادة التقنية، في مجال يُعد من أكثر المجالات تعقيدًا في العصر الحديث: علم الروبوتيك والهندسة الميكانيكية المتقدمة.
النشأة والبدايات: شغف مبكر بالعلم والهندسة
وُلد يوسف كمال تومي في الجزائر، في بيئة لم تكن تتوفر فيها الإمكانيات العلمية المتقدمة، لكن ما كان متوفرًا هو العطش إلى المعرفة والإيمان العميق بقيمة العلم كوسيلة للتحرر والرقي، منذ سنواته الأولى، أبدى اهتمامًا لافتًا بالآلات، بالحركة، وبكيفية تحويل الأفكار النظرية إلى أنظمة ميكانيكية دقيقة.
في مرحلة مبكرة من حياته، أدرك أن التفوق العلمي يتطلب الانفتاح على العالم، فشدّ الرحال إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث التحق بـ جامعة سينسيناتي، إحدى الجامعات المرموقة في مجال الهندسة، ليحصل منها على شهادة جامعية في الهندسة الميكانيكية، مظهرًا نبوغًا واضحًا جعله محط اهتمام أساتذته وزملائه.
معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT): بوابة العالمية
عام 1985 شكّل محطة مفصلية في مسار يوسف كمال تومي، حين التحق بـ معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، الصرح العلمي الذي يُعد من أقوى وأهم المؤسسات البحثية في العالم.
في MIT، لم يكن تومي مجرد طالبا متفوقا، بل كان باحثًا طموحًا يسعى إلى تجاوز الحدود التقليدية للهندسة الميكانيكية، متجهًا نحو الربط بين الميكانيكا، التحكم، والذكاء الاصطناعي.
حصل هناك على درجة متقدمة في الهندسة الميكانيكية، وبدأ في التخصص العميق في علم الروبوتيك (Robotics)، وهو مجال كان لا يزال في بداياته مقارنة بما هو عليه اليوم. غير أن تومي استطاع أن يرى مبكرًا الإمكانات الهائلة لهذا العلم، خاصة في مجالات الصناعة، الطب، والدفاع.
إنجاز تاريخي: اختراع أسرع روبوت في العالم (1990)
يُعد عام 1990 نقطة التحول الكبرى في مسيرة البروفيسور يوسف كمال تومي، حيث نجح في اختراع أسرع روبوت في العالم آنذاك، وهو إنجاز علمي غير مسبوق في تاريخ الروبوتات الصناعية.
هذا الروبوت الاستثنائي كان قادرًا على كتابة 1300 سطر في الثانية الواحدة، وهو رقم مذهل بمعايير ذلك الزمن، ما جعله يتفوق بفارق شاسع على كل الأنظمة الروبوتية المعروفة في تلك الفترة.
لم يكن الأمر مجرد سرعة ميكانيكية، بل كان نتاج معادلات رياضية معقدة، وأنظمة تحكم فائقة الدقة، وتصميم هندسي بالغ الذكاء.
هذا الاختراع وضع اسم يوسف كمال تومي في مصاف رواد علم الروبوتيك عالميًا، ولفت أنظار المؤسسات الصناعية الكبرى، والجامعات، ومراكز البحث العلمي في الولايات المتحدة وخارجها.
شراكات صناعية كبرى: سامسونغ نموذجًا
لم تتوقف إسهامات تومي عند الجانب الأكاديمي، بل امتدت إلى التطبيق الصناعي المباشر. فقد شارك في تطوير جهاز سكانير متقدم لصالح الشركة العالمية سامسونغ، وهو ما جعله يُصنف كواحد من أبرز المختصين في دمج الهندسة الميكانيكية بالتكنولوجيا الرقمية.
هذا التعاون مع سامسونغ يعكس قدرة البروفيسور تومي على تحويل البحث العلمي إلى منتج صناعي ناجح، وهي مهارة نادرة لا يمتلكها إلا القليل من العلماء، ممن يجمعون بين النظرية والتطبيق.
الريادة الأكاديمية: أستاذ وباحث عالمي
إلى جانب اختراعاته، يشغل يوسف كمال تومي مكانة مرموقة كـ أستاذ جامعي وباحث في واحدة من أرقى الجامعات الأمريكية. وقد أسهم في تكوين أجيال من المهندسين والباحثين، مشددًا على أهمية الأخلاق العلمية، والدقة البحثية، والاستقلال الفكري.
نشر تومي عشرات الأبحاث العلمية في مجلات دولية محكّمة، وأسهم في تطوير نظريات حديثة في أنظمة التحكم غير الخطية، والروبوتات الذكية، والهندسة الميكانيكية المتقدمة.
الهوية والدين: عالم لم يبع قناعاته
في زمنٍ اختار فيه بعض العلماء العرب والمسلمين التنكر لهويتهم أو تهميش انتمائهم الديني طمعًا في القبول أو المناصب، يبرز يوسف كمال تومي كنموذج معاكس تمامًا.
فقد ظل معتزًا بإسلامه وجذوره الجزائرية، دون صخب أو ادّعاء، مؤمنًا بأن العلم الحقيقي لا يتناقض مع الإيمان، بل يتكامل معه.
هذا الثبات الأخلاقي جعله محل احترام كبير، ليس فقط كعالِم، بل كـ قدوة إنسانية، تُثبت أن النجاح في الغرب لا يستوجب بالضرورة التخلي عن المبادئ.
هجرة العقول: خسارة وطنية وربح إنساني
يُصنف يوسف كمال تومي ضمن ما يُعرف بـ العقول الجزائرية المهاجرة، وهي ظاهرة مؤلمة تعكس عجز الأنظمة المحلية عن احتضان كفاءاتها.
غير أن قصة تومي تطرح سؤالًا عميقًا:
كم كان يمكن للجزائر أن تستفيد لو توفرت له البيئة البحثية والدعم المؤسسي داخل الوطن؟
ورغم ذلك، فإن إنجازاته تبقى فخرًا جزائريًا وعربيًا وإسلاميًا، ودليلًا على أن العقل الجزائري قادر على المنافسة في أعلى المستويات العالمية متى أُتيحت له الفرصة.
إرث علمي ورسالة للأجيال
إن سيرة البروفيسور يوسف كمال تومي ليست مجرد قصة نجاح فردي، بل رسالة واضحة للأجيال الشابة:
أن التفوق العلمي ممكن،
وأن الإبداع لا يعترف بالجغرافيا،
وأن التمسك بالهوية لا يتناقض مع العالمية.
هو شاهد حي على أن العلم سلاح حضاري، وأن الروبوتات التي صنعها لم تكن مجرد آلات، بل ثمرة عقل آمن بالمعرفة طريقًا للنهضة.
خاتمة
يبقى البروفيسور يوسف كمال تومي واحدًا من ألمع العقول الجزائرية في العصر الحديث، ورمزًا علميًا يستحق أن يُدرّس في المدارس والجامعات كنموذج للنجاح القائم على العمل، الإيمان، والاستقامة الفكرية.
في زمن الحاجة إلى قدوات حقيقية، يظل اسمه حاضرًا، لا كخبر عابر، بل كـ قصة ملهمة تذكّرنا بأن الجزائر لم ولن تعقم عن إنجاب العظماء.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services