100322
0
مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 193

بقلم اسماعين تماووست
أحيانًا كنت أشعر أننا لا نطارد بشرًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل كنا نلاحق أشباحًا، أرواحًا غريبة ومخيفة، تختبئ في زوايا مظلمة لا تصلها يد العدالة بسهولة، ومع ذلك، كان من الضروري أن نعرف بسرعة مكان اختباء هؤلاء الأوغاد المجرمين.
مطاردتنا لم تعرف أي توقف، لا نهارًا ولا ليلًا، كانت بلا هوادة، بلا رحمة، بلا كلل. كنا نعلم أن المثابرة هي طريقنا الوحيد، وأنه عاجلًا أم آجلًا، سنتمكن من العثور عليهم، وسندفعهم ثمن كل جريمة ارتكبوها، بقسوة لا تعرف التسامح.
لم يكن هدفنا الانتقام الشخصي، لكن العدالة كانت تفرض نفسها بقوة، لنضع حدا وحشيتهم التي لم تتوقف يومًا.
أؤكد أن السلام في بلادنا لم يكن ممكنًا إلا بالقوة الحقيقية، بالقوة التي لا تضعف، ولا تعرف الهزيمة، نحن رجال الشرطة، كنا نحمل هذه القوة الخفية، القادرة على الوقوف في كل الأزمنة، على حماية الأبرياء، والحفاظ على النظام مهما اشتدت التحديات.
كانت قوتنا وسيلة مؤكدة للحصول على السلام الحقيقي، في بلاد شاسعة تتوق إلى الأمان، ولا مجال للشك في أننا نمتلك الوسائل اللازمة لذلك.
لقد اصطدم خصمنا المتعصب بقوة الشرطة الوطنية، وأكثر من ذلك، ضل في طريق مظلم جدًا، طريق مليء بالانحراف والش، تحدوا كل الحظر وكل القوانين الصادرة عن الرجال المسؤولين والسلطات، متجاهلين أي عائق أو رادع، أما قائد التمرد، فكان عقله ضعيفًا، لا ينتج سوى أفكار كاذبة، تحرض أتباعه على الانتقام، وتدفعهم لارتكاب أعمال قتل بحق الأبرياء، كانوا منحرفين أخلاقيًا، مرتزقة بلا ضمير، عاجزين عن إدراك حجم المآسي التي يخلقونها.
تحت تحريضه المستمر، أصبح القتل الوسيلة الوحيدة للرد على أي معارضة، بلا رحمة، بلا إنسانية، لقد تحول هذا القائد الملعون إلى مجرم حرب من أعلى الرتب، يشبه تمامًا الخونة الحركيين خلال حرب الاستقلال، سلطته كانت مرادفة للموت والدمار، وتأثيره على أتباعه جعلهم أدوات للعنف الأعمى، بلا رحمة، بلا ضمير، منسجمين تمامًا مع تعاليمه الملعونة، يقتلون بدم بارد ويزرعون الخوف أينما حلّوا.
كنت أجرؤ على اتخاذ قرارات خاطفة، أحيانًا مخالفة للأوامر، مدفوعًا بحسّي الشرطي وبفراستي التي لم تخذلني قط.
وبعد إتمام بعض تلك المهمات، لم أكن أجد ضرورة للكشف عن تفاصيلها أمام المسؤولين، كنت أحتفظ بالصمت كسلاحٍ آخر، لأنّ النتيجة وحدها هي البرهان، وما وراءها تفاصيل لا تضيف شيئًا.
ما كنت أرفعه من تقارير وإنجازات كان يُعدّ ملموسًا وذا أثر، لكنه في نظرهم لا يفي بكل التزاماتهم المهنية، فيكتفون بعبارات شكر مقتضبة لي ولفريقي، أمّا أنا، فكنت أدرك يقينًا ما ينبغي فعله، وما يستحيل فعله، إذ كنت أرى وطني يتفحّم ببؤر النيران المتناثرة، كجسدٍ ينهشه الألم من كل صوب.
ولولا شجاعة رجال الشرطة، بمختلف رتبهم ومناصبهم، لانهارت البلاد في تلك الحقبة، لقد غدا شرف الانتماء إلى جهاز الأمن الوطني بمثابة وسامٍ نادر، إذ تحوّل بفضل تلك التضحيات إلى طليعةٍ عالمية في الحرب على الإرهاب، وإلى جدارٍ يقف في وجه العاصفة بلا تراجع.
كانت مطاردتنا للإرهابيين في الجبال الوعرة، والغابات الكثيفة، وأعماق الأودية، أشبه بصيد وحوشٍ تتخفّى بين الصخور والأشجار، غير أنّ الحقيقة أشدّ وقعًا: فصيد الوحوش أهون من مطاردة أولئك الفارّين الذين لطّخوا أيديهم بالدماء، وتحولوا إلى مسوخٍ بشرية تجيد التخفي وتذوب في تضاريس المكان كالأشباح، تبقى غير مرئية لشهورٍ طويلة، وكأنها تخوض معنا حرب أعصاب باردة.
كنتُ أعي أنّ المواجهة معهم لم تكن عملية أمنية عابرة، بل معركة حياة أو موت، وأنّ أي تهاون يعني الانكسار، لذلك، في قلب النار، لم أكن مجرّد منفّذ للأوامر، بل قائد يصوغ مصيره ومصير رجاله بقرارات لحظية وجرأة لا تعرف التردد، ومن هنا، كان حضوري يتجاوز حدود الطاعة، لأصبح صانعًا للفارق، في زمنٍ كان الوطن فيه يتأرجح فوق حافة الهاوية
في جميع الظروف، كنت أؤكد لنفسي وللفريق ضرورة اعتماد استراتيجيات جديدة لمواجهة الحرب والإرهاب، بدلاً من الاقتصار على شدة وبؤس عمليات البحث الروتينية، التي غالبًا ما كانت تفرضها علينا قيادتنا، ذلك الروتين الممل للتحريات، خاصة حين يتعلق الأمر بالإرهاب الأعمى، كان يبدو لي محكومًا عليه بالفشل منذ البداية، إذ لم يكن يسمح لنا بالتحرك بسرعة أو بمرونة، وكان يرهقنا جسديًا ونفسيًا بلا جدوى حقيقية.
بعد عدة مناقشات مطولة مع زملائي رجال الشرطة، توصلنا سريعًا إلى اتفاق على تبني استراتيجية جديدة تعتمد على الدعاية المكثفة والمبالغ فيها إلى أقصى حد، بشكل يجعل أي تحرك لنا واضحًا وقويًا، مع مراعاة التدخلات الدقيقة والصارمة ضد كل الأفراد الذين نصادفهم في الميدان، لم يكن الهدف مجرد العقاب، بل كان توجيه رسالة واضحة: كل محاولة للتمرد أو الاختباء لن تمر دون مراقبة صارمة، وكل عنصر مشبوه سيشعر بثقل القانون يلاحقه أينما ذهب.
لقد رأيت في هذه الطريقة ممارسة ذكية ومبتكرة، فريدة من نوعها، وشرحتها بدقة وعناية لكل عناصر فريقي، مطوّراً كل خطوة صغيرة، موضحًا الهدف من كل تحرك، وموضحًا كيف أن المبالغة في التدخلات والاعتماد على الدعاية ستزيد من فعاليتنا.
لقد حظيت الفكرة بتوافق كامل من الجميع، وأشعلت بينهم شعورًا قويًا بالرضا الداخلي، ومنحتهم حافزًا جديدًا للاستمرار في مطاردتنا بلا هوادة ضد خصمنا، الذي كان أكثر جبنًا وقسوة من أي قوة عرفناها، خصمٌ أكثر عنفًا وقسوة من أية تهديدات عرفها التاريخ، أشد خطرًا من السلوكية العدائية للجيش الإسرائيلي، كما شعرت حين قارنت بين وحشيته وأشد العمليات العسكرية التي شاهدناها.
كان الهدف من خطتنا أيضًا أن تترك وجودنا أثرًا واضحًا في الغابات والجبال، بحيث يمكن لأي شخص يتواجد هناك أن يدرك بسرعة وجود عناصر مسلحة محتملين، وأن تصل هذه المعلومات فورًا إلى عناصر خدمات الأمن المكلفين بعمليات البحث.
بهذا الأسلوب، كنا نخلق حالة من الضغط النفسي على المجرمين، نجعلهم في حالة يقظة مستمرة، بينما يظل فريقنا متحفزًا، مستعدًا لأي مواجهة، نشعر بالسيطرة المطلقة على مجريات الأمور، متيقنين من قوة استراتيجيتنا وفاعليتها.
لقد أثبت هذا الأسلوب أنه أكثر تأثيرًا من الاعتماد على الروتين الممل، وجعلنا قادرين على متابعة خصمنا بلا توقف، ملتزمين بمبدأ أن القوة الحقيقية تأتي من استراتيجية ذكية ومخطط لها بعناية، مع وعي كامل بتحركاتنا ومراقبة دقيقة لكل خطوة، لا من الجهد الميكانيكي وحده، كان هذا هو السبيل لتحقيق التفوق والنجاح في مواجهة خصم أكثر جبنًا وأكثر عنفًا من أي تهديد عرفناه.
يتبع ...

