74
0
البويرة تُكرّس حماية تراثها بمقاربة مؤسساتية متجددة

خالد علواش
تعرف ولاية البويرة في الآونة الأخيرة حركية لافتة في مجال صون التراث الثقافي والديني، تعكس تحوّلًا واضحًا في طريقة تسيير هذا القطاع، من تدخلات ظرفية محدودة إلى عمل منظم يقوم على رؤية مؤسساتية متكاملة تهدف إلى حماية الذاكرة الجماعية وتثمين مكوناتها.
هذا التوجه الجديد يعتمد على مسارين متوازيين، أولهما ميداني يرتكز على ترميم المعالم التاريخية والدينية، وثانيهما إداري-قانوني يسعى إلى إدراج هذه المعالم ضمن قائمة التراث الوطني، بما يضمن لها حماية قانونية دائمة ويفتح المجال أمام استغلالها في التنمية المحلية.
وفي هذا السياق، أطلقت مديرية الثقافة والفنون عدة مشاريع ميدانية مست عددًا من المواقع ذات الأهمية التاريخية، حيث تم الانتهاء من أشغال ترميم مسجد آث براهيم ببلدية مشدالة، في حين تتواصل بوتيرة متقدمة أشغال إعادة تأهيل المسجد العتيق بمدينة سور الغزلان. كما باشرت المصالح المختصة أشغال ترميم مسجد آث ولبان ببلدية صحاريج، والذي يعود تاريخه إلى الفترة العثمانية.
وتتجاوز هذه العمليات بعدها التقني المرتبط بإعادة الاعتبار للهياكل والبنايات، لتشمل بعدًا أعمق يتمثل في إعادة إدماج هذه الفضاءات ضمن الحياة اليومية للمجتمع، باعتبارها حوامل للذاكرة ومراكز إشعاع ديني وثقافي.
وفي هذا الإطار، أوضح مدير الثقافة والفنون لولاية البويرة، إبراهيم بن عبد الرحمن، أن ما يجري حاليًا “يندرج ضمن مسار متكامل يرمي إلى حماية الموروث الثقافي بمختلف مكوناته، وليس مجرد تدخلات معزولة”، مشيرًا إلى أن العمل يجري بالتوازي بين ورشات الترميم وتحريك ملفات التصنيف لضمان حماية هذه المعالم قانونيًا وتثمينها مستقبلاً.
وأكد المسؤول ذاته أن القطاع يراهن على جعل التراث عنصرًا فاعلًا في التنمية، من خلال تثمين المواقع التاريخية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهميتها، بما يسهم في ترسيخ ثقافة الحفاظ على هذا الرصيد الحضاري.
وبموازاة ذلك، تواصل المصالح المختصة إعداد ملفات تصنيف تخص عددًا من المواقع، من بينها المسجد العتيق آث براهيم، وسور وأبواب مدينة سور الغزلان، إضافة إلى مجموعة من الأنصاب الأثرية الرومانية، في خطوة تهدف إلى إدماجها ضمن قائمة التراث الوطني.
كما تم إدراج 11 موقعًا ومعلمًا أثريًا ضمن الجرد الإضافي، وهو إجراء أساسي في مسار التوثيق والحماية، يسمح بإحصاء دقيق للممتلكات الثقافية ويمهد لعمليات تصنيف مستقبلية.
ويرى مهتمون بالشأن الثقافي أن هذه الديناميكية تعكس نضجًا في تسيير القطاع، قائمًا على التخطيط والاستشراف وربط التراث بمحيطه التنموي، خاصة في جانبه السياحي والثقافي.
وبين مشاريع الترميم الجارية وملفات التصنيف قيد الاستكمال، تواصل البويرة تثبيت مكانتها كولاية تسعى إلى صون ذاكرتها التاريخية، وجعل تراثها ركيزة أساسية ضمن مسار تنموي مستدام.

