191

0

الإنزال الأوروبي على الجزائر: قراءة في ديناميكيات التحولات الجيوسياسية

 

بقلم: ضياء الدين سعداوي 

 

شهدت الساحة الدبلوماسية الجزائرية خلال الأسابيع الأخيرة حركة غير مسبوقة تمثلت في تدفق متسارع للزوار من العواصم الأوروبية، في مشهد يمكن وصفه بالـ"إنزال الأوروبي" الذي يحمل في طياته دلالات عميقة حول تحولات المشهد الجيوسياسي الإقليمي والدولي، ومكانة الجزائر الجديدة في معادلات الطاقة والأمن والاستقرار.

 

زخم دبلوماسي غير مسبوق

 

في غضون فترة وجيزة، توالت على الجزائر زيارات رفيعة المستوى لقادة وزراء من عدة دول أوروبية. فبعد زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني إلى الجزائر في 28 مارس، أعقبتها زيارة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس في اليوم التالي، لتنضم إليهما اليوم زيارة رئيس الوزراء الصربي جورو ماتسوت، في مؤشر واضح على تحول الجزائر إلى محطة أساسية في خريطة الشركاء الأوروبيين .

 

هذا الزخم الدبلوماسي، الذي طال أيضا الملف الألماني حيث تم التوقيع على مشاريع إستراتيجية في مجال الهيدروجين الأخضر، لم يأت من فراغ، بل يعكس تحولات إستراتيجية عميقة في النظرة الأوروبية للجزائر .

 

العامل المحفز: أزمة الطاقة في الخليج

 

يكشف تقرير لهيئة الإذاعة الفرنسية الدولية (RFI) أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط أحدثت اضطراباً كبيراً في إمدادات الطاقة العالمية، خاصة بعد استهداف منشأة راس لفان القطرية، أكبر مجمع للغاز الطبيعي المسال في العالم، مما أدى إلى إرتفاع أسعار الغاز الأوروبية بنسبة 35 بالمائة .

 

ووفقًا لوكالة الأنباء السورية (سانا) نقلاً عن يورونيوز، فإن اضطرابات سلسلة الإمداد المرتبطة بالحرب، إلى جانب تقييد حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، عززت المخاوف من شح الإمدادات المطولة، مما دفع الدول الأوروبية إلى إعادة تقييم محافظها الطاقوية والاتجاه نحو البدائل المتاحة .

 

الجزائر: البديل الإستراتيجي 

 

في هذا السياق، تبرز الجزائر كبديل إستراتيجي بفضل قربها الجغرافي وطاقتها الإنتاجية وخطوط أنابيبها المباشرة المرتبطة بالقارة الأوروبية. فقد أظهرت بيانات شركة إيناغاس الإسبانية أن الغاز الجزائري استحوذ على أكثر من 29 بالمائة من واردات إسبانيا خلال الشهرين الأولين من عام 2026 .

 

وفي تصريح له بالجزائر، أعلن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن بلاده تدرس رفع الإمدادات بنسبة تصل إلى 10 بالمائة، في مؤشر على عمق الشراكة بين الجانبين .

 

إيطاليا: شراكة إستراتيجية متنامية

 

أما إيطاليا، فقد قطعت أشواطا كبيرة في تعزيز تحالفها مع الجزائر. وخلال زيارتها إلى الجزائر، أكدت رئيسة الوزراء جورجا ميلوني أن العلاقة بين روما والجزائر "لم تكن يوماً بهذه القوة والصلابة"، مشيرة إلى أن الجزائر تغطي حالياً حوالي 30 بالمائة من إحتياجات إيطاليا الغازية .

 

ووفقاً لوكالة "نوفا" الإيطالية، فإن الزيارة تأتي في وقت تسعى فيه روما إلى تعزيز التعاون مع الجزائر في مجالات متعددة تتجاوز الطاقة، بما في ذلك الزراعة والتعليم والأمن الإقليمي، ضمن خطة "ماتيي" الإفريقية التي تولي الجزائر مكانة محورية فيها .

 

خبراء: الجزائر  أمام تحدي كبير للتعويض الكامل على المدى القصير

 

رغم هذا الزخم، يحذر خبراء من أن الجزائر لا تستطيع تعويض الإمدادات الخليجية بالكامل على المدى القصير. ففي تصريح لوكالة فرانس برس، أوضح معز العجمي، المحلل الطاقوي في شركة EY للاستشارات، أن "استبدال قطر التي تنتج ضعف إنتاج الجزائر (200 مليار متر مكعب سنوياً مقابل 100 مليار) ليس واقعياً على المدى القصير دون استثمارات ضخمة" .

 

كما أشار جيف بورتر، المحلل في مجموعة "نورث أفريكا ريسك كونسلتينغ"، إلى أن خطوط الأنابيب الحالية تعمل بطاقة كاملة تقريباً قريباً ،ولا توجد قدرة فائضة كبيرة لزيادة الإمدادات بشكل فوري .

 

من جهتها، حذرت تيريزا فالون، مديرة مركز دراسات روسيا وأوروبا وآسيا في بروكسل، من أن استمرار استهداف منشآت الطاقة قد يجعل الأزمة تستمر لسنوات، مما يشكل مخاطر دائمة على استقرار الطاقة العالمي .

 

استثمارات مستقبلية

 

لكن الجزائر أطلقت خطة استثمارية طموحة بقيمة 50 إلى 60 مليار دولار لتعزيز الاستكشاف وتحديث البنية التحتية للطاقة، بهدف مضاعفة إنتاجها من الغاز إلى 200 مليار متر مكعب بحلول عام 2030 .

وتشمل الخطة استكشاف رواسب الغاز  في الصحراء الجنوبية، التي وصفها العجمي بأنها "من بين الأكبر في العالم" وتشكل "أصلًا استراتيجياً رئيسياً" للجزائر .

 

أبعاد سياسية: دبلوماسية جزائرية جديدة

 

في قراءة للتحول الدبلوماسي الجزائري، يرى الكاتب كامل منصاري في تحليل نشره موقع "لو جون إندبندانت" أن الجزائر، تحت قيادة الرئيس عبد المجيد تبون، أعادت هيكلة "معجمها الدبلوماسي"، مستبدلة ضبط النفس السابق بتأكيد جريء للأولويات الإستراتيجية. وكتب منصاري أن "الدبلوماسية الجزائرية تضع الآن مصالحها فوق المبادئ التاريخية" .

 

ووفقاً للمصدر نفسه، فإن رسالة الجزائر واضحة لأوروبا: "الصداقة مع الجزائر يجب أن تكتسب، مع الإعتماد على الطاقة الذي يتطلب ولاءا سياسياً .

 

يبدو أن الجزائر تعيش اليوم لحظة دبلوماسية فارقة، حيث تتحول من موقع الفاعل الإقليمي إلى شريك إستراتيجي لا غنى عنه لأوروبا. لكن الإختبار الحقيقي لهذا "الإنزال الأوروبي" سيكون في قدرته على التحول من زخم سياسي إلى شراكات إقتصادية ملموسة، ومن زيارات بروتوكولية إلى تعاون إستراتيجي مستدام، يرسخ مكانة الجزائر كفاعل محوري في النظام الإقليمي والدولي.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services