احتفاءً باليوم العالمي للّغة العربية، أشرف رئيس المجلس الأعلى للّغة العربية، صالح بلعيد، اليوم الأحد، على فعاليات الملتقى الوطني الموسوم بـ “الترجمة والتعليميّة: بين الوسيلة والغاية… مقاربات في العلائق والبينيّة”.
هَاجر شرفي
وشهد الملتقى حضور ثُلّة من الأكاديميين والباحثين والمهتمّين بقضايا اللغة والترجمة. ويهدف إلى تعزيز دور الترجمة في تطوير الممارسات التعليمية وتعميق البحث في قضايا اللغة والمعرفة.
وفي سياق المناسبة، افتتح رئيس المجلس الأعلى للّغة العربية، صالح بلعيد، كلمته بالترحيب بالحضور، مؤكدًا على أهمية الترجمة ودورها الحيوي في تطوير اللغة العربية والمحتوى التعليمي والثقافي.
وأشار إلى أن الترجمة فعل نبيل وأساس تطور اللغة العربية، مستعرضًا مشاريع المجلس الأخيرة، بما في ذلك إصدار كتاب “الترجمة والتعليميّة بين الوسيلة والغاية مقاربات في العلائق والبَيْنِيَة”، الذي يُعد مرجعًا أكاديميًا يوضح دور الترجمة في التعليم والتفاعل بين اللغات والثقافات

وشدّد بلعيد على أن الترجمة ما زالت ضرورة معاصرة، خصوصًا في ظل السيطرة الحالية للغة الإنجليزية على 80% من المحتوى الرقمي العالمي مقابل 20% فقط للعربية، داعيًا إلى تعزيز المحتوى الرقمي العربي عبر مشاريع المجلس الأعلى للّغة العربية والمعاجم الرقمية والمبادرات التعليمية.
وأعلن عن الأنشطة المقبلة للاحتفاء باليوم العربي للغة العربية، واليوم العالمي للترجمة، واليوم العالمي للشعر، مؤكدًا أن المجلس سيواصل إشراك الجامعات الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني ومراكز البحث العلمي، مع التركيز على تطوير المحتوى العربي الرقمي والمشاريع العلمية.
كما أشار إلى الجائزة السنوية للرئيس في الأدب واللغة العربية، داعيًا المتخصصين والمبدعين للمشاركة في التنافس على هذه الجائزة المرموقة، معتبرًا أن هذه المبادرة تمثل جزءًا من تعزيز مكانة اللغة العربية عالميًا.

تضمّن الملتقى جلستين علميتين وورشة متخصصة، اشتملت على 22 مداخلة قدّمها أساتذة وباحثون من مختلف الجامعات، تناولت بدايات الترجمة وتطور مسارها وانتشارها عبر الحقب، إلى جانب بحث ارتباطها بالعلوم والآداب .كما توقفت المداخلات عند التحولات الراهنة في مجال الترجمة، لاسيما ما يتعلق بتأثيرات الذكاء الاصطناعي ودوره المتصاعد في تطوير أدوات الترجمة وأساليب ممارستها.
وفي سياق متصل، أكد صالح بلعيد، بأن الترجمة ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لنقل المعرفة، وتتطلب مشاريع واستشراف المستقبل وتحديد الاحتياجات الفعلية، وهذه هي الاستراتيجية التي يسعى المجلس الأعلى للغة العربية لتبنّيها، كما يجب أن نستثمر في التربية والتعليم، من خلال إنشاء أقسام ترجمة في الجامعات ودعم المؤسسات والمجالس التي لها القدرة على الاستمرارية.
وترتكز الاستراتيجية على ثلاثة محاور: المدرسة، المؤسسات المستقرة، والتحضير للأعمال المستقبلية في مجال الترجمة.
كما دعا بلعيد الى الاستفادة من تجارب اللغات الأخرى وتعلم طرقها، خاصة في ظل التحديات والأزمات مثل أزمة كوفيد، وذلك لضمان نقل المعرفة وإثراء اللغة العربية بالمصطلحات الجديدة.
خاصة وأننا نواجه حسب المتحدث، ما يمكن تسميته “الفقر الترجمِي”، لذلك نركز على ترجمة المعارف المتقدمة من اللغات الرائدة، خصوصًا الفرنسية والإنجليزية، ثم تكييفها لتتوافق مع اللسان العربي، بما يضيف قيمة حقيقية للغة العربية، لا سيما في مجالات المصطلحات العلمية والتقنية، مثل الصناعات الطبية والصيدلانية والزراعة والتقنيات الحديثة.
ومن جهته، عبر صاحب مداخلة «الترجمة المأمولة لنهضتنا»، البرفيسور عبد الناصر بوعلي، عن أهمية الترجمة كلغة للتواصل الحضاري واكتساب العلوم.
وأكد أن الترجمة ليست رفاهية، بل وسيلة ضرورية للوصول إلى معارف الآخرين، مشيرًا إلى تجربة العرب قديماً، وخاصة في عصر الخليفة المأمون، حين أنشأ بيت الحكمة في بغداد، وجمع العلماء من شتى أنحاء العالم لنقل العلوم والفلسفات، مؤكدًا أن المعرفة لم تكن تُكتسب إلا عبر الترجمة.
وأشار البرفيسور إلى ضرورة التركيز على نقل العلوم المتقدمة إلى الجزائر، بدلاً من محاولة تقليد لغات الآخرين أو الهجرة الفكرية، مستشهدًا بتجربة اللغة الفرنسية بعد الاستقلال، حيث كانت وسيلة لتوطين العلوم والفكر، كما ذكر أن قوة أي لغة تتعلق بقوة عقل أصحابها، وأن العقل العربي بحاجة إلى الاستثمار في تطوير لغته لإنتاج المعرفة، وليس الاكتفاء بالتقليد.
وبعد نقاش مستفيض حول سبل تعزيز الترجمة وتطوير آلياتها، خلص المشاركون إلى مجموعة من التوصيات العملية التي تهدف إلى تحويل أهداف الملتقى إلى خطوات قابلة للتنفيذ، بما يخدم تطوير التعليم العالي والبحث العلمي ويستجيب لمتطلبات التحول الرقمي والعولمة المعرفية. وتركزت التوصيات على ما يلي:
• إدماج الترجمة في المنظومة التعليمية والبحثية كأداة لتكوين المعرفة وبناء الكفاءات، وليس مجرد نشاط لغوي مساعد.
• إنشاء مسارات أكاديمية متخصصة في الترجمة التعليمية، والترجمة المتخصصة، وترجمة العلوم.
• استحداث مراكز أكاديمية للترجمة والتعريب لدعم البحث العلمي وتطوير الموارد المترجمة.
• دمج أدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب في التكوين، وتطوير منصات رقمية وطنية للموارد المترجمة.
ووجه المشاركون شكرهم إلى إطارات وموظفي المجلس الأعلى للغة العربية على دعمهم الكبير لإنجاح فعاليات الملتقى، كما اختتم الملتقى بتوزيع شهادات المشاركة على جميع الحضور .