30

0

العدالة الدولية في فلسطين: بين الانكشاف والإخفاق وإعادة التشكيل

بواسطة: بركة نيوز

تطرح الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، برئاسة الدكتور صلاح عبد العاطي، قراءة معمقة لواقع العدالة الدولية في فلسطين، في ظل ما يشهده قطاع غزة من حرب إبادة وعدوان إسرائيلي متواصل، وما يرافقه من انهيار إنساني واسع النطاق، لتعيد تسليط الضوء على سؤال جوهري يتعلق بقدرة النظام القانوني الدولي على حماية الإنسان في لحظات الانكشاف الكبرى.


تؤكد الهيئة، حسب بيان صادر عنها، أن فلسطين وقطاع غزة لم يعودا مجرد ساحة نزاع سياسي أو صراع على الأرض والسيادة، بل تحولا إلى اختبار تاريخي شامل للنظام الدولي، بمؤسساته وقوانينه وأخلاقياته، وحدود قدرته على حماية الإنسان عندما يصبح خارج خرائط القوة الدولية. وتشير إلى أن ما يجري في غزة من قتل وتدمير وتجويع وتهجير وانكشاف كامل للحياة المدنية، يضع العالم أمام سؤال يتجاوز السياسة إلى جوهر العدالة الدولية: هل ما يزال القانون الدولي قادراً على حماية البشر، أم أنه يتحول تدريجياً إلى خطاب أخلاقي بلا قدرة على الإنفاذ؟


وتضيف أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن القانون الدولي، الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية لمنع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، يقف اليوم عاجزاً أمام مشهد يعيد إنتاج تلك المآسي تحت أنظار العالم، في ظل غياب الفعل التنفيذي رغم وفرة النصوص القانونية والاتفاقيات الدولية. وفي هذا السياق، تتحول فلسطين وغزة إلى مرآة كاشفة للفجوة بين القانون كمبدأ والقانون كقوة تنفيذ.


وتوضح الهيئة أن منظومة العدالة الدولية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، غير أن الحالة الفلسطينية كشفت هشاشة هذا البناء عند التطبيق. فالقانون حاضر بقوة في النصوص، لكنه غائب في الأثر، فيما تتحول العدالة إلى ممارسة انتقائية تخضع لموازين القوة والاعتبارات السياسية بدل مبدأ المساواة أمام القانون.


وفي هذا الإطار، تشير إلى أن المشكلة لا تكمن في تعريف الجرائم أو توصيفها القانوني، بل في غياب الإرادة السياسية الدولية لتحويل هذه التوصيفات إلى التزامات فعلية ملزمة، ما يجعل النظام الدولي عاجزاً عن وقف الجرائم رغم وضوحها القانوني.

وتؤكد أن المحكمة الجنائية الدولية، رغم كونها ذروة تطور العدالة الجنائية الدولية، تعمل ضمن بيئة سياسية معقدة، ولا تمتلك جهازاً تنفيذياً مستقلاً، بل تعتمد على تعاون الدول. وفي الحالة الفلسطينية، يتضح كيف تتأثر مسارات العدالة بحسابات القوى الكبرى وحدود الإرادة السياسية، حيث تأخر فتح التحقيقات، ولم تُنفذ مذكرات التوقيف الصادرة بحق عدد من المسؤولين الإسرائيليين، من بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.


وبذلك تتحول المحكمة إلى مساحة قانونية محدودة، تُعلن بعض العدالة لكنها تعجز عن تحويلها إلى فعل تنفيذي، لتبقى العدالة معلنة دون قدرة على التنفيذ.

أما محكمة العدل الدولية، فتشير الهيئة إلى أنها تمثل المرجعية التفسيرية العليا للقانون الدولي، وقد اكتسبت قراراتها في السياق الفلسطيني قيمة قانونية وأخلاقية مهمة، إلا أن الإشكالية الجوهرية تبقى في غياب أدوات التنفيذ والإلزام المباشر، ما يجعل القانون قادراً على إنتاج المعيار، لكنه عاجز عن فرضه عند اصطدامه بإرادة القوة الدولية. وبهذا يصبح القانون صوتاً أخلاقياً مرتفعاً بلا قدرة على وقف الانتهاكات.
وتصف الهيئة قطاع غزة بأنه الحالة الأكثر وضوحاً لانكشاف القانون الدولي الإنساني، حيث تتعدد الانتهاكات بشكل شامل، تشمل استهداف المدنيين والأطفال والنساء والطواقم الطبية والصحفيين والعاملين في المجال الإنساني، إلى جانب تدمير واسع للبنية التحتية المدنية، وانهيار المنظومة الصحية، واستهداف شبكات المياه والغذاء والطاقة، والتهجير القسري، واستخدام الحصار والتجويع كأدوات ضغط، وتقويض أسس الحياة المدنية.
وتؤكد أن الأخطر ليس فقط حجم الانتهاكات، بل استمرارها رغم وضوحها القانوني والإنساني، حيث يزداد عجز النظام الدولي كلما ازدادت الجريمة وضوحاً، ما يؤدي إلى فقدان القانون لوظيفته الأساسية كأداة حماية، وتحوله إلى مجرد أداة توثيق بعد وقوع الكارثة.


وتشير إلى أن الأزمة لا تقتصر على البنية القانونية، بل تمتد إلى بنية النظام الدولي نفسه، حيث يعاني مجلس الأمن من شلل متكرر نتيجة استخدام الفيتو، ما يعطل دوره كأداة حماية جماعية. كما يقف الاتحاد الأوروبي في مساحة رمادية بين الخطاب الحقوقي والممارسة السياسية المحدودة التأثير، دون قدرة على تحويل مواقفه إلى أدوات ضغط فعالة.
وفي ظل هذا العجز، برزت محاولات لإعادة تشكيل آليات إدارة الأزمة، لكنها لم تنجح في وقف الحرب أو ضمان الحماية أو إعادة الإعمار، بل ساهمت في إدارة الأزمة دون معالجة جذورها، وفتحت المجال أمام إعادة هندسة النظام الدولي خارج إطار الأمم المتحدة.
وتنتقد الهيئة طرح صيغ مثل “مجلس سلام غزة”، معتبرة أنها لا تمثل حلاً حقيقياً، بل محاولة لإدارة الأزمة والتغطية على الجرائم، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية قائمة على الاحتلال والحقوق إلى ملف إداري إنساني يركز على الإغاثة وإعادة الإعمار والترتيبات الأمنية، بما فيها نزع سلاح الضحية بدلاً من معالجة أصل الصراع.
كما تشير إلى تصاعد قيود التضامن مع فلسطين، خصوصاً في بعض الدول الغربية، عبر التضييق على الحركات الطلابية والحقوقية، وتقييد حرية التعبير، وإعادة توصيف التضامن باعتباره تهديداً أمنياً أو أيديولوجياً، ما يمس أحد أهم أسس النظام الحقوقي العالمي.
وتؤكد أن الحالة الفلسطينية تكشف ازدواجية واضحة في تطبيق القانون الدولي، حيث تختلف ردود الفعل الدولية تبعاً لموقع الفاعل في النظام الدولي، وليس لطبيعة الجريمة، ما يحول العدالة إلى نظام انتقائي يفقد طابعه الكوني.
وفي مواجهة هذا الانكشاف، تطرح الهيئة مسارات بديلة لإعادة تشكيل أدوات العدالة الدولية، تشمل تفعيل الولاية القضائية العالمية، وبناء تحالفات قانونية عابرة للحدود، وتوسيع الحراك الشعبي العالمي، وتفعيل أدوات المقاطعة والعقوبات، وتطوير فضاءات رقمية لحماية الرواية الفلسطينية، إضافة إلى بناء “عصبة مدنية عالمية” تعيد تعريف العدالة من أسفل إلى أعلى.


وتخلص الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، حسب بيانها، إلى أن ما يجري في فلسطين وغزة لا يمثل فقط أزمة قانون دولي، بل أزمة عميقة في العلاقة بين القانون والقوة، وبين العدالة والمصالح، وبين القيم المعلنة والواقع الدولي.
وتؤكد أن العالم اليوم أمام اختبار مزدوج: اختبار لقدرة القانون الدولي على الاستمرار كمنظومة كونية عادلة، واختبار للإنسانية نفسها في قدرتها على حماية القيم الأساسية أمام مشاهد الانهيار الإنساني، في وقت تبدو فيه الأزمة مرتبطة ليس بنقص القوانين، بل بنقص الإرادة والشجاعة في تطبيقها.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services