124150

0

مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 172

بقلم اسماعين تماووست

في عصرنا الحديث، باتت الحروب والمآسي جزءًا من يومنا، تأتي وتذهب، وتبقى آثارها عميقة في قلب المجتمع. ومن بين تلك المآسي التي طالت أمتنا، كان الإرهاب واحدًا من أشد المصائب التي شهدها تاريخ الجزائر الحديث. لا أستطيع أن أنسى تلك الأيام العصيبة، عندما كانت الأرض تهتز من شدة الانفجارات، وعندما كان الإنسان مجرد رقم في سجل الموت، لكن المأساة لم تكن فقط في القتل والتدمير، بل في أن الإرهاب حاول أن يكتب تاريخًا آخر، تاريخًا يسوده الخوف والانقسام. لكنه فشل، فشلًا ذريعًا.

لم يكن الإرهاب مجرد تهديد جسدي، بل كان أكبر من ذلك بكثير، كان بمثابة معركة ضد تاريخنا، ضد ثقافتنا، وضد القيم التي تربينا عليها. كان سعيًا لطمس هويتنا، لإفساد روح التعاون التي كانت تجمع بيننا،  حاول الإرهابيون أن يقنعونا أن العنف هو الحل، وأن القتل هو الوسيلة الوحيدة لفرض إرادتهم، لكن الشعب الجزائري لم يرضخ لهذه الفكرة. وفي خضم هذا الظلام، كانت هناك أصوات ترفض الانصياع لهذا الجنون، أصوات تؤمن بأن السلام أقوى من الحرب، وأن العقل أقوى من السلاح.

الجزائريون، مثلهم مثل العديد من الشعوب التي عانت، اكتشفوا أن الإرهابيين لا يملكون أي مستقبل، لأنهم لا يتبعون سوى طريق الهدم،  هم مجرد عارض في مسيرة التاريخ، يأتون ليفسدوا، ولكنهم في النهاية يختفون وتظل الأرض ثابتة،  في حين أن الأجيال القادمة ستكتب تاريخًا مفعمًا بالأمل، تاريخًا يُبنى على أساس القيم الإنسانية، على التعاون والتسامح.

أؤمن أن الجزائر لن تُحكم بالرصاص، ولن يُحكم عليها بالإرهاب. فكل طلقة رصاص توجه نحو الشعب الجزائري تزيده قوة، وكل دمٍ يراق على أرضنا يجعل إرادتنا أقوى.

في فترات الأزمة، عندما يكون المجتمع في حالة من التشتت، نحتاج إلى أن نتذكر دائمًا أن الحياة لا تنتهي بالعنف،  بل إنها تبدأ من جديد.

علينا أن نعود إلى الجذور، إلى تاريخنا الذي شهد على مقاومة الاحتلال الفرنسي، والذي شهد على نضال الشعب الجزائري من أجل الحرية، فنحن، الذين عشنا تلك الحقبة العصيبة من الإرهاب، نعلم جيدًا أن التحدي الأكبر لم يكن في مواجهة الأعداء المعلنين، بل في مواجهة أنفسنا، في التغلب على مشاعر الخوف، وفي عدم السماح للعنف أن يعمق جراحنا.

الشيء الذي تعلمناه، والذي يجب أن يتعلمه الجميع، هو أن الإرهاب لا يمكنه أن ينقلب إلى انتصار،  فعندما يُقهر العنف، تظل الأخوة والرحمة ترفرف على هذه الأرض، عندما يُهزم الخوف، تظل المجتمعات تبني وتطور. وهذا ما فعلناه نحن الجزائريون. صحيح أن هناك من خسر، هناك من فقد أعزاء، وهناك من عانى، ولكن في النهاية، كان هناك من اختار أن يعيش، أن يبني، أن يزرع الأمل في كل مكان.

وقد علمنا من التجربة أن التضحية ليست مجرد فقدان، بل هي أمل في حياة أفضل. وأن العيش ليس في مجرد البقاء على قيد الحياة، بل في أن نصنع شيئًا ذو معنى. الإسلام علمنا أن الحياة هي مسؤولية، وأن كل شخص يمكنه أن يكون جزءًا من الحل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" (حديث صحيح). فالتقدير، الشكر، والتعاون بين البشر هو ما يمكن أن يساعدنا على تخطي المحن.

وفي مواجهة الإرهاب، كانت هناك مواقف عديدة أثبت فيها الشعب الجزائري أنه لا يمكن كسر إرادته، هؤلاء الذين وقفوا في وجه الإرهاب، كانوا يعلمون أن تضحياتهم ستؤتي ثمارها،  ولأن الجزائر قائمة على تاريخ طويل من النضال والكرامة، فإن ذلك الإرث كان مصدر إلهام لنا في كل لحظة.

إذن، عندما يكتب التاريخ، سيذكر الجزائر، ليس فقط بسبب معاناتها، بل بسبب قوتها في مواجهة الظلام. سيذكر التاريخ أن هذا الشعب الذي ذاق مرارة الإرهاب استطاع أن يعيد بناء مجتمعه، وأن يستعيد أمله، وأن يثبت للعالم أن الإرادة الإنسانية لا تقهر.

كما قال الشاعر العربي: "من لم يمت بالسيف مات بغيره". فكل تهديد لن يقتلنا، بل سيزيدنا قوة، والجزائر اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تمتلك تلك القوة لتستمر في مسيرتها نحو مستقبل مشرق، لا يطغى عليه العنف، بل يشرق فيه نور السلام.
لم أعش الإرهاب من وراء الشاشات، ولم أكتفِ بقراءته في عناوين الصحف كخبر عابر... بل اقتحم عليّ أيامي، وسكن لياليّ، حتى صار ظلًّا يرافقني، وصوتًا يهمس في أذني كلما خيّم الليل: كن يقظًا، فالموت قريب.

عشته في تفاصيل الحياة اليومية، في الخوف الذي يتسلل إلى العيون قبل الكلمات، في خطوات الأمهات المرتبكة وهنّ يبحثن عن أبنائهنّ بين صفوف الناجين، وفي نظرة طفل فقد والده في لحظة عبثية باسم "الدين". كنت أمرّ على أبوابٍ ما زالت عليها آثار الدم، وأكاد أسمع استغاثات لم تُسمع، وصرخات خنقها الرصاص.

رأيت وجوه القتلة... لم أرَ فيها سوى خواء،  لا نور في العين، لا حزن حتى، فقط قسوة باردة... كأنهم خُلقوا من حجر. رأيت أناسًا يذبحون إخوتهم في الوطن كما يُذبح طائر، ثم يسجدون ظنًا منهم أنهم أقاموا عبادة، وما علموا أن الله لا تُرفع إليه صلاة تسبح في دماء الأبرياء.

الإرهاب ليس فكرة فقط، بل هو انحراف روحي، سقوط أخلاقي، إفلاس فكري، وتشويه لمعاني الدين التي نزلت لتُحيي لا لتُميت، لتُطهر لا لتُدنّس. من رفع السلاح على جاره، من فخخ الطريق أمام طفل ذاهب إلى مدرسته، من حوّل المساجد إلى ثكنات، والقرآن إلى شعار مزيّف لتبرير القتل… ذلك لا يعرف الله، ولا يعرف نفسه، بل فقد إنسانيته قبل أن يفقد ضميره.

كنت أقول لزملائي: لا تخافوا من الرصاص… الرصاصة قد تقتل الجسد، لكنها لا تقتل الفكرة. ما أخشاه فعلاً هو أن ننسى… أن نعتاد الدم، فنفقد قدرتنا على الغضب، ثم على الحزن، ثم على الشهادة بالحقيقة.

درست الفلسفة لأفهم هذا الظلام… ووجدت أن الإنسان حين يُحرَم من النور الداخلي، يبحث عن خلاصٍ وهميّ، يسلّمه لقوّة وهمية توهمه أنه المختار،  ومن لا يفهم نفسه، يُسلّمها لمن يعبث بها، ومن لا يعالج ألمه، يصنع من الآخرين ألمًا يشبهه.

دخلت سلك الشرطة لا لأُلاحق المجرمين فقط، بل لأحمي الحلم، لأُذكّر الناس أن القانون ليس قيدًا، بل حصن. وأن الدولة ليست وحشًا، بل حضن إذا ما كانت عادلة. كنت أقف بين نارين: نار الرصاص، ونار خيبة المواطنين الذين فقدوا الثقة في كل شيء.

كنت أعود إلى بيتي مثقلًا، ليس فقط بتقارير التحقيق، بل بأصوات الأرامل، بصور الجثث، بصمت الأحياء الذين لم يعودوا يعرفون كيف يفرحون. وكان عليّ كل مساء أن أخلع بذلتي الرسمية، لأرتدي وجهي الإنساني، كي لا أنسى أنني في النهاية… ابن هذا الشعب.

لقد سرق الإرهاب منا كثيرًا… سرق منّي زملاء كانوا إخوتي، سرق منّا أعيادًا كانت يجب أن تكون أيام فرح، سرق ضحكات الأطفال من الساحات، وسرق من الأمهات أمل الانتظار. لكنه لم يسرق قناعاتي، لم يطفئ فيّ نور العقل، ولم يبدد يقيني بأن الحق لا يُهزم، وإن طال انتصاره.

علّمتني سنوات الجمر أن الحياة لا تُقاس بطولها، بل بما نزرعه خلالها من نور. وأن من بقي واقفًا رغم الدمار، إنسان لا يُكسر،  علمتني تلك السنوات أن الكرامة لا تُشترى، وأن الأوطان لا تُبنى إلا حين نحملها في قلوبنا قبل أن نحملها في هويتنا.

اليوم، كلما وقفت أمام مرآتي، أرى خلف وجهي ملامح رجال سقطوا في الميدان، ولم يعد لهم صوت. أشعر أنّ صوتي يحملهم. وقلمي يكتب نيابة عنهم. وذكراهم هي ضوئي حين يخفت كل شيء من حولي.

علّمتني سنوات الجمر أنّ الحياة، برغم قسوتها، لا تزال تستحق أن تُعاش... وأنّ في كل دمعة صادقة، بذرة أمل، وفي كلّ قلب نقي، حصنًا ضدّ الظلام. لا شيء يدوم... لا الخوف، ولا الألم، لكن الكرامة تبقى، والحقّ يعود، والنور مهما خفت، لا يموت."

يتبع...

 

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services