48
0
ادارة الفوضي وإعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي

ورقة تقدير موقف
د. صلاح عبد العاطي
باحث وخبير في القانون والعلاقات الدولية
تمهيد
لم يكن إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لحظة نهاية للحرب، بل لحظة انتقال نوعي في طبيعتها ووظيفتها. فالمشهد الإقليمي لا يتحرك بين الحرب والسلام كما في النماذج التقليدية، بل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا يمكن توصيفها بـ “إدارة الصراع عبر هدنة هشة”، حيث تُستخدم التهدئة كأداة لإعادة التموضع، وليس كمدخل لتسوية مستدامة.
في هذا السياق، لم تعد الحرب أداة للحسم، بل وسيلة لإنتاج شروط تفاوضية، ولم يعد التفاوض مسارًا منفصلًا عن القتال، بل امتدادًا له بأدوات مختلفة. وهكذا، تحوّلت المعادلة الحاكمة من سؤال: من ينتصر؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: من يملك القدرة على إدارة الصراع، ومن يفرض شروط المرحلة التالية؟
أولًا: حدود القوة: حين يفشل التفوق العسكري في صناعة النصر
تكشف نتائج المواجهة الأخيرة مفارقة استراتيجية عميقة: تفوق عسكري أمريكي–إسرائيلي واضح، يقابله عجز عن تحقيق الأهداف الكبرى. لم يسقط النظام الإيراني، ولم يُنهَ البرنامج النووي، ولم تُكسر القدرة الصاروخية، كما لم تُحسم جبهات غزة ولبنان رغم الكلفة البشرية والمادية الهائلة.
هذا التناقض يعكس حقيقة تاريخية متكررة، مفادها أن القوة العسكرية، مهما بلغت من التفوق، تظل عاجزة عن إنتاج واقع سياسي مستقر إذا لم تُترجم إلى أهداف واقعية قابلة للتحقق. فطبيعة الصراع هنا ليست تقنية أو عسكرية فحسب، بل وجودية، تتعلق بإرادة الصمود والهوية والسيادة، وهي عوامل لا يمكن تدميرها بالقصف أو الاحتواء بالقوة.
كما أن اتساع الأهداف – من إسقاط النظام الإيراني إلى إعادة تشكيل الإقليم – يفوق بكثير القدرة الفعلية على تحقيقها، ما يخلق فجوة بين الطموح والنتيجة. ومع تحولات النظام الدولي وتراجع الهيمنة الأحادية، لم تعد أدوات القوة التقليدية كافية لفرض إرادات كبرى، الأمر الذي يجعل من أي نصر عسكري محتمل نصرًا ناقصًا أو مؤقتًا.
ثانيًا: من الحسم إلى التفاوض بالقوة: تحوّل جوهري في طبيعة الصراع
ما نشهده اليوم هو انتقال من نموذج “الحرب للحسم” إلى نموذج “الحرب لإدارة التفاوض”. فالأطراف لا تقاتل لتحقيق نهاية، بل لإعادة تعريف شروط البداية.
الولايات المتحدة، التي اعتادت قيادة الحروب نحو نتائج سياسية واضحة، باتت تدير الأزمات أكثر مما تحسمها، مستخدمة مزيجًا من الضربات المحدودة والضغط الاقتصادي والهدن المؤقتة. في المقابل، تتبنى إيران استراتيجية “الصمود النشط”، حيث تُحوّل الضربات إلى أوراق قوة تفاوضية، وتدير التصعيد على حافة الحرب دون الانزلاق الكامل إليها.
أما إسرائيل، فتجد نفسها في مأزق مركّب: تفوق عسكري، مقابل عجز عن تحقيق حسم استراتيجي وتحقيق أهدافها العدوانية، ما يجعلها تعود إلى مقاربة إدارة صراع مفتوح طويل الأمد بدل إنهائه.
بهذا المعنى، أصبحت الحرب والتفاوض وجهين لعملة واحدة، يتبادلان الأدوار ضمن دورة مستمرة: تصعيد، ضغط، تفاوض، هدنة، ثم إعادة تصعيد.
ثالثًا: الهدنة الهشة: وقف نار لا يوقف الحرب
الهدنة الحالية بين واشنطن وطهران لا تمثل اتفاقًا نهائيًا، بل إطارًا تفاوضيًا مفتوحًا بين مشروعين متعارضين. فالمقترح الإيراني، بما يشبه “النقاط العشر”، يطرح سقفًا مرتفعًا يقوم على وقف شامل للصراع (بما في ذلك لبنان)، ورفع العقوبات، والاعتراف بحق التخصيب والدور الإقليمي، وصولًا إلى إعادة تعريف السيادة في مضيق هرمز.
وفي المقابل، يطرح المشروع الأمريكي شروطًا مضادة تركز على تفكيك البرنامج النووي، وتقييد القدرات الصاروخية، واحتواء النفوذ الإقليمي، مع الحفاظ على حرية الملاحة في المضيق.
ما بين هذين السقفين، لا يوجد اتفاق بقدر ما توجد عملية مساومة مفتوحة، حيث تُختبر حدود التنازلات الممكنة لدى كل طرف. لذلك، فإن الهدنة ليست انتقالًا إلى السلام، بل انتقال إلى مرحلة تفاوض تحت النار.
ويزداد هذا الطابع هشاشة مع استمرار الخروقات، سواء عبر الغارات الإسرائيلية على لبنان، أو اختراقات المجال الجوي الإيراني، أو تجاهل المطالب التي جرت بموجبها الهدنة، ما يعني أن الهدنة تُستخدم كأداة ضغط، وليس كالتزام قانوني أو سياسي مستقر.
رابعًا: لبنان: الجبهة التي تختبر مصير الاتفاق
في قلب هذه المعادلة، يبرز لبنان كساحة اختبار حاسمة، فلم يعد مجرد جبهة إسناد، بل تحول إلى ميدان لإعادة رسم قواعد الاشتباك، فالعدوان المتصاعد الإسرائيلي في لبنان، وما خلّفه من مئات الضحايا واستهداف واسع للبنية المدنية، يعكس محاولة واضحة لتعويض القيود والفشل الذي فرضته الهدنة مع إيران، عبر نقل مركز الثقل إلى جبهة أخرى. وفي الوقت نفسه، يسعى هذا التصعيد إلى فرض وقائع ميدانية جديدة قبل أي تسوية محتملة.
غير أن هذه الاستراتيجية الإسرائيلية العدوانية تحمل مخاطر عالية، قد تعيد ربط الجبهات، ويُسقط الهدنة، ويدفع نحو انفجار إقليمي شامل. وهكذا، يصبح لبنان إما صمام أمان هش، أو شرارة انفجار كبير.
خامسًا: إسرائيل: أزمة النصر المستحيل ووهم الأمن المطلق
تمثل إسرائيل الحالة الأكثر وضوحًا لفجوة القوة والنتيجة، فهي تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واستخباريًا هائلًا، لكنها عاجزة عن تحقيق حسم سياسي استراتيجي أو تحقيق أهدافها العدوانية المعلنة في الشرق الأوسط.
هذا المأزق يمكن توصيفه بـ “أزمة النصر المستحيل”، حيث تتحقق إنجازات تكتيكية دون أن تتحول إلى نتائج حاسمة او استراتيجية، فلسطين والمقاومة والصمود لم ولن تتنهي إلا بانتهاء الاحتلال، وحزب الله ولبنان لم يُكسر وبل يعود وبشكل اقوي في المواجهة ، واليمن لا زالت قادرة على الإسناد، ساحة العراق باتت مؤثرة، وإيران لم تهزم ، بل إن تعدد الجبهات إلى جوار إيران حوّل التفوق إلى حالة استنزاف مستمر لإسرائيل وامريكا .
في هذا السياق، يمكن قراؤه التصعيد العدواني الإسرائيلي – خاصة في لبنان – إلى أداة تعويض عن الفشل، ومحاولة لإعادة ترميم الردع. غير أن هذا النهج يعمّق المأزق بدل حله، لأنه يقوم على فرضية غير واقعية: إمكانية تحقيق “أمن مطلق” عبر القوة.
لكن التجربة أثبتت أن التهديدات غير المتماثلة لا تُقضى عليها، بل تتكيّف وتعيد إنتاج نفسها، ما يجعل الأمن الكامل وهمًا استراتيجيًا.
ويزداد هذا الوهم خطورة مع صعود التيارات الشعبوية والدينية المتطرفة داخل إسرائيل، وتغليب المؤسسة العسكرية على السياسية، وتضخم الأهداف بما يفوق القدرة على تحقيقها، عدا عن كون العالم -حتي في الولايات المتحدة- بات يدرك بان إسرائيل المهدد الحقيقي للأمن الإقليمي والدولي.
سادسًا: الجغرافيا كسلاح: مضيق هرمز ومعادلة السيطرة
أحد أبرز تحولات هذه المرحلة هو عودة الجغرافيا إلى مركز الصراع، ليس بوصفها مساحة للقتال، بل أداة للضغط والسيطرة. ويبرز مضيق هرمز كنموذج واضح لهذا التحول.
فإيران نجحت في تحويل المضيق من ممر مائي إلى ورقة ضغط استراتيجية، حيث بات التهديد بإغلاقه يرفع أسعار الطاقة عالميًا، وعدا عن فرض رسوم على العبور، بما يعيد تعريف النزاع على السيادة الاقتصادية على المضيق، الذي على ما يبدو حسم لصالح إيران. وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة ودول المنطقة إلى الحفاظ عليه كممر دولي مفتوح.
هذا الصراع يعكس تحولًا أعمق: من يسيطر على الممرات البحرية والطاقة، لا يتحكم فقط بالاقتصاد، بل يملك نفوذًا سياسيًا عالميًا.
سابعًا: وحدة الساحات: من الجبهات إلى الشبكات
لم تعد الحرب محصورة في جبهة محددة، بل تحولت إلى شبكة ممتدة من ساحات الضغط: إيران، لبنان، العراق، اليمن، البحر الأحمر، وحتى الفضاء السيبراني. هذا ما تسمية ايران بـ “وحدة الساحات”، عدا عن تمدد الصراع ليشمل الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية.
هذا التحول يعني تآكل مفهوم “ساحة المعركة” التقليدية، واستبداله بنظام صراع شبكي متعدد الأبعاد، يصعب احتواؤه أو حسمه، وهذه مقاربة أثبتت جدواها في نموذج الحرب غير المتكافئة، لتصبح ورقة قوة إضافية في يد إيران.
ثامنًا: التحولات الدولية: نهاية الاحتكار الأمريكي
تكشف الهدنة الحالية عن تحول مهم في بنية النظام الدولي. فدخول أطراف مثل باكستان وتركيا ومصر، إلى جانب أدوار لا تزال محدودة من الصين وروسيا، يعكس تراجع القدرة الأمريكية على فرض الحلول منفردة.
فلم تعد الولايات المتحدة تقود النظام الدولي كما في السابق، بل تحاول إدارة تراجعها بأقل الخسائر، في ظل صمود إيران واستعصاء الحسم رغم فائض القوة المستخدم منها، ما أسهم بشكل جلي في صعود نظام متعدد الأقطاب، وإن كانت قواعده لا تزال غير متبلورة ومستقرة.
تاسعًا: القانون الدولي: من القاعدة إلى الاستثناء
في ظل هذه التحولات، تعرض القانون الدولي لتآكل خطير. فاستهداف المدنيين، وتدمير البنية التحتية، وتغيب معايير العدالة ومقاربة الحقوق، وتجاوز الأمم المتحدة، كلها أصبحت ممارسات شبه اعتيادية خاصة من إسرائيل والولايات المتحدة مع غياب المساءلة الحقيقية.
كما أن خرق الإطار التفاوضي قبل بدء المفاوضات من الولايات المتحدة وإسرائيل يساهم في تقويض مبدأ حسن النية في العلاقات الدولية، محولًا الاتفاقات إلى أدوات تكتيكية قابلة للانتهاك. ولعل الوقائع الدولية في الصراعات المفتوحة تدفع تجاه تراجع وانهيار الأمم المتحدة ومنظومة القانون الدولي، حيث يتجه النظام الدولي بشكل فج من سيادة القانون إلى “قانون القوة” وشريعة الغاب.
عاشرًا: فلسطين: القضية المركزية والفرصة المؤجلة
رغم كل التحولات، تبقى القضية الفلسطينية في قلب الصراع، وإن جرى تهميشها في التفاهمات الإقليمية. غير أن هذه المرحلة تحمل مفارقة مهمة: فهي تجمع بين أعلى درجات الخطر، وأعلى درجات الفرصة.
فغزة بالذات وفلسطين بعد توقف نسبي للحرب، تمتلك فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتعزيز الوحدة، وبناء استراتيجية صمود. فالدرس الأهم الذي تكرسه هذه المرحلة هو أن الانتصار لا يُستورد من الخارج، بل يُبنى من الداخل.
الحادي عشر: تداعيات الحرب على الدول العربية والخليج
لا تقتصر تبعات هذه الحرب على أطرافها المباشرة، بل تمتد لتشكل اختبارًا حقيقيًا للدول العربية ودول الخليج خاصة على المستويين الأمني والسياسي والاقتصادي. فهدة الحرب تسبت في خساير فادحة علي الدول العربية حيث تعرضت بعضها لعدوان إيراني، عدا عن فشل الرهان علي الحماية الأمريكية، وارتفاع كلفة غياب منظمومة امن قومي عربي بشكل ملموس.
ومن الناحية الاقتصادية، سجلت بعض الدول خسائر اقتصادية فادحة عدا عن صعودً ملحوظً في أسعار النفط والغاز، وما يرافق ذلك من تقلبات مالية تهدد خطط التنمية والاستقرار الداخلي.
سياسيًا، اعادت الحرب رسم أولويات التحالفات الإقليمية، ما يضع الدول العربية أمام تحدي التعامل مع النفوذ الإيراني المتنامي، في ظل تراجع القدرة الأمريكية على فرض هيمنة أحادية وضبط مسار الأحداث.
الثاني عشر: السيناريوهات المستقبلية: إدارة الصراع والهشاشة الإقليمية
يمكن استشراف عدد من السيناريوهات المحتملة في المرحلة المقبلة:
سيناريو التصعيد المحدود: استمرار الخروقات والإغارات الإسرائيلية على لبنان وفلسطين، مع إدارة إيران للتصعيد بطريقة تكتيكية، بحيث تبقى الحرب تحت عتبة الانفجار الشامل.
سيناريو الانفجار الإقليمي: فشل إدارة الصراع يؤدي إلى ربط الجبهات، وانفجار شامل يشمل لبنان، سوريا، العراق، وربما البحر الأحمر، مع عواقب كارثية على الاستقرار الإقليمي.
سيناريو التوازن الهش: استمرار “الهدنة الهشة” مع إدارة الأزمات عبر صراع شبكي متعدد الساحات، حيث يصبح التفاوض تحت النار هو الأداة الأساسية لاستدامة النفوذ، مع إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم.
سيناريو تحول النظام الدولي: تعزيز أدوار القوى الإقليمية والدولية، وتراجع الهيمنة الأمريكية، مما يخلق نظامًا متعدد الأقطاب مع قواعد غير مستقرة، ويزيد من احتمالات إدارة الصراعات بدل حلها.
كل هذه السيناريوهات تتفق على نقطة مركزية: الصراع لن ينتهي قريبًا، والاستقرار هش، بينما تصبح القدرة على إدارة الأزمات والفوضى مهارة استراتيجية أساسية للأطراف الفاعلة.
الخاتمة: بين وهم السيطرة وحقيقة الانفلات
ما نشهده اليوم ليس نهاية حرب، بل بداية مرحلة تاريخية جديدة عنوانها: إدارة الفوضى بدل إنهائها.
في هذه المرحلة، تتراجع القدرة على الحسم العسكري، وتتقدم أدوات الجغرافيا والاقتصاد، ويتآكل القانون الدولي، بينما يتشكل نظام عالمي جديد على أنقاض القديم.
ولذا من الأهمية إدراك أن الهدنة الحالية ليست سلامًا، بل استراحة محارب.
كما أن التفاوض القائم ليس بديلًا عن الحرب، بل امتدادًا لها، حيث فشل العدوان الإسرائيلي–الأمريكي في تحقيق الحسم في إيران او تحقيق اهدافه المعلنة وغير المعلنة بالسيطرة علي المنطقة، ما يعني انكفاء وهم اقامة إسرائيل الكبرى والهيمنة على الشرق الأوسط باعتبارها أهدافًا غير قابلة للتحقيق، بل أوهام تقود إلى مزيد من الصراع وغياب الاستقرار، وتهدد الأمن الإقليمي والدولي.
وفي قلب كل ذلك، تبقى فلسطين الاختبار الحقيقي لعدالة النظام الدولي، ومفتاح أي استقرار مستقبلي.
ومع استمرار غياب مقاربات حل الصراعات، تتجه المنطقة نحو توازن هش قابل للانفجار، حيث لا تزال معادلة “لا غالب ولا مغلوب” قائمة، ما يكرس إدارة مستمرة للتوتر والصراعات.
مع ذلك، تفتح هذه المرحلة، رغم خطورتها، نافذة لإعادة بناء الاستراتيجيات، وتعزيز الفاعلية الذاتية، واستثمار التحولات الدولية. فالعالم لم يعد يُدار من مركز واحد، بل من توازن معقد بين قوى تتعلم كيف تتعايش مع الفوضى، وتديرها بدل أن تنهيها.
العالم الجديد لن يكون فيه قاعدة البقاء للأقوى عسكريًا فقط، بل للأقدر على مراكمة القوة وبناء التحالفات، وفهم التحولات، والتكيف معها، والاستفادة من الفرص المتاحة.

