الاستاذ محمد اسماعيل باحث في شؤون الأسرة
في قلب المسجد، أثناء صلاة الجمعة، وقع نظري على طفل يصلي رفقة والده مرتديًا قميصًا مكتوبًا عليه بالإنجليزية: “I am gay”، أي “أنا شاذ”. لم يكن الأمر مجرد اختيار عشوائي للملابس، بل رسالة ثقافية وفكرية تحمل دلالات لا مكان لها في فضاء التربية الدينية والأخلاقية.
بعد انتهاء الصلاة، بادرت بهدوء واحترام لمحاورة والده حول معنى العبارة وخطورتها، خاصة في سياق المسجد. وقد استقبل الأب النصيحة بتفهّم وحكمة، مؤكّدًا في الجمعة التالية أنه أحرَق القميص فور عودته إلى البيت وحرص على تزويد ابنه بملابس لائقة للصلاة. هذا الموقف يُعد نموذجًا يُحتذى به، إذ يثبت أن النصيحة المباشرة، المؤدبة، والخالية من التشهير أو التشنّج، قادرة على إحداث أثر إيجابي عميق، وأن الحلول لا تقتصر على العقاب وحده بل تشمل التوجيه الهادئ والمستنير، وإعادة الوعي بطريقة عملية وفعّالة.
لكن هذا المثال الفردي، رغم أهميته، يفتح نافذة على مسؤولية أوسع تمتد إلى المجتمع كله. فانتشار ملابس تحمل عبارات ورموزًا حساسة، خاصة للأطفال، يعكس خللًا في منظومة الاستيراد والتسويق، وضعف الرقابة المؤسسية، واختلال التوجيه المجتمعي. من المفترض أن تخضع المنتجات الموجهة للأطفال لمعايير صارمة، قانونية وأخلاقية، تحترم قيم المجتمع وثوابته الدينية والثقافية، وتراعي خصوصية الأطفال وحساسيتهم في مرحلة التكوين.
ويزيد من خطورة الوضع أن كثيرًا من هذه المنتجات يصل إلى السوق دون أن يدرك الأهل محتواها، خصوصًا إذا كانت مكتوبة بلغة أجنبية، مما يفرض ضرورة مراجعة عاجلة للرقابة على الاستيراد، والجمارك، وحماية المستهلك، وتفعيل آليات الحماية بشكل صارم. الفشل في ذلك يجعل الأطفال فريسة سهلة للرسائل الرمزية والثقافة الغربية الناعمة، التي تهدف، عن قصد أو عن غير قصد، إلى التأثير على قيمهم وهويتهم في مرحلة لا يملكون فيها أدوات الفهم أو النقد.
إلى جانب ذلك، يبقى الوعي الأسري والمجتمعي حجر الأساس في مواجهة هذه الظواهر. كثير من الأولياء يقتنون ملابس لأبنائهم دون الانتباه لما تحمله من عبارات أو رموز، إما لضعف الإلمام باللغات أو لعدم تصور خطورة الرسائل الرمزية.
وهنا يظهر دور الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام في بناء وعي الأطفال بطريقة منهجية ومدروسة، بعيدًا عن الهلع أو التشهير، وفي إطار تعليم القيم والأخلاق بطريقة عملية. الأطفال الذين يتلقون التوجيه الصحيح قادرون على التمييز بين ما هو بنّاء وما هو ضار، وعلى مقاومة التأثيرات الثقافية السلبية التي تحاول اختراق حياتهم عبر الملابس والموسيقى والإعلانات والرموز المختلفة.
ولا يمكن تجاهل أن هذه الحالات ليست معزولة، بل هي جزء من غزو ثقافي ناعم يستهدف الأطفال في مرحلة تكوين هويتهم وقيمهم الأساسية.
الرسائل المبطنة في الملابس أو المنتجات الموجهة للأطفال تعمل على تشكيل تصوراتهم بطريقة غير واعية، مما يجعل التأثير طويل المدى وخطره أكبر، ليس فقط على الطفل الفرد، بل على المجتمع ككل.
ما يتطلبه الواقع اليوم هو تفعيل رقابة صارمة على المنتجات الموجهة للأطفال، ونشر الوعي بأسلوب هادئ وحكيم، وتمكين الأولياء من ثقافة الانتباه: اقرأ، اسأل، ولا تشترِ كل ما يلمع. كما يجب الحفاظ على المسجد وخطبة الجمعة كمنبر للتوجيه الرصين، لا ساحة للصراع أو الاستقطاب، إذ يمكن للمسجد أن يكون منبرًا فعالًا في تشكيل وعي الأسرة والمجتمع، من خلال نصائح عملية وحكيمة مبنية على قيم ثابتة. النموذج السابق يوضح بجلاء: غيرة بلا عنف، نصيحة بلا فضيحة، ووعي بلا تهويل.
على الصعيد القانوني، فإن مواجهة هذه الظواهر لا تقوم على مجرد رفض أخلاقي، بل تستند إلى مرجعية مزدوجة: شرعية وقانونية. فالشريعة الإسلامية تحمي الدين والفطرة والنشء من كل ما يفسد القيم ويخل بالحياء العام، بينما يوفر القانون الجزائري إطارًا ردعيًا يضمن حماية المجتمع، وخصوصًا الأطفال، من أي انتهاك للآداب العامة أو تسرب رسائل مضرة. الجمع بين النصوص القانونية والوعي الشرعي والتربوي هو الضمان الحقيقي لحماية القيم الجماعية وتحقيق الأمن الأخلاقي للمجتمع بأسره.
إن ما يربط بين الفرد والمجتمع في هذه القضية هو المسؤولية المشتركة. فلا يكفي وعي الأهل وحدهم، ولا الرقابة وحدها، ولا التعليم وحده، بل يلزم تضافر كل الجهود: الأسرة، المدرسة، المسجد، الإعلام، الجهات الرقابية والقانونية، للعمل بشكل متكامل لحماية الأطفال من الرسائل الضارة، ولضمان أن تنشأ الأجيال القادمة على قيم صحيحة وفهم واعٍ لما يدور حولهم من تأثيرات ثقافية واجتماعية.
نسأل الله أن يحفظ أطفالنا، وأن يعيد المجتمع إلى وعيه قبل أن نصحو على نتائج لا تُحمد عقباها، وأن يجعل كل مبادرة للتربية والرقابة وسيلة لحماية مستقبل أجيالنا وصون هويتهم وقيمهم.