79
0
العالمة نعيمة بن كاري : أدعو الشباب إلى تبني طموحات علمية كبرى مع الحفاظ على البوصلة القيمية والوعي بقضايا الأمة وفي مقدمتها المسجد الأقصى"
حوار خاص لبركة نيوز تزامنا مع يوم العلم

هي باحثة كرست مسارها الأكاديمي لفك ألغاز الماضي والغوص في الذاكرة التاريخية عبر قراءة دقيقة للنقوش الأثرية، ما مكنها من إعادة بناء ملامح خفية من تاريخ الحضارات وفهم تحولاتها عبر الزمن.
حاورتها: نسرين بوزيان
بدأت بذور الطموح الأولى تتشكل منذ طفولتها في بيت بسيط بولاية سطيف حين كان والدها يردد عليها: "ليكن طموحك عاليا ولا تتوقفي" كانت تجيبه بحلم طفولي بريء: "حتى أصل إلى القمر" ، يجيبها مبتسما: " ولم لا تكونين أنت أول امرأة تصعد إليه؟"حلم لم يتحقق حرفيا، لكنه تحول إلى دافع كبير قادها نحو العلم والبحث والتميز.
واليوم تصنف نعيمة بن كاري ضمن الكفاءات العلمية الجزائرية البارزة بحضور أكاديمي وبحثي لافت ومسار علمي يؤمن بأن العلم امتداد للحلم لا بديل عنه، ولا تزال تحمل في وجدانها طموحات إنسانية وثقافية واسعة، من بينها أملها في رؤية القدس محررة وزيارتها، والمساهمة في الحفاظ على معالمها وترميم تراثها التاريخي.
أهلا وسهلا بك، بداية من هي نعيمة بن كاري؟
أهلا بكم، أنا باحثة وطالبة علم معتزة بأصولي الجزائرية والإسلامية، أسعى من خلال مساري الأكاديمي إلى المساهمة في تكوين أجيال جديدة من المعماريين والمخططين العمرانيين المتمكنين من أدوات المعرفة والواعين بعمق انتمائهم الحضاري ، هكذا أحب أن أعرف نفسي.
إذن معكم نعيمة بن كاري، من مواليد ولاية سطيف، متحصلة على دكتوراه في تخصص العمران،وماجستير في العمارة وتقنيات الصوت المعماري، وأشغل بقسم الهندسة المدنية والمعمارية في جامعة السلطان قابوس سلطنة عمان.
يذكر أنك ترعرعت في أسرة حازمة وثرية فكريا، كيف أسهم هذا المناخ في صقل شخصيتك؟
في الحقيقة لم تكن عائلتي صارمة جدا، لكن كان لدينا نظام واضح في طريقة التعامل مع من نتعامل، تربينا منذ الصغر على قصص الجد الذي لم يرضخ للاحتلال الفرنسي إذ كان يعمل حدادا خلال فترة الاستعمار، وكان لا يوقف عمله يوم الأحد كما كان معمولا به آنذاك بل كان يعطل عمله يوم الجمعة، وكانت هذه من الأمور التي كان الناس يتناقلونها، نظرا لتمسكه الشديد بهويته ومقوماته الإسلامية.
أما الجد الآخر من جهة الأم كان مثقفا ويعمل كاتبا لدى محامي وأظن أن سلاسة الكتابة التي نملكها اليوم تعود إلى ذلك الإرث، في حين كان الوالدان ـ رحمهما الله ـ دائما يغرسـان فينا حب العلم والدراسة والانفتاح على مختلف العلوم والثقافات والفنون، مع حرصهما على أن نتميز ونبلغ مراتب عليا لاسيما أنهما حرما منها خلال فترة الاستعمار الفرنسي.
عشت طفولة مولعة بالآثار الرومانية والنقوش الحجرية ، كيف أسهم هذا الشغف المبكر في توجيه مسارك المهني و اختياراتك المستقبلية؟
نعم، عشت طفولة سعيدة وحرة إلى حد كبير حيث كانت العلاقات بين العائلات متقاربة وكان الأطفال يتحركون ويلعبون في فضاءات مفتوحة وبقرب منازلهم، ما أتاح لي فرصة مبكرة لاكتشاف الطبيعة والتفاعل معها.
وقد عايشت في ولاية سطيف مرحلة كانت فيها الطبيعة لا تزال حاضرة بقوة من غابات الصنوبر الكثيفة إلى حقول القمح الواسعة، قبل أن تتراجع هذه المساحات تدريجيا بفعل التوسع العمراني غير المنظم، وكنت أجد نفسي منجذبة للنقوش والتماثيل والبقايا الأثرية في أماكن كنت أرتادها للعب، مثل حديقة الأمير عبد القادر وحديقة عين الدروج حيث كانت تتوزع مواقع أثرية تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، من بينها بقايا القلعة البيزنطية وأعمدة وتيجان رومانية.
أدركت لاحقا أن هذا التفاعل المبكر مع المكان والذاكرة البصرية للأثر ربما ساهم في توجيه اهتمامي، وعندما درست تاريخ العمارة الرومانية شعرت أنه امتداد طبيعي لما كنت أراه اختزنه منذ الطفولة، مما عزز شغفي بتاريخ العمارة.
ما قصة "المسطرة" التي قدمتها لك والدتك يوم اجتياز امتحان شهادة التعليم الابتدائي؟
ذكرى جميلة ما زلت استحضرها إلى اليوم كانت مسطرة مميزة ذات شكل غير مألوف ليست مسطحة بل متموجة، ومادتها ليست بلاستيكية، بل أقرب إلى مادة شفافة بين الزجاج والبلاستيك دون أن تكون أحدهما تماما.
استعملت هذه المسطرة أولا من طرف أختي الكبرى في امتحان شهادة التعليم الابتدائي، وكان امتحانا مهما وصعب في ذلك الوقت إذ كانت هذه الشهادة تمثل إنجازا لافتا، ثم استعملت من طرف أخي وحقق بدوره نجاحا بتفوق.
بعد ذلك قدمتها لي والدتي يوم امتحاني، على أمل أن أحقق نفس النجاح وهو ما حدث بالفعل، لتصبح هذه المسطرة بالنسبة لوالدتي طقسا بسيطا يرتبط بالامتحانات الرسمية داخل العائلة.
كيف تصفين تجربتك الأولى مع الدراسة؟
كانت تجربتي مع المدرسة صعبة ومزعجة في بدايتها؛ إذ التحقت بها في سن الخامسة وكنت بطبيعتي طفلة محبة للحركة والاستكشاف بكل حواسي، ولم أكن أستطيع التكيف مع الجلوس لفترات طويلة لاسيما أن أسلوب التدريس كان تقليديا يعتمد على الحفظ والجلوس المستمر، مما جعل تأقلمي مع الجو الدراسي صعبا في البداية.
بالرغم من أنني كنت رافضة للمدرسة بشدة،إلا أنني كنت أستوعب الدروس بسرعة وكنت من الأوائل دون جهد إضافي كبير، وكان بيني وبين والدي نقاشات متكررة حول رفضي الذهاب إلى المدرسة غير أنه كان يتعامل معي بلطف وصبر، ويشجعني بأسلوب بسيط من خلال احتساب الأيام المتبقية لعطلة نهاية الأسبوع، ومكافأتي أحيانا بقطعة حلوى أو بزيارات إلى قرى ولاية سطيف للترفيه، مما ساعد تدريجيا على تقبّل فكرة الاستمرار في الدراسة.
كما كان والدي يغرس بداخلي روح الطموح منذ الصغر و يحفزني على التطلع إلى آفاق أوسع،حتى إنه قال لي يوما:" يجب أن تكون طموحاتك أكبر بكثير مما تتصورين" وعندما سألته: حتى أن أصل إلى القمر؟ أجابني: " ولم لا تصبحين أول امرأة تصعد إلى القمر؟، تحول هذا الطموح إلى دافع رمزي قوي استمر معي لسنوات طويلة.
وكان والدي" رشيد كازيما" وهو لاعب سابق في فريق وفاق سطيف وصاحب هدفين في كأس الجمهورية عام 1965، يتمتع بوعي كبير بأهمية التحفيز النفسي وقد أدرك أن زرع هدف بعيد المدى قد يساعد على تجاوز النفور من الدراسة في الطفولة.
بقي هذا الحلم رفيقي حتى مرحلة البكالوريا وأصبح لاحقا تجربة استفدت منها في تعاملي مع أبنائي وطلابي، باعتبار أن النجاح لا يتحقق دون دافع داخلي قوي ورؤية واضحة تدفع الإنسان للاستمرار.
تخرجت سنة 1993 بالمرتبة الأولى في دفعتك مع أفضل مشروع تخرج، ما هي العوامل التي ساهمت في هذا التميز؟
نعم، تخرجت سنة 1993 متحصلة على المرتبة الأولى في دفعتي مع أفضل مشروع تخرج ولم تكن عوامل هذا التميز وليدة سنوات الدراسة الجامعية فقط بل تعود جذورها إلى مرحلة الطفولة، كان التفوق ملازما لي منذ المراحل الدراسية الأولى مع دعم كبير من العائلة التي شكلت سندا أساسيا في مساري.
هذا التميز كان نتيجة شغف مبكر بالمعرفة، رغم أن اختياري لتخصص الهندسة المعمارية لم يكن خيارا أوليا بل جاء بدافع الفضول، بدل التوجه إلى الطب أو علوم الحاسوب، خاصة أن رفض العائلة الانتقال إلى ولاية عنابة دفعني لاختيار تخصص متاح في ولايتي.
وخلال مساري الدراسي كنت حريصة على إنجاز المشاريع بأفضل صورة ممكنة مع نزعة دائمة نحو تحسين الأداء وعدم الاكتفاء بالمستوى الجيد، وهو ما جعلني أطمح باستمرار إلى الأفضل، وأسهم في تحقيق معدل متميز ونيل المرتبة الأولى على مستوى الدفعة.
كيف أسهم مشروع تخرجك حول وادي ميزاب في بلورة رؤيتك للعمارة والتراث العمراني؟
أحببت دراسة العمارة منذ أن بدأت أتعرف على تراث بلادي في السنة الثالثة من الهندسة المعمارية وهي السنة التي ندرس فيها أنماط السكن المحلية، وقد درسنا في تلك المرحلة طرائق السكن والبناء عند القبائل في ولاية بجاية، كما قمنا بزيارة ميدانية إلى المنطقة حيث سعدت كثيرا بتلك التجربة، وشعرت بانجذاب كبير لهذا المسار البحثي المعماري القائم على الرسم والتوثيق والتصوير وإجراء المقابلات مع السكان، والتعرف على البنّائين التقليديين.
كانت تلك التجربة حافزا قويا لاختيار مسار العمارة التراثية في الجزائر لأنها فتحت أمامي أفقا جديدا لفهم العمارة بوصفها ثقافة وهوية وليست مجرد بناء، لذلك اخترت في مشروع التخرج دراسة عمارة وادي ميزاب بولاية غرداية خاصة بعد زيارة ميدانية للمنطقة، قبل انطلاق المشروع حيث سعدت بهذا العمران الفريد واكتشفته من خلال التجربة المباشرة، كما ساعدنا أساتذة تلك السنة على تغيير نظرتنا إلى العمارة في بلادنا، وفتحوا أمامنا آفاق الاطلاع على مصادر ومؤلفات متعددة بلغات مختلفة.
وسمح لنا باكتشاف مقاربات متعددة لفهم العمارة، وقررت في السنة الرابعة أن أجعل من وادي ميزاب موضوعا لمشروع تخرجي حيث درست مقوماته المادية والمعنوية والاجتماعية، وتعمقت في خصوصياته المعمارية خاصة ما يتعلق بالبعد الديني في عمارة المساجد الإباضية، مقارنة بتجارب أخرى مثل مساجد سلطنة عمان.
ولم يكن هذا المشروع مجرد عمل أكاديمي بل شكل نقطة تحول في رؤيتي للعمارة إذ أصبحت أراها منظومة متكاملة تجمع بين الإنسان والمجتمع والثقافة والبيئة، وليس مجرد تصميم هندسي.
كيف تقيمين تجربتك الدراسية في فرنسا ، وما أبرز التحديات التي واجهتك خلالها؟
في الحقيقة كانت تجربتي الدراسية في فرنسا تجربة غنية ومهمة جدا إلى درجة أنني أعتبرها مرحلة تعلمت فيها أساسيات البحث العلمي خاصة البحث النقدي القائم على تحليل الأفكار ومناقشتها بدل الاكتفاء بتلقيها، خاصة أن التعليم العالي في الجزائر كان يعتمد بشكل كبير على التلقين وهو ما لم أكن أرتاح له، إذ كنت أميل أكثر إلى الرياضيات باعتبارها مجالا يقوم على المنطق والنتائج الواضحة حيث لا مجال للآراء غير العلمية، بل تستخلص حلول دقيقة ومحددة.
إذن من الناحية الأكاديمية كانت التجربة إيجابية ثرية، لكنها في المقابل كانت صعبة على المستوى الاجتماعي لاسيما مع الاحتكاك بالمجتمع الفرنسي وبعض أفكاره، وهو ما كان يثير أحيانا نقاشات فكرية داخل الفضاء الجامعي خاصة عند تناول إسهامات الحضارة الإسلامية في العلوم والعمارة.
كما زادت صعوبة التجربة لكوني كنت في سن الثالثة والعشرين دون احتكاك سابق مباشر بثقافة مختلفة بهذا العمق، وكانت الصورة التي نحملها في الجزائر عن الغرب مثالية إلى حد ما، تغذيها وسائل الإعلام والتلفزيون من خلال إبراز نماذج للحياة الاجتماعية هناك، غير أن الواقع الذي واجهته كان مختلفا من حيث طبيعة العلاقات والبنية الاجتماعية، ما جعل مرحلة التكيف أكثر تعقيدا ، وقد ازدادت هذه التحديات حين قررت الالتزام بالحجاب، ما جعل بعض المواقف أكثر حساسية لكنها في النهاية شكلت مرحلة نضج فكري وشخصي مهمة جدا في مساري.
كيف انعكست تجربتك في تونس واحتكاك بنخبة من الفنانين والمعماريين والمثقفين على مسارك الفكري؟
كانت تجربتي في تونس تجربة اجتماعية وثقافية مغايرة لتجربتي في فرنسا ويمكن القول إنها جاءت في اتجاه مختلف تماما، إذ لم أشعر فيها بالغربة خاصة وأن علاقتي بتونس كانت قد بدأت منذ الطفولة من خلال زيارات متكررة، ما جعلها بيئة مألوفة قبل أن تكون محطة إقامة.
وقد تعزز هذا الارتباط لاحقا بعد زواجي من تونسي أصيل مدينة القيروان، أول عاصمة إسلامية في شمال إفريقيا وأول موضع جامع في المنطقة، واخترت الاستقرار في مدينة صفاقس حيث كان زوجي مهندسا معماريا مختصا في الترميم ضمن جمعية صيانة مدينة صفاقس التابعة لوزارة التراث والثقافة، وهناك بدأت أول تجربة لي كأستاذة جامعية بالتوازي مع مواصلتي دراسة الدكتوراه في تخصص التصميم الداخلي بكلية الفنون والتصميم.
في هذا السياق، كان لي احتكاك مباشر بنخبة من الفنانين والمعماريين والمثقفين من بينهم نور الدين الهاني، الفنان التشكيلي البارز، ومنى الدوف، إلى جانب أسماء أخرى في مجالات الفن والعمارة والثقافة، وقد أسهم هذا الاحتكاك اليومي في توسيع رؤيتي للعمارة باعتبارها ممارسة فكرية وجمالية في آن واحد وليست مجرد تخصص تقني.
وقد عشت خلال هذه المرحلة العمارة في بعدها الفلسفي والجمالي متأثرة بأفكار العميد المعماري محمد مكية الذي يرى أن " الفلسفة أم العلوم و العمارة أم الفنون" وهي فكرة وجدت لها تجسيدا حيا داخل هذا المناخ الثقافي الغني .
كما أتاح لي هذا الفضاء الثقافي فرصة ثمينة لتطوير مساري البحثي حيث ارتبط جزء مهم من عملي في الدكتوراه بتونس من خلال التنقل بين مكتباتها العريقة وزيارة عدد من المدن، منها مدينة جربة باعتبارها جزءا من مجال الدراسة، وقد شكلت هذه التجربة مرحلة ثرية على المستوى المعرفي أسهمت في بلورة رؤيتي للعمارة والتراث والإبداع.
امتداد لهذه التجارب بين الجزائر وتونس وفرنسا، أصبح مساري البحثي يقوم على الانفتاح وتعدد المرجعيات حيث كل باحث أو فنان التقيت به فتح لي أفاقا جديدة وعرفني على قراءات ومقاربات مختلفة، ما ساعدني على بناء رؤية بحثية متعددة التخصصات، إذ أصبحت أتعامل مع العمارة من خلال أدوات متنوعة بالاستناد إلى علم الاجتماع لفهم علاقة الإنسان بمحيطه، وإلى علم النفس لتحليل السلوك المكاني، وحتى إلى العلوم الدقيقة لفهم بعض الظواهر المرتبطة بالتصميم العمراني، كما استعنت أيضا بمناهج مستمدة من علوم الشريعة في تحليل بعض الجوانب المتعلقة بالمباني والعمارة في سياقاتها التاريخية.
وقد أسهمت التجربة الفرنسية في تعزيز قدرتي على النقد الأكاديمي والانفتاح على مختلف الآراء، في حين علمتني تجربة تونس قيمة العمل التشاركي والحوار من منظور الفنان والمعماري والكاتب داخل الفضاء نفسه.
أما أطروحة الدكتوراه قد تمحورت حول "فقه العمارة"حيث حاولت دراسة وتحليل أشكال المباني من منظور يجمع بين فقه العمارة وفقه الحياة، وهو موضوع أثار نقاشات علمية واسعة داخل الجامعات الفرنسية خاصة فيما يتعلق بعلاقة الإنسان ببناء مسكنه ومسجده وفق خلفيته الدينية والثقافية، ورغم اختلاف وجهات النظر أحيانا فإن النقاش ظل في إطار أكاديمي قائم على احترام الرأي وتنافس الأفكار، ما مكنني من نيل أعلى الدرجات مع مرتبة الشرف، إضافة إلى قبول نشر الأطروحة بعد تقييم متخصصين في العمارة الإسلامية.
كيف تنظرين إلى أهمية البحث العلمي في مجال العمارة ودوره في الحفاظ على الهوية الثقافية؟
أصبح البحث العلمي في مساري اليوم أداة محورية في حماية الهوية الثقافية وصونها سواء على مستوى المجتمع الجزائري، أو في امتداده العربي والإسلامي بل وفي بعده الإنساني الأشمل.
ويأتي ذلك من خلال انخراطي كعضوة خبيرة ضمن منظمة استشارية لدى اليونسكو مكلفة بتقييم التراث العالمي حيث يتقاطع عملي بين التراث والعمارة والهوية والتاريخ والحضارة الإسلامية، ومن هذا المنطلق أعمل على ترسيخ الهوية وتوثيقها عبر مقاربات علمية دقيقة تمنحها قوة الإثبات والموضوعية بعيدا عن السرديات العامة والانطباعات غير المؤسسة، إذ إن المطلوب اليوم هو بناء خطاب علمي رصين يثبت هوية العمارة ويكشف جذورها التاريخية والحضارية على أسس منهجية دقيقة وواضحة.
وتتضاعف أهمية هذا الدور في ظل ما يشهده العالم من محاولات لإعادة تشكيل الذاكرة التاريخية أو طمس الامتداد الحضاري العربي والإسلامي، ما يجعل البحث العلمي في التراث العمراني ضرورة لحماية الذاكرة المادية والمعمارية من التشويه أو الطمس عبر التوثيق العلمي القائم على الأدلة والمعايير الدقيقة، كما يقوم هذا العمل على إعادة قراءة التراث العمراني الإسلامي بوصفه منظومة فكرية متكاملة لا مجرد أشكال معمارية، خاصة في ضوء التحولات المعاصرة في مفاهيم الاستدامة منذ تقرير 1999 حول العمارة والبيئة والاستهلاك العقلاني وإعادة التدوير وهي مفاهيم أصبحت اليوم جزءا من أجندة 2030.
واللافت أن العديد من هذه المبادئ راسخة أصلا في العمارة الإسلامية التقليدية التي قامت على ترشيد الموارد والانسجام مع البيئة وتقليل استهلاك الطاقة، بما يؤكد أن هذا التراث يحمل في داخله نموذجا متقدما للعمارة المستدامة.
ما هو العمل العلمي الذي شكل نقطة التحول الأبرز في مسارك البحثي؟
يشكل بحثي حول الفقه الإباضي في العمارة الذي أنجزته في سلطنة عمان ضمن أطروحتي للدكتوراه إحدى أبرز المحطات في مساري العلمي، إذ انصب هذا العمل على قراءة العمارة في عمان والجزائر وتونس من منظور معماري وثقافي مقارن، بما مكن من تعميق فهم العلاقة بين المرجعيات الفكرية والبنى العمرانية.
وقد شكل هذا البحث منعطفا حاسما في مساري كباحثة حيث عملت على توثيق الحارات العمانية ورصد ملامح التراث المعماري والعمراني، إلى جانب تحليل المبادئ التي تضبط تشكل هذه الفضاءات، ومنذ سنة 2014 ظل هذا التوجه يؤطّر معظم أبحاثي بحكم صلته المباشرة بقضايا التراث الإنساني.
كما أسهم هذا العمل في تسليط الضوء على جانب مهم من العمارة العمانية إذ تبيّن أن أغلب الدراسات السابقة ركزت على النظم المعمارية المرتبطة بالقلاع والحصون، في حين اتجه بحثي إلى الحارات باعتبارها فضاءات عمرانية حية تقوم على منطق خاص في النشأة والتنظيم والتطور، ومن خلال هذا التوجه برز بعد جديد من التراث العمراني يتعلق بكيفية تشكل الحارات في سلطنة عمان وآليات تنظيمها على المستويين العمراني والاجتماعي، بما يعكس تداخلا واضحا بين البنية المعمارية والبنية الثقافية.
وقد كان لهذا المسار العلمي أثر مباشر في عملي الأكاديمي، إذ استثمر نتائج أبحاثي في تدريس العمارة والعمران مع الحرص على نقل هذه الخبرة إلى الطلبة، بما يسهم في تكوين معماريين ومخططين قادرين على الربط بين النظريات المعاصرة والواقع الميداني.
كما أعمل على ترسيخ قناعة مفادها أن ممارسة العمارة لا تنطلق من نظريات مجردة فحسب بل من فهم عميق للتراث والبيئة والسياق المحلي، بما يتيح بناء رؤية عمرانية متجذّرة في الهوية ومنفتحة في الوقت نفسه على المعرفة العلمية الحديثة
كيف أثّر التخصص المشترك بينك وبين زوجك في نمط الحياة العائلية وتوجيه الأبناء؟
لدينا أنا وزوجي تقارب كبير في التخصص والرؤية سواء في الحياة اليومية أو العمل الميداني وهو ما أسس التكامل واضح داخل الأسرة، وقد انعكس هذا التقارب بشكل مباشر على أسلوب التربية حيث نحرص على تربية أبنائنا تربية متوازنة تجمع بين القيم الدينية والتقاليد من جهة والانفتاح على الثقافات واللغات والفنون من جهة أخرى.
كما نحرص على أن ينشأ أبناؤنا متجذرين في هويتهم الثقافية والدينية وفي الوقت نفسه منفتحين على محيطهم العالمي، بما يساعدهم على بناء شخصية واعية ومتوازنة وقادرة على التفاعل مع مختلف السياقات، ونرافقهم في زيارات ميدانية إلى مواقع متعددة ونفتح معهم باب النقاش حول ما نلاحظه نكتشفه في تلك الأماكن بهدف تنمية روح النقد والتفكير لديهم وتشجيعهم على تكوين آرائهم الخاصة، كما نولي أهمية لتجاربهم الثقافية من خلال زيارة المواقع الأثرية والمتاحف والمكتبات لما لذلك من دور في توسيع مداركهم وربطهم بالتاريخ والمعرفة.
في المقابل حرصنا منذ صغرهم على ضبط استخدامهم لمنصات التواصل الاجتماعي وتقنينه مع توجيهه بشكل مدروس، بما يضمن نموهم في بيئة أكثر وعيا وإدراكا .
ماذا يمثل لك تتويجك بوسام العالم الجزائري سنة 2022؟
يتغير شعوري بهذا التتويج بين سنة 2022 واليوم ، كلما مر الوقت ازداد إدراكي لثقل المسؤولية التي يحملها هذا الوسام هو قبل كل شيء وسام شرف، وأحد أهم أشكال التقدير التي يمكن أن أبلغها في مساري وربما أستوعب قيمته اليوم أكثر مما استوعبته لحظة التتويج، حتى إنه يتجاوز في أثره مجرد الحصول على شهادة دكتوراه بتقدير عالي.
ومع ذلك لا أرى نفسي عالمة بقدر ما أعتبر نفسي باحثة ومتعلمة لا تزال في مسار اكتساب المعرفة، هذا النوع من التكريم بما يحمله من رمزية، يدفعني إلى مضاعفة الجهد والبحث عن أفضل السبل لتوظيف العلم في خدمة بلدي، لذلك أتعامل مع هذا الوسام كحافز للاستمرار وأسعى إلى أن تكون أبحاثي ذات قيمة فعلية، تسهم في ترسيخ فكر التراث في ميدان العمارة والعمران وتقدم إضافة حقيقية تنعكس على الواقع.
اليوم ونحن نحتفل بيوم العلم كيف تنظرين إلى مكانة العلم في بناء المجتمعات وتطويرها؟
يحتل العلم مكانة مركزية في حياة المجتمعات إذ إن تطوره ينعكس مباشرة على مستوى البناء والتقدم لا سيما أن المعرفة والعلم النافع على وجه الخصوص، يشكلان أساس نهضة المجتمعات واستقرارها، غير أن تطور العلوم المادية وحده لا يكفي بل قد يتحول إلى عامل تدمير إذا لم يضبط بمنظومة من القيم والأخلاقيات التي تحترم الإنسان وكرامته، ويقدم التاريخ أمثلة عديدة على توظيف المعرفة في إحداث دمار واسع كما يشهد على ممارسات علمية افتقدت إلى الضوابط الأخلاقية.
لذلك يبقى العلم الحقيقي هو ذلك المرتبط بالقيم والذي يسهم في خدمة الإنسان وبناء المجتمع بدل تهديد إنسانيته، عندما يوجه العلم بروح المسؤولية والوعي يصبح أداة للإعمار والتقدم، أما إذا انفصل عن البعد الأخلاقي يتحول إلى مصدر خطر على البشرية.
ما هي الرسالة التي توجهينها للطلبة والباحثين الشباب؟
عندما أتأمل واقع أمتنا العربية والإسلامية ألاحظ أنها تعيش حالة من التشتت والتناحر، وهو ما جعل أطماع الآخرين تتزايد فيها، هذا الواقع يفرض على الشباب مسؤولية أكبر في إعادة بناء الوعي وتحديد الاتجاه.
أنصح الشباب بأن تكون لديهم طموحات كبيرة في طلب العلم والسعي إلى بلوغ أعلى درجات المعرفة والإبداع في مجالاتهم، مع ضرورة الحفاظ في الوقت نفسه على بوصلتهم الفكرية والقيمية، العلم وحده لا يكفي إذا لم يكن موجها بقيم وغاية واضحة، وتتمثل هذه البوصلة في الوعي بالهوية والانتماء وإدراك القضايا الكبرى التي تمس الأمة، في مقدمتها المسجد الأقصى باعتباره رمزا روحيا وحضاريا، ينبغي للشاب العربي المسلم أن يحافظ على هذا الوعي ثم ينطلق بثبات في مسار التحصيل العلمي والمعرفي.
أما الاكتفاء بالتفوق العلمي دون هذا البعد القيمي،لا يحقق التوازن الحقيقي ولا الأثر المنشود لأن القيمة الحقيقية للعلم تكمن في توظيفه لخدمة الإنسان وقضاياه لا في تحصيله بمعزل عن ذلك.
بعد هذا المسار الحافل ما هي الطموحات التي ما تزالين تسعين إلى تحقيقها؟
أطمح إلى مواصلة تطوير مساري العلمي والبحثي من خلال تعميق العمل على قضايا العمارة والعمران والتراث، وإنتاج معرفة نوعية تسهم في فهم أعمق للتحولات العمرانية وإشكالياتها الراهنة، كما أسعى إلى تعزيز حضوري الأكاديمي عبر التدريس الجامعي والمساهمة في تكوين جيل من الطلبة والباحثين القادرين على الربط بين التأصيل النظري والممارسة الميدانية، مع ترسيخ الوعي بأهمية التراث والبيئة في الممارسة المعمارية.
وأطمح كذلك إلى توسيع آفاق التعاون والتبادل العلمي مع مختلف البيئات الأكاديمية، بما يتيح الإسهام في مشاريع بحثية مشتركة وتقديم إضافات علمية ذات أثر على المستويين المحلي والدولي.

