626
0
«أجنحة الأمل والنور»… حين يتحوّل الألم إلى جناحين للحياة
للكاتبة رزان الرابي

حاورها: الحاج بن معمر
في زمنٍ تتكاثر فيه الحكايات العابرة، تأتي رواية «أجنحة الأمل والنور» كنداءٍ إنسانيّ عميق، لا يكتفي بسرد الألم، بل يغوص في جوهر الإنسان وهو يواجه هشاشته، خوفه، وأسئلته الكبرى بصمتٍ يشبه الصلاة.
إنها ليست رواية عن المرض بقدر ما هي رواية عن الروح حين تتعلّم كيف تُضيء عتمتها بنفسها، وكيف يمكن للقلب، حتى وهو مثقل بالوجع، أن يظلّ قادرًا على الحبّ والحياة.
ومن خلال شخصية “سلمى”، تفتح الكاتبة "رزان الرابي" نافذة شفافة على العالم الداخلي لمريض السرطان، بعيدًا عن الخطابات التقليدية أو المشاهد المستهلكة، لتصنع نصًا إنسانيًا نابضًا بالإحساس، حيث يمتزج الانكسار بالقوة، والدمع بالأمل، والوجع بالنور.

في هذا الحوار الخاص، تكشف الكاتبة أسرار ولادة الرواية، ورسالتها الإنسانية العميقة، كما تتحدث عن التحديات النفسية التي رافقت الكتابة، وعن رؤيتها للأدب الإنساني، ولماذا ترى في الفنانة ماغي بو غصن الخيار الأقرب لتجسيد “سلمى” دراميًا.
حوار يشبه الرواية نفسها… هادئ، مؤثر، ومحمّل بذلك الضوء الخافت الذي يولد دائمًا من قلب العتمة.
كيف وُلدت فكرة رواية «أجنحة الأمل والنور»؟
وُلدت فكرة «أجنحة الأمل والنور» من تراكم طويل لتجارب إنسانية مؤثرة، ومن حالة تأمل عميقة في معنى الألم حين يتحول إلى تجربة وعي لا مجرد معاناة عابرة. لم تكن الفكرة لحظة إلهام مفاجئة، بل نتيجة مسار داخلي من الإصغاء لقصص حقيقية لأشخاص واجهوا المرض، وواجهوا الحياة في أكثر صورها قسوة وصدقًا.
كنت أشعر دائمًا أن هناك جانبًا إنسانيًا خفيًا لا يظهر في الخطاب التقليدي حول المرض، جانبًا مليئًا بالمشاعر غير المروية، بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرق داخل التجربة. ومن هنا جاءت الرواية كمحاولة لإعادة الاعتبار لهذا الصوت الإنساني العميق.
لماذا اخترتِ مرض السرطان تحديدًا؟
اخترتُ مرض السرطان لأنه ليس مجرد حالة طبية، بل تجربة وجودية تعيد تشكيل الإنسان من جذوره. هو لحظة مواجهة صافية بين الإنسان وذاته، بين ضعفه وقوته، بين خوفه ورغبته في الحياة.
هذا المرض تحديدًا يكشف هشاشة الإنسان بطريقة لا يمكن تجاهلها، لكنه في الوقت ذاته يكشف قدرته المدهشة على الصمود. لذلك رأيت أنه موضوع يحتاج إلى معالجة أدبية إنسانية هادئة، تبتعد عن الصدمة وتقترب من الفهم، من الداخل لا من الخارج.
كيف بُنيت شخصية “سلمى”؟
“سلمى” لم تكن شخصية مكتوبة بقدر ما كانت كائنًا إنسانيًا تشكّل عبر الإحساس قبل السرد. تعاملت معها كروح تعيش داخل النص، تحمل طبقات متعددة من المشاعر المتناقضة: الخوف، الهدوء، الانكسار، ثم القوة التي تولد من قلب الألم.
كنت أحرص على أن تكون قريبة من الإنسان الحقيقي، لا من النموذج الأدبي المثالي. فهي ليست قوية دائمًا، وليست منهارة دائمًا، بل إنسان يعيش حالة تغير مستمر، وهذا ما يجعلها صادقة.
ما الرسالة الأعمق في الرواية؟
الرسالة الأساسية التي حملتها الرواية هي أن الإنسان لا يُختصر في ألمه، ولا يُعرّف بضعفه، بل يُفهم من خلال قدرته على الاستمرار رغم كل ما يمر به.
أردت أن أقول إن النور لا يأتي دائمًا بعد العتمة، بل قد يولد داخلها، وأن التجارب القاسية ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية وعي مختلف بالحياة والذات.
كيف يمكن للأدب أن يساهم في رفع الوعي تجاه مرضى السرطان؟
الأدب يمتلك قدرة فريدة على تحويل التجربة الإنسانية من حالة فردية إلى إحساس جماعي مشترك. فهو لا يقدّم المرض كرقم أو تقرير، بل كحياة كاملة لها مشاعرها وتفاصيلها.
وحين يصل القارئ إلى هذه الدرجة من التماهي، يبدأ الفهم الحقيقي بالظهور، ليس كتعاطف عابر، بل كوعي عميق بالإنسان خلف التجربة.
كيف حافظتِ على توازن الألم والنور؟
كان التحدي الأكبر أن لا يتحول النص إلى مأساة خالصة، ولا إلى أمل مثالي بعيد عن الواقع. لذلك اعتمدت على فكرة أن النور ليس نقيض الألم، بل جزء منه.
في كل مشهد، حاولت أن أجعل هناك مساحة صغيرة للحياة، حتى لو كانت خفية، لأن الإنسان حتى في أكثر لحظاته انكسارًا، لا يخلو من شرارة داخلية ترفض الاستسلام.
هل واجهتِ صعوبة في المشاهد النفسية؟
نعم، لأن هذه المشاهد لا تُكتب ببرود السرد، بل بعمق الإحساس. الدخول إلى نفسية إنسان يعيش الألم والخوف يتطلب صدقًا عاليًا، وكأن الكاتب يعيد عيش التجربة لا وصفها.
كانت لحظات الكتابة أحيانًا ثقيلة جدًا، لكنها كانت ضرورية لإخراج نص صادق غير مصطنع.
أكثر مشهد تأثرتِ به؟
المشاهد التي تواجه فيها “سلمى” ذاتها في لحظات الصمت الداخلي، حين تتوقف الكلمات ويبدأ الحوار الحقيقي بين الإنسان ونفسه. تلك اللحظات التي لا تحتاج شرحًا، بل إحساسًا عميقًا فقط.
كيف كان تفاعل القرّاء؟
التفاعل كان أعمق من مجرد قراءة أدبية. وصلتني رسائل تحمل مشاعر حقيقية وتجارب شخصية، وبعضها كان مليئًا بالامتنان لأن النص لمس شيئًا داخليًا لم يُقال من قبل.
وهذا النوع من التفاعل هو ما يجعل الكاتب يشعر أن النص لم يعد ملكه، بل أصبح جزءًا من حياة الآخرين.
الأعمال الإنسانية: الصدق أم الحبكة؟
الصدق هو الأساس الأول، لكنه يحتاج إلى بناء فني حتى يصل بشكل مؤثر. الحبكة ليست منافسة للصدق، بل هي الإطار الذي يحمله ويمنحه قوة التأثير.
دلالة عنوان «أجنحة الأمل والنور»؟
العنوان يحمل فكرة التحليق فوق الألم، لا الهروب منه. “الأجنحة” ترمز للقدرة على الصعود رغم الثقل، أما “النور” فهو المعنى الداخلي الذي يمنح هذا الصعود قيمته.
لو تحولت الرواية إلى عمل درامي.. وما رأيكِ في ماغي بو غصن؟
أتمنى أن تُقدَّم الرواية دراميًا بروحها الهادئة والإنسانية، بعيدًا عن المبالغة أو الاستعراض العاطفي، لأن قوتها الحقيقية تكمن في صدقها الداخلي.
وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن تجسيد الشخصيات الإنسانية العميقة دون الإشارة إلى الفنانة ماغي بو غصن، التي أعتبرها واحدة من أكثر الأسماء العربية نضجًا في الأداء الإنساني. ما يميزها ليس فقط موهبتها، بل قدرتها على الدخول إلى أعماق الشخصية بهدوء وصدق، دون افتعال أو مبالغة.
ماغي تمتلك لغة خاصة في التمثيل، تقوم على الإحساس الداخلي قبل التعبير الخارجي، وهذا ما يجعل حضورها دائمًا مختلفًا ومؤثرًا. هي من الفنانات اللواتي ينقلن المشاعر بصدق نادر، ويجعلن المشهد يصل إلى القلب مباشرة دون وسيط.
وأرى أن وجودها في أي عمل إنساني يضيف قيمة فنية وإنسانية حقيقية، لأنها قادرة على تحويل الشخصية إلى حالة حية يشعر بها المشاهد لا يراها فقط. ولهذا أجدها خيارًا مثاليًا لتجسيد شخصية “سلمى”، لما تحمله من عمق وقدرة على التعبير عن التناقض الإنساني بين القوة والضعف في آنٍ واحد.
كيف تنظرين إلى الرواية الإنسانية اليوم؟
الرواية الإنسانية اليوم تتطور بشكل ملحوظ، لكنها ما زالت بحاجة إلى مزيد من العمق في فهم الإنسان، لا الاكتفاء بوصف معاناته. الأعمال الخالدة هي التي تترك أثرًا داخليًا لا يُنسى.
مشاريعك القادمة؟
أعمل على نصوص جديدة تحمل امتدادًا إنسانيًا مختلفًا، مع محاولة التوسع في زوايا أكثر عمقًا داخل التجربة البشرية، لأن الإنسان لا ينتهي عند تجربة واحدة.
ماذا تعلّمتِ من هذه التجربة؟
تعلمت أن الكتابة ليست مجرد نقل مشاعر، بل مسؤولية في إعادة صياغة الوعي الإنساني. وأن الصدق حين يُكتب، يتحول إلى أثر يبقى أطول من النص نفسه.
الكلمة الأخيرة:
إلى كل من يقرأ «أجنحة الأمل والنور»، هذه الرواية ليست عن المرض، بل عن الإنسان حين يواجه ذاته في أصدق لحظاته.
وإلى مرضى السرطان، أنتم لستم نهاية حكاية، بل بداية معنى أعمق للحياة.
وإلى الحياة، رغم كل قسوتك، ما زلتِ تستحقين أن تُعاشي حتى آخر نبض من النور

