294
0
البروفيسور نور الصباح عكنوش يقرأ المشهد الانتخابي: من الإقصاءات إلى برلمان 2026
في حوار خاص مع الموقع الإخباري "بركة نيوز"

حاوره: ضياء الدين سعداوي
في خضم الاستعدادات للاستحقاق التشريعي المقرر في 2 جويلية المقبل ، أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عن حصيلة الفصل في ملفات الترشيحات، والتي كشفت عن قبول 793 قائمة ورفض 61 قائمة، مع أرقام لافتة حول أسباب الرفض التي طالت 842 مترشحاً. هذا المشهد السياسي المعقد، حملة إنتخابية يصفها البعض بالفاترة، وخطاباً سياسياً يرى فيه المتابعون افتقاراً إلى العمق البرامجي، كلها محاور تطرح تساؤلات حول مستقبل العملية الديمقراطية في الجزائر.
للوقوف عند هذه المعطيات وتحليلها، كان لنا هذا الحوار مع الأستاذ الدكتور نور الصباح عكنوش، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة بسكرة، الذي يقدم قراءة أكاديمية عميقة لتجربة إنتخابية هي الأحدث في الجزائر منذ انتخابات ديسمبر 2019.
أولاً: الإقصاءات بين أخلاق السياسة والمعايير القانونية
بركة نيوز: دكتور، نبدأ بالسؤال الأبرز: السلطة المستقلة أعلنت رفض 61 قائمة و842 مترشحاً، وكان "معروف لدى العامة بالصلة بأصحاب المال والأعمال المشبوهة" هو السبب الأول بـ1762 مترشحاً. كيف تقرأون هذا الرقم وما هي الضوابط التي تضمن عدم تحويل هذا المعيار إلى أداة انتقائية؟
الدكتور عكنوش: يجب أولاً وضع الموضوع في إطاره العام، وهو أخلقة السياسة، وهو التزام مبدئي وجوهري من لدن القيادة السياسية في البلاد وفق مطالب الرأي العام. الحرص على تطهير الكتلة المترشحة من كل شائبة قد تضر بروح المشهدية الإنتخابية ليس مجرد قرار سياسي مرتبط بحدث، بل هو عقيدة حقيقية مرتبطة بالعقد المعنوي الذي يربط الحاكم بالمحكوم بعد إنتخابات ديسمبر 2019، والذي تضمن عهوداً وضوابط تحكم العملية السياسية برمتها، من البلدية حتى أعلى هرم السلطة. وهذا ما يتم تفعيله نصاً وتطبيقاً، مما يثير بطبيعة الحال ردود فعل متباينة، وهذا أمر طبيعي وصحي في تجربة ديمقراطية تنمو وتتكيف مع المتغيرات والسياقات، بما يحفظ للأمة وحدتها، وللسياسة أخلاقها، وللانتخابات معاييرها.
بركة نيوز: ولكن هناك من يرى أن التشديد على الشكلية في أسباب مثل "عدم استيفاء التزكية" (16 قائمة) أو "نصف الترشيحات للشباب" (14 قائمة) قد يشكل عقبات غير موضوعية أمام الأحزاب الصغيرة والقوائم الحرة. ما تعليقكم؟
الدكتور عكنوش: لننتبه أن الأحزاب الحقيقية، بغض النظر عن فكرة صغيرة أو كبيرة (وهي تصنيفات قابلة للنقاش علمياً)، تستشرف المتغيرات وتضع الحلول البديلة في إطار إدارة الأزمات بسرعة وواقعية، بعيداً عن المنطق التبريري. نحن أمام انتخابات برلمانية جديدة – إن صح التعبير – من حيث الإطار القانوني، وبالتالي لا يمكن الحكم مسبقاً عليها، بل يجب وضعها في سياقها الجديد حتى يمكن تقييمها موضوعياً دون مقارنات أو أحكام مسبقة.
ثانياً: التجوال السياسي وإقصاء الأحزاب.. أي أبعاد؟
بركة نيوز: مصطلح "التجوال السياسي" الذي رفض بموجبه 72 مترشحاً، هل هو مفهوم قانوني واضح، أم أنه مجال لتفسيرات قد تكون مجحفة؟
الدكتور عكنوش: يبدو لي أن التجوال السياسي، من منظور السلوكي الذي يأخذه بعض اللاعبين السياسيين لتحقيق مآرب معينة، يحدث أضراراً أخلاقية ومعنوية تؤثر على الظاهرة الحزبية استقراراً وتراكماً وفعالية. هذا السلوك يجعل من التجوال السياسي ممارسة غير صحية للحياة السياسية بصفة عامة، لأنه ينتج قيماً غير سوية وغير سليمة على المدى الطويل. لذا، فإن معالجة هذه الظاهرة هي جزء من ضبط اللعبة السياسية.
بركة نيوز: إقصاء قائمة حركة البناء الوطني في العاصمة، وحتى بعض قوائم أحزاب الموالاة، هل يمكن قراءته كتدخل إداري في هيكلة البرلمان القادم؟
الدكتور عكنوش: لا أرى أن الأمر يتعلق بتدخل إداري في هيكلة البرلمان القادم من حيث نوعية الموارد البشرية الممثلة للشعب. هناك واقع سياسي له خلفيات تاريخية وحتى اجتماعية تجعل توزيع القيم يتم بين أحزاب بعينها على حساب أحزاب أخرى. وهنا أعتبر أن مفهوم "أحزاب الموالاة" هو مفهوم مستورد من بيئة أخرى. فالنظام السياسي الجزائري له خصائصه التي لا ترتبط فقط بموعد 2 جويلية، بل بمعطيات أخرى. وأتوقع أن البرلمان القادم، سواء أراد أم لم يرد، محكوم عليه لأسباب سياقية واقتصادية وحتى دولية أن يكون ديناميكياً، لأن المسألة أكبر من مجرد تمثيل أو تشريع أو رقابة فقط.
بركة نيوز: إذاً، لماذا نلاحظ هذا العدد من القوائم الحرة المرفوضة، هل هي غير قادرة على استيفاء الشروط أم أن هناك عوائق أخرى؟
الدكتور عكنوش: يجب تقديم قراءة تحليلية عميقة لواقع القوائم المستقلة في التجربة الانتخابية الجزائرية منذ بدء التعددية الحزبية. ففي تقديري، لم تنجح هذه القوائم لعوامل سوسيوثقافية ترتبط بطبيعة المجتمع وتشكل نسق القيم، الذي يظل متمركزاً حول حزب أو تنظيم أكثر من كونه حول قائمة مستقلة أو "حرة" بالتعبير القانوني. الأصل يبقى هو المنظمات السياسية المهيكلة والمستوعة كلاسيكياً للمواطن، وليس الأطر الحرة. هذا واقع اجتماعي وثقافي أكثر منه قانونياً.
ثالثاً: الشباب والنساء.. بين الكم والكيف والمشاركة الحقيقية
بركة نيوز: شرط "نصف الترشيحات للشباب" تسبب في رفض 14 قائمة. البعض يرى أنه قد يدفع إلى إدراج شباب "شكليا". هل هذا التخوف مشروع؟
الدكتور عكنوش: يجب التفكير جيداً في تقنيات إدماج الشباب في المسارات السياسية الكبرى، ليس بشكل استهلاكي، بل بمنهج علمي وفق معايير الكيف وليس الكم. السياق العام هو سياق شباب عبر العالم، لكن إطار تحقيق هذا المبدأ الشبابي يجب أن يأخذ بعين الإعتبار الفرز الجيد والأجود للطاقات الشابة التي تحمل قيمة مضافة للحكم الراشد. الموضوع لا يجب أن يصبح هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة أو أداة للمستقبل. لذلك، التخوف مشروع إذا تم التعامل مع الشرط بشكل شكلي، لكن الحل يكمن في تأهيل الشباب فعلياً.
بركة نيوز: نسبة النساء 21%، رغم وجود عقوبات على القوائم التي لا تستوفي الشرط، هل العقوبات وحدها كافية؟
الدكتور عكنوش: يجب التأسيس لثقافة سياسية أولاً داخل الأحزاب، لأنها غير موجودة فعلياً. الواضح أن المعطى السياسوي (السياسي بمعناه الضيق) تغلب على المعطى الثقافي، والنتيجة هيمنة "البوليتيك" على السياسة كمفهوم حضاري جامع. وما تقوم به المرأة على مستوى المجتمع المدني والإدارة أصبح أكبر وأهم من دورها على مستوى الأحزاب. هنا، على الأحزاب أن تطرح الأسئلة الجيدة على نفسها في هذا الباب. العقوبات وحدها لا تكفي ما لم يرافقها تغيير في الثقافة التنظيمية.
رابعاً: فتور في الحملة الإنتخابية.. أزمة نخب أم أزمة خطاب؟
بركة نيوز: الحملة الإنتخابية دخلت يومها الحادي عشر، وهناك من يصفها بالباردة. رئيس حركة مجتمع السلم قال إن "الاهتمام شبه معدوم". إلى أي مدى تتفقون مع هذا التشخيص؟
الدكتور عكنوش: الظاهرة الحزبية في الجزائر تحتاج إلى تجديد في النخب والرؤى والآليات، بما يتوافق مع طبيعة السياسة في القرن الواحد والعشرين، من حيث تدخل فواعل مبتكرة تؤثر في ديناميات النشاط الحزبي وتكيفه مع عصر الإنترنت والتكنولوجيا والنمط الشبكي المفتوح، حتى يستجيب له الفضاء العمومي. هذا تحدي جوهري بالنسبة للأحزاب الجزائرية، مما يجعل خطابها تقليدياً وتسويقها الإعلامي والفكري بسيطاً جداً، وكأنها تصعد سلماً خشبياً في وقت يركب فيه المجتمع المصعد. غياب الإهتمام الشعبي هو انعكاس لهذا العجز في التجديد.
بركة نيوز: البعض أرجع العزوف لتزامن الانتخابات مع امتحانات البكالوريا والمونديال. لويزة حنون انتقدت هذه المبررات. ما رأيكم؟
الدكتور عكنوش: لا يمكن تقديم أحكام قيمية حول تجاوب الشارع مع الحدث الانتخابي، لأننا لا نملك كل أدوات التحليل العلمي في علم الإجتماع السياسي. لكن عموماً، هناك إشكاليات سابقة من أزمنة سياسية سالفة تؤثر على مؤشرات الإهتمام أو اللاهتمام. الواقع أن هناك تفاوتاً جغرافياً ومهنياً وحتى على مستوى الأجيال. وهذا أمر طبيعي في مجتمع يعيش تحولات عميقة. المبررات التي يساق بها (كالمونديال والامتحانات) هي تفسيرات سطحية لقضية أعمق، وهي أزمة ثقة وغياب خطاب جاذب.
خامساً: المحاكم الإدارية ودورها في ضبط العملية
بركة نيوز: 2370 طعناً مسجلاً، وقبول 120 منها فقط. كيف تقرؤون دور المحاكم الإدارية في هذا السياق؟
الدكتور عكنوش: المحاكم الإدارية هي ميكانيزم عقلاني لتأطير الانتخابات، من باب الضمانات التي تمنحها في ضوء ما يخوله القانون من صلاحيات تؤهلها للعب دور أخلاقي وقانوني بناء، يحوز ثقة الأطراف المعنية بالانتخابات، كونها متدخلاً إيجابياً يضبط قواعد اللعبة ويوجهها في الإتجاه السليم بحياد ومصداقية. الأرقام تشير إلى أن غالبية الطعون لم تكن مؤسسة، وهذا يعكس دقة العمل الإداري الأولي في الغالب، مع إعطاء فرصة للطعن لمن يرون أنفسهم مظلومين، وهو ما يعزز النزاهة الإجرائية.
سادساً: توقعات ما بعد 2 جويلية.. برلمان دولة أم برلمان سلطة؟
بركة نيوز: ما هي توقعاتكم لطبيعة البرلمان القادم في ظل هذه المعطيات؟
الدكتور عكنوش: في رأيي، البرلمان القادم، المهم أنه سينبثق عن إرادة شعبية، بمعنى أنه شرعي، بما يحقق للدولة الوطنية استقراراً نسقياً وصلابة مؤسساتية. على صعيد آخر، سيعمل في إطار تراكمي، أي أنه سيشرع ويراقب في إمتداد مع أدوار البرلمان السابق، لكن الجديد أن دوره سيكون أقوى بالنظر للسياقات الداخلية والخارجية الهامة على المستوى التنموي والبنيوي التي تنتظر البلاد في الخمس سنوات القادمة. ولهذا، أنظر إليه كـ برلمان دولة وليس برلمان سلطة أو معارضة بمفاهيم العلوم السياسية التقليدية، إن صح التعبير.
بركة نيوز: البعض يربط نجاح الإنتخابات بنسبة المشاركة، فكيف تقرؤون هذه المعادلة؟
الدكتور عكنوش: لنتفق أن نسبة المشاركة هي أحد المحددات العامة لنجاح العملية الانتخابية، وعالمياً نلاحظ أن نسب المشاركة لم تعد كبيرة كما كانت سابقاً. ولا يمكن بالمطلق جعلها المرجع الوحيد لمدى شرعية النسق السياسي. فقهاء السياسة والقانون واضحون في هذه المسألة. عموماً، الإنتخابات البرلمانية في تقاليدنا المجتمعية والسياسية لا تشهد معدلات مشاركة كبرى قياساً بالرئاسيات والبلديات. ولهذا، في تقديري، لا يجب حصر الأمر في الجانب الكمي فقط، رغم أنه هام، وهو بالنسبة لموعد 2 جويلية مرتبط بفعالية الأحزاب وتزامن الحدث مع المونديال وعوامل أخرى يجب تحليلها موضوعياً من أجل تحسين أرقام المشاركة مستقبلاً.
سابعاً: نحو حوكمة إنتخابية مستدامة
بركة نيوز: في ختام هذا الحوار، ما هي خلاصتكم ورؤيتكم للمستقبل؟
الدكتور عكنوش: واضح أن العملية الإنتخابية تحتاج في كل مرحلة سياسية إلى تقييم وتقويم منهجي للتكيف مع المتغيرات، ودعم الإيجابيات وجرد السلبيات، وذلك في إطار نخبوي واسع يتيح تحقيق رؤية براغماتية للواقع بما يلبي حاجيات المواطن المتطورة والمتحولة والمتحركة. الأمم الراسخة في الديمقراطية تتقدم بالتجارب وتبني عليها الآفاق. يجب هندسة نموذج حوكمة إنتخابية مستدامة وفق معايير بيئية وتدبيرية وسوسيولوجية أصيلة، تضمن مشاركة شعبية أكبر وجودة في مخرجات العملية ككل، في منظور 2030 وما أبعد.
بركة نيوز: شكراً جزيلاً لكم، دكتور نور الصباح عكنوش، على هذه القراءة العميقة والموضوعية.
الدكتور عكنوش: الشكر لكم ولجميع قراء "بركة نيوز"، ونتمنى أن تخرج هذه الانتخابات بما يخدم الوطن والمواطن، ويعزز مسيرة البناء الديمقراطي في الجزائر.

