14165
0
العائدون من الجحيم".. شهادات الأسرى الفلسطينيين بين وجع الزنازين وذاكرة الصمود
الكاتب الصحفي المصري حسام السويفي لبركة نيوز

في زمن تتحول فيه المأساة الفلسطينية إلى أرقام عابرة في نشرات الأخبار، يخرج هذا الكتاب ليعيد للإنسان صوته، وللأسرى المحررين حقهم في أن تُروى حكاياتهم كما عاشوها خلف القضبان.
في كتابه "العائدون من الجحيم"، يخوض الكاتب والصحفي حسام السويفي، تجربة توثيقية وإنسانية عميقة، ناقلًا شهادات أسرى فلسطينيين عاشوا سنوات طويلة داخل سجون الاحتلال، بين التعذيب والعزل والإضراب والصمود.
حاوره الحاج بن معمر

الكتاب لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يحاول تفكيك التجربة النفسية والإنسانية للحركة الأسيرة الفلسطينية على امتداد ستة عقود، مستندًا إلى شهادات حية لأسماء بارزة عاشت تفاصيل الأسر بكل قسوته. ومن خلال هذا العمل، يسعى المؤلف إلى تحويل الذاكرة الفردية إلى وثيقة جماعية تحفظ التاريخ وتكشف الانتهاكات وتمنح الأسرى مساحة للحديث بأصواتهم الخاصة.
في هذا الحوار، يتحدث الكاتب عن دوافعه لخوض هذه التجربة، وأصعب اللحظات التي واجهها أثناء جمع الشهادات، وكيف تحولت الكتابة بالنسبة إليه إلى شكل من أشكال المقاومة والتوثيق الإنساني.
ما الدافع الأساسي الذي جعلك تخوض تجربة توثيق شهادات الأسرى العائدين في هذا الكتاب؟
-الدافع كان إنسانيًا بالأساس قبل أن يكون صحفيًا. شعرت أن هناك أصواتًا خرجت من الجحيم الحقيقي، لكنها لم تُروَ كما يجب. الأسرى المحررون يحملون ذاكرة مثقلة بالألم، لكن أيضًا بالإرادة والصمود، وكان من الظلم أن تبقى هذه الشهادات حبيسة الصمت أو تُختزل في خبر عابر.
أردت أن أنقل التجربة كما هي، بوجعها وكرامتها، لتكون شهادة للتاريخ. وبعد صفقات تبادل الأسرى التي تمت في يناير 2025، وقرارات الإبعاد الإسرائيلية لعدد من الأسرى إلى خارج الأراضي الفلسطينية، من بينهم من وصلوا إلى مصر، شعرت أن من واجبي كصحفي أن أوثق بطولات هؤلاء الأسرى وصمودهم داخل سجون الاحتلال.
كيف اخترت العيّنة التي اعتمدت عليها من الشهادات؟ وهل كانت هناك معايير محددة للانتقاء؟
اعتمدت على تنوع التجارب كمعيار أساسي؛ من حيث مدة الأسر، والانتماءات، والخلفيات. أجريت حوارات مع عدد من أبرز الأسرى المحررين، منهم الأسير المحرر محمد الطوس، عميد الأسرى الفلسطينيين الذي قضى نحو 40 عامًا في السجون، وعمار الزبن الذي قضى 27 عامًا واشتهر بتجربة “النطف المهربة” التي أنجب من خلالها طفلين داخل الأسر في تحدٍ للسجّان، وكذلك الطيار كفاح حطاب، قائد طيران الرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي قضى أكثر من 23 عامًا داخل السجون، وتمكن من تحريك دعوى قانونية للاعتراف بالأسرى كمقاتلين لا سجناء جنائيين.
كما شملت الشهادات أسرى آخرين مثل أسامة الأشقر، ورائد عبد الجليل، وقسام البرغوثي نجل الأسير مروان البرغوثي، وشادي ابو شخدم، وأحمد عبد القادر اسليم، إلى جانب أسماء أخرى من خلفيات تنظيمية مختلفة بين حركتي فتح وحماس. حرصت على أن تعكس الشهادات صورة بانورامية لتجربة الأسر، لا نموذجًا واحدًا مكررًا.
ما أبرز التحديات التي واجهتك أثناء جمع هذه الشهادات، خاصة من الناحية النفسية والإنسانية؟
التحدي الأكبر كان نفسيًا، فالاستماع إلى تفاصيل التعذيب والعزل والحرمان ليس أمرًا عابرًا. في كثير من الأحيان كنت أشعر أنني لا أدوّن فقط، بل أتحمل جزءًا من الألم.
أحد الأسرى تحدث معي عن أكثر من 14 وسيلة تعذيب مورست بحقهم، وكيف كان السجّان يتعمد إذلالهم، مقابل محاولات الأسرى المستمرة للصمود عبر تنظيم الإضراب عن الطعام. في لحظات كهذه، كان من الصعب الفصل بين مهنيتي كصحفي ومشاعري كإنسان.
إلى أي حد حاولت الحفاظ على “صوت” كل أسير كما هو دون تدخل تحريري يغيّر من صدقيته؟
-حرصت بشكل كبير على الحفاظ على الصوت الأصلي لكل أسير.
تدخلي اقتصر على الصياغة اللغوية فقط، دون المساس بروح الشهادة أو أسلوب السرد الخاص بكل حالة. الهدف لم يكن إعادة كتابة التجربة، بل نقلها كما قيلت. لذلك خصصت فصلًا بعنوان “وجوه من الزنازين”، تعمدت فيه نقل الشهادات كما هي، مع الحفاظ فقط على الحد الأدنى من التحرير المهني، فالكتاب تضمن 9 فصول، ثمانية فصول منهم توثيقية عن الحركة الأسيرة منذ بدايتها عام 1965 وصولا لعام 2025، وكان الفيل التاسع والأخير المخصص للشهادات وحورات الأسرى.
هل واجهت صعوبة في التحقق من بعض الروايات، وكيف تعاملت مع مسألة المصداقية؟
نعم، التحقق كان تحديًا حقيقيًا. اعتمدت على تقاطع الشهادات، والرجوع إلى مصادر موثوقة مثل هيئة شؤون الأسرى والمحررين، ونادي الأسير الفلسطيني، ومؤسسة الضمير، لتدقيق الأرقام والتفاصيل. كما يتضمن الكتاب توثيقًا لتجربة الأسر عبر ستة عقود، من عام 1965 مع أول أسير فلسطيني محمود بكر حجازي، وصولًا إلى واقع الحركة الأسيرة في 2025.
ما القاسم المشترك الذي لاحظته بين تجارب الأسرى رغم اختلاف خلفياتهم؟
القاسم المشترك كان الصمود. رغم اختلاف التفاصيل، هناك حالة عامة من التحدي والإصرار على الحفاظ على الكرامة. كما برزت فكرة “كسر السجّان نفسيًا” بوضوح، سواء من خلال التعليم داخل السجون، أو تأليف الكتب، أو الحصول على شهادات علمية، أو حتى ابتكار وسائل للمقاومة مثل “النطف المهربة”.
كيف انعكست هذه التجربة عليك شخصيًا ككاتب وإنسان؟
-هذه التجربة أثّرت فيّ إنسانيًا قبل أن تكون تجربة مهنية، جعلتني أكثر وعيًا بقيمة الحرية واكثر تمسكا بحقوق الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الصهيوني ، وأكثر تقديرًا لقدرة الإنسان على التحمل. كما منحتني حساسية أكبر في التعامل مع الألم الإنساني في الكتابة، بعدما عشت تجربة الأسر وكأنني داخل زنزانة الاحتلال الصهيوني بعد الاستماع للشهادات الأسرى المحررين.
هل يمكن اعتبار الكتاب عملاً توثيقيًا بحتًا أم يحمل أيضًا بعدًا أدبيًا وسرديًا؟
-الكتاب عمل توثيقي في الأساس، يوثق جرائم الاحتلال بحق الأسرى، لكنه يحمل أيضًا بعدًا إنسانيًا وسرديًا. حاولت تقديم الشهادات بطريقة تجعل القارئ يعيش التجربة، لا يكتفي بمعرفتها. في هذا المعنى، يمكن اعتباره شكلًا من أشكال المقاومة صد جرائم الاحتلال الصهيوني عبر الكتابة.
ما الرسالة الأساسية التي أردت إيصالها من خلال هذا العمل للقارئ العربي والدولي؟
الرسالة أن قضية الأسرى ليست أرقامًا، بل حكايات إنسانية تستحق أن تُروى. خلال ستة عقود، تجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين نحو مليون أسير، من مختلف الفئات. كان من الضروري توثيق هذه التجربة، ليس فقط لحفظ الذاكرة، بل أيضًا لكشف الانتهاكات، خاصة في ظل مخالفة إسرائيل لاتفاقيات دولية مثل اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحقوق الأسرى.
كيف ترى دور الأدب والشهادة الإنسانية في نقل معاناة الأسرى مقارنة بالإعلام التقليدي؟
-الإعلام ينقل الخبر، لكن الأدب ينقل الإحساس. الشهادة الإنسانية قادرة على جعل القارئ يعيش التجربة، لا يمر عليها مرورًا سريعًا كما يحدث في التغطيات الإخبارية.
هل شعرت في لحظة ما بأن بعض الشهادات كانت “أقسى من أن تُروى”؟ وكيف تعاملت مع ذلك؟
نعم، بالتأكيد. خاصة عند الاستماع لشهادات أسرى قضوا عقودًا طويلة داخل السجون. لكنني كنت أؤمن أن قسوة الحقيقة لا تعني إخفاءها، بل تقديمها بصدق واحترام، دون مبالغة أو تهوين.
ما ردود الفعل التي وصلتك من أسرى سابقين أو عائلاتهم بعد صدور الكتاب؟
وصلتني ردود فعل مؤثرة للغاية، كثير منهم قالوا إنهم وجدوا أنفسهم داخل الصفحات. وهذا بالنسبة لي كان أهم تقدير.
هل تعتقد أن هذا النوع من الكتب يمكن أن يساهم في إحداث تأثير سياسي أو حقوقي؟
-نعم، التوثيق الجاد يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط، خاصة إذا تم توظيفه بشكل صحيح في المسارات الحقوقية والإعلامية، وأتمنى أن يتحول الكتاب إلى وثيقة إدانة لكشف جرائم الاحتلال الصهيوني ضد الأسرى.
لو أُتيح لك تطوير هذا العمل، هل تفكر في تحويله إلى عمل وثائقي أو درامي؟
بالتأكيد، لأن الصورة والصوت يمكن أن ينقلا التجربة إلى شريحة أوسع من الجمهور، وأتمنى تحويل الكتاب إلى عمل درامي لتوثيق تجربة الحركة الاسيرة داخل سجون الاحتلال الصهيوني.
بعد “العائدون من الجحيم”، هل تفكر في استكمال المشروع بتوثيق تجارب أخرى مرتبطة بالأسر أو الصراع؟
نعم، المشروع لم ينته بعد. هناك العديد من القصص التي لم تروَ، وأسعى لاستكمال هذا المسار في أعمال قادمة.
كلمة أخيرة:
أدعو القارئ إلى التعامل مع هذا الكتاب كشهادة إنسانية، ودليل إدانة ضد جرائم الاحتلال السهيوني لا كنص فقط. خلف كل صفحة إنسان عاش الألم وصمد، وأقل ما يمكن أن نقدمه له هو أن نمنحه حق الاستماع.

