25
0
عمق إفريقيا

الحاج بن معمر
لم تعد القارة الإفريقية مجرد امتداد جغرافي للدول الواقعة في شمالها، بل أصبحت فضاءً استراتيجيًا تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتتنافس داخله القوى الإقليمية والدولية من أجل تعزيز النفوذ وبناء الشراكات طويلة المدى. وفي هذا المشهد المتغير، تبرز الجزائر باعتبارها واحدة من الدول التي تمتلك رصيدًا تاريخيًا وسياسيًا يؤهلها للعب دور محوري في القارة، انطلاقًا من مبادئ ثابتة قامت على دعم حركات التحرر الوطني واحترام سيادة الدول والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها.
لقد ارتبط اسم الجزائر منذ استقلالها بالقضايا الإفريقية الكبرى، حيث تحولت خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي إلى قبلة للمناضلين وقادة حركات التحرر من مختلف أنحاء القارة. ولم يكن هذا الدور مجرد موقف ظرفي فرضته ظروف مرحلة تاريخية معينة، بل كان جزءًا من رؤية استراتيجية تعتبر أن استقرار إفريقيا وتحررها شرط أساسي لاستقرار الجزائر نفسها وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية.
ومع التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، تطورت طبيعة العلاقات بين الدول الإفريقية، وانتقلت من مرحلة التحرر السياسي إلى مرحلة البحث عن التنمية الاقتصادية والاندماج الإقليمي والتكامل التجاري. وهنا برزت الحاجة إلى مقاربات جديدة تجعل من التعاون الاقتصادي ركيزة أساسية للعلاقات بين الدول الإفريقية، دون التخلي عن المبادئ السياسية التي شكلت أساس العمل المشترك لعقود طويلة.
وتدرك الجزائر أن إفريقيا اليوم ليست مجرد سوق استهلاكية واسعة، بل فضاء اقتصادي واعد يضم أكثر من مليار نسمة ويزخر بموارد طبيعية هائلة وفرص استثمارية متنوعة. ولهذا اتجهت السياسة الجزائرية خلال السنوات الأخيرة نحو تعزيز حضورها الاقتصادي في القارة، من خلال دعم المبادلات التجارية وتشجيع المؤسسات الوطنية على الاستثمار والانفتاح على الأسواق الإفريقية.
ومن بين أبرز المشاريع التي تعكس هذا التوجه مشروع الطريق العابر للصحراء، الذي يربط الجزائر بعدد من الدول الإفريقية ويمثل شريانًا اقتصاديًا واستراتيجيًا مهمًا. فهذا المشروع لا يختصر المسافات فقط، بل يفتح آفاقًا جديدة للتبادل التجاري وحركة الأشخاص والبضائع، ويساهم في تعزيز الترابط بين شمال القارة وجنوبها.
كما يشكل مشروع الربط الطاقوي والاتصالات أحد العناصر الأساسية في بناء فضاء إفريقي أكثر تكاملًا. فالجزائر التي تمتلك خبرة معتبرة في مجال الطاقة يمكنها أن تلعب دورًا مهمًا في دعم مشاريع التنمية الإفريقية، سواء من خلال تصدير الخبرات أو المشاركة في إنجاز البنى التحتية الحيوية التي تحتاجها العديد من الدول.
غير أن الحضور الجزائري في إفريقيا لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى المجال الأمني أيضًا. فالقارة تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، وهي تحديات تتجاوز الحدود الوطنية وتفرض تعاونًا وثيقًا بين الدول. وفي هذا الإطار، تواصل الجزائر الدفاع عن مقاربة تقوم على معالجة جذور الأزمات بدل الاكتفاء بالحلول الأمنية المؤقتة.
وتؤمن الجزائر بأن التنمية تمثل أحد أهم الأسلحة في مواجهة التهديدات الأمنية. فالمناطق التي تعاني الفقر والتهميش والبطالة تكون أكثر عرضة لانتشار الجماعات المتطرفة والشبكات الإجرامية. ومن هنا تأتي أهمية الاستثمار في التنمية المحلية وتعزيز فرص التعليم والعمل وتحسين الظروف المعيشية للسكان.
كما أن الدبلوماسية الجزائرية حافظت على حضورها في جهود الوساطة وحل النزاعات داخل القارة، مستفيدة من مصداقيتها التاريخية وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف. وقد ساهم هذا النهج في ترسيخ صورة الجزائر كطرف يسعى إلى تقريب وجهات النظر ودعم الحلول السلمية بعيدًا عن التدخلات الخارجية التي كثيرًا ما أدت إلى تعقيد الأزمات بدل حلها.
وفي ظل التحولات الدولية الراهنة، تكتسب إفريقيا أهمية متزايدة في حسابات القوى الكبرى. فالتنافس على الموارد الطبيعية والأسواق الواعدة والمواقع الاستراتيجية جعل القارة محورًا رئيسيًا في السياسات الدولية. وهو ما يفرض على الدول الإفريقية تعزيز تعاونها المشترك لحماية مصالحها وضمان استفادتها من الفرص المتاحة دون الوقوع في دوائر التبعية الجديدة.
وتبرز منطقة الساحل الإفريقي باعتبارها إحدى أكثر المناطق حساسية من الناحية الأمنية والتنموية. فالاضطرابات السياسية والتحديات الاقتصادية التي تشهدها بعض دول المنطقة تؤثر بشكل مباشر على الأمن والاستقرار الإقليميين. ولذلك تواصل الجزائر دعم المبادرات الرامية إلى تعزيز الحوار السياسي وتحقيق التنمية المستدامة في هذه المنطقة الحيوية.
ومن جهة أخرى، يمثل التكامل الاقتصادي الإفريقي أحد أكبر الرهانات المستقبلية. فنجاح منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية يمكن أن يفتح آفاقًا واسعة أمام المبادلات التجارية والاستثمارات المشتركة ويقلل من الاعتماد على الأسواق الخارجية. وفي هذا الإطار، تسعى الجزائر إلى تطوير بنيتها التحتية وتعزيز قدراتها الإنتاجية بما يسمح لها بالاستفادة من الفرص التي يوفرها هذا المشروع القاري الطموح.
كما أن البعد الثقافي والإنساني يشكل عنصرًا مهمًا في العلاقات الجزائرية الإفريقية. فالتاريخ المشترك وروابط التضامن والتفاعل الحضاري تمثل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها لتعزيز التعاون بين الشعوب وتوسيع مجالات التبادل الثقافي والعلمي والأكاديمي.
ولا يمكن إغفال الدور الذي يمكن أن يلعبه الشباب الإفريقي في رسم مستقبل القارة. فإفريقيا تمتلك واحدة من أصغر الفئات العمرية في العالم، وهو ما يشكل فرصة كبيرة إذا تم استثمارها في التعليم والتكوين والابتكار. والجزائر، بما تمتلكه من مؤسسات جامعية وخبرات علمية، قادرة على المساهمة في هذا المسار من خلال برامج التعاون والتبادل المعرفي.
إن التحديات التي تواجه القارة الإفريقية كبيرة ومتعددة، لكنها لا تلغي حجم الفرص المتاحة أمامها. فالقارة التي كانت في الماضي مسرحًا للصراعات والاستغلال الاستعماري تمتلك اليوم مقومات التحول إلى أحد أهم مراكز النمو في العالم خلال العقود القادمة. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب إرادة سياسية قوية ورؤية مشتركة تقوم على التعاون والتكامل واحترام المصالح المتبادلة.
وفي هذا السياق، تبدو الجزائر مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز حضورها في عمقها الإفريقي، ليس فقط انطلاقًا من اعتبارات الجغرافيا والتاريخ، بل أيضًا باعتبار أن مستقبلها الاقتصادي والأمني يرتبط بشكل وثيق بمستقبل القارة نفسها. فكلما كانت إفريقيا أكثر استقرارًا وازدهارًا، كانت فرص التنمية والتعاون أكبر بالنسبة لجميع دولها.
إن إفريقيا ليست مجرد فضاء جغرافي مجاور للجزائر، بل هي امتداد طبيعي لدورها التاريخي ومجال حيوي لمصالحها الاستراتيجية. ومن هنا فإن الاستثمار في العلاقات الإفريقية يمثل استثمارًا في المستقبل، وخيارًا يعزز مكانة الجزائر ويكرس حضورها كفاعل أساسي في بناء قارة أكثر قوة وتكاملًا وقدرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

