42
0
علوم التغيير الإرشادي المعرفي

بقلم: الدكتور محمد مراح
من مخرجات تكنولوجيا الاتصال والتواصل الجديدة ؛ خطابات توجيه السلوك و تعديله ، وبناء شبكات العلاقات و ترميمها ، ومهارات النجاح والتطوير ، ورعاية وتنمية الطفولة .
وقد جذب انتشار هذا المسلك التواصلي التكنولوجي في منشأها الأصلي الغربي، اهتمام ورغبة من انتبه إلى قدراتها التأثيرية الهائلة في إنسان المرحلة الحضارية الجارية؛ " الإنسان الشبكي" ؛ و نتائجها السلوكية والعقلية ، والنفسية ، وعوائدها الأدبية والمادية . فأضيف للساحة الإعلامية الجديدة والتقليدية ، والنشاط الثقافي للمجتمع المدني ، والنشاط الدعوي الإسلامي ، عالم بلا حدود مما تعارف عليه البشر قبلها . فبزغ مشهد تواصلي تنداح مساحاته بمقاييس الحركة في المجتمعات الراكدة حضاريا أسرع مما ألفت ، وبمعايير الوسائل وخصائصها أبطأ من سلحفاة عجوز معمرة. لكن على كل حال ، هذه المجتمعات المتكاسلة بجوار الحضارة التي اخترقت حواجز الزمن المعروفة ، أخذت تئن إلى جانبها بما تعتقده إصابة من هذا العالم بحظ . لذا فكل حركتنا تندرج في هذا " الحظ" الذي تنطق به الإحصاءات؛ فالمحتوى العربي على الإنترنت يتراوح غالبًا بين 1٪ و5٪ من إجمالي المحتوى العالمي . و بالنسبة للعالم الإسلامي 5٪ إلى 10٪ من إجمالي المحتوى العالمي بصورة تقريبية وغير رسمية.
فأفرز هذا " الأنين" فيما أفرز قوالب تواصل جديدة أشكالا ومضامين ومحتويات ، في مجال التغيير الثقافي والسلوكي والاجتماعي المدني والتربوي ، والوعي الإسلامي ، من خلال التنمية والتطوير الذاتي ، و القيادة، والاستشارات الأسرية، والنفسية والسلوكية ، ,والبرمجة العصبية واللغوية، وإطلاق ملكات الإنسان كالطاقة والتوجيه الإسلامي . فانتشرت الدورات التدريبية في كل ما له صلة بهذه العناوين الكبرى في كينونة الإنسان ؛ مفردا وجمعا . يستخدم في ممارساتها ؛ الدورات الحضورية و الافتراضية ، وتعزز بمحتويات تكميلية عبر حسابات شخصية عبر وسائط التواصل .
كما نشأت آلاف الحسابات لمنشئي محتويات التوجيه ؛ والإرشاد ، والدعوة ، ومعالجة المشكلات النفسية والسلوكية والاجتماعية ، أكثرها يركز على " العلاقات " في كل دوائرها ؛ على أساس أنها أهم جاذب للاهتمام ، والشعور الإيجابي والسلبي ، وتحديد المواقف ، وتقرير المصائر أحيانا كثيرة .
نقصر حديث المقال على صناع المحتويات المتخصصين والهادفين لتقديم خدمات جليلة للتغيير والبناء والتعديلات السلوكية والفكرية والتعبدية { بالمعنى الواسع لمفهوم العبادة في الإسلام وهو أن كلّ عمل أو سلوك من المسلم يتوفر على شرطين هما : النية والمشروعية ، فهو عبادة أي كامل مجالات الحياة } . والتنمية الفكرية والتعليم ، والتطوير الذاتي وإعادة شد خيوط شبكة العلاقات الاجتماعية . لاشك أن هذا الصنف من المحتوى هو الأدخل في إعادة البناء الحضاري للأمة ، وفق معادلتها المشروطة للنجاح أو الإخفاق في الدارين ، وهي : حضارة = تفعيل الخصائص الأمة الإسلامية ومقوماتها وفق شروط المرحلة الحضارية .
لذا تطرح هذه الأسئلة : أ . ما مركز الأمة النفسي والاجتماعي في دوائرها :الفردية و الأسرية والمجتمعية، والوطنية } من القسمات الكبرى لطرف المعادلة المستهدف بحديثنا ؟ ب . ما هو الركن الأعظم الذي تُقّيم على أساسه تلك " المحتويات" . جـ . ما الشرط الأعظم لمحتويات تسهم في إعادة بعث حضاري وفق شروط المرحلة الحضارية في مشهدها العالمي { وأتجنب استخدام كلمة " الكوني " ؛ لأنها افتراء على الحقيقة ، وانتفاش الإنسان في لحظات العُجْبِ والغرور} .
أما مركز الأمة عموما وشعبنا الجزائري كونه المعنى بالمقال ، نفسيا واجتماعيا ومقوماتها الحضارية والثقافية فهو بحمد الله وفضله، رسوخ الإسلام في مكونات شخصيته التاريخية الباطنة التي تأوي منابض حياته ومزاجه ، والإسمنت الذي تتراص به سلوكها النفسي والعاطفي والوجداني ، ويوجهان عمله سلبا وإيجابا ، كمالا ونقصا . وبلغة انتربولوجية وثقافية واجتماعية ، هذا ما جعلها بوابة سلسة لمنشيء المحتوى الذين هم جزء من بيئته المستهدفة . ولذا يمضى حديث مثمرا أيضا .فما يقال هنا يحتاج لفهمه وتفسيره وتحليله وجوبا لدراسات علمية ، بحسب مناهج كل علم ذي صلة بالحديث .
أما الركن الأعظم الذي تُقّيم على أساسه تلك " المحتويات" ؟ فالمعايير الحضارية حازمة في تعينه ؛ فهو " العلم " بميادينه ومجالاته وتخصصاته ، في سياقه الحضاري ؛ الذي يقضي بأن يبنى كل محتوى على قواعده وأصوله ومخرجاته ونتائج بحوثه .
فما هو حال المحتوى على ضوء هذا الركن الأعظم ؟ يزخر المحتوى بالمعلومات والبيانات والأسانيد والمقولات والمخرجات العلمية والمعرفية . لكنه محتوى منقول من الكتب والمواقع ، يكيف ويرتب ويعد لدوارات تدريبية . فهل هذا مسلك علمي حقيقي يغذي هذا المنشط الواسع العميق بما يساهم في إعادة بناء شعب وجمهور ونشء وفق السياق الحضاري للعلم والتنمية والتطور ، والدفع نحو حجز المكانة ؟ دون تردد نقول لا ؛فحسب بعض الإفادات البحثية فإن الذي يميز دورات التنمية البشرية في الغرب عم مثيلاتها في العالم العربي في عدة جوانب تتعلق بالمنهج، والمرجعية، وطريقة التقديم، ودرجة الارتباط بالعلم. لكن الفروق ليست مطلقة؛ ففي الجانبين توجد نماذج قوية وأخرى ضعيفة.
أبرز ما يميز كثيرًا من الدورات الغربية:
- الارتباط الأكبر بالبحث العلم ؛ فغالبًا ما تُبنى البرامج الجادة هناك على نتائج دراسات في: نفسية ،والعلوم السلوكية العلاج المعرفي السلوكي وعلم التحفيز واتخاذ القرار
لذلك تجد تركيزًا على:التجارب القابلة للقياس ، تغيير السلوك تدريجيًا ،أدوات عملية. ومتابعة نتائج
بينما في العالم العربي تنتشر أحيانًا دورات يغلب عليها الخطاب الحماسي أو الوعظي أكثر من البناء العلمي.
- التخصص الدقيق :في الغرب توجد برامج منفصلة وواضحة: في ،القيادة وإدارة الوقت و الذكاء العاطفي وعلاج القلق ومهارات التواصل و .الإنتاجية
أما عربيًا فكثير من الدورات تمزج كل شيء تحت عنوان عام
- تقليل الوعود المطلقة :المدارس المهنية الغربية عادةً تتجنب عبارات مثل: غيّر حياتك خلال أيام” . أطلق الطاقة الكونية” استخرج قدراتك الخارقة”
لأنها قد تُعد ادعاءات غير قابلة للإثبات.بينما في بعض السوق العربي تنتشر لغة المبالغة والتسويق العاطفي.
- وجود معايير مهنية أوضح :كثير من المدربين في الغرب يكونون: أخصائيين نفسيين ، ومدربين معتمدين ، وباحثين أكاديميين ، وأصحاب خبرة مؤسسية
أما عربيًا فمجال التنمية البشرية مفتوح جدًا، وقد يقدّم الدورات أشخاص بلا خلفية علمية متخصصة.
- التركيز على المهارة لا “التحول السحريي : المنهج الغربي غالبًا يقول: تعلّم مهارة ـــــ مارسها ـــكررها ـــ قِس النتيجة .أما بعض الخطابات العربية فتميل إلى فكرة:غيّر أفكارك وستتغير حياتك بالكامل”
دون التركيز الكافي على البيئة، والظروف، والعمل التراكمي. ومع ذلك، توجد نقاط قوة في العالم العربي أيضًا: ربط التنمية بالقيم والأخلاق والدين ، مراعاة السياق الاجتماعي والأسري العربي .والحقيقة أن الفكرة الأساس لهذه الإفادة كانت تدور في ذهني، وأحد الدوافع للكتابة في الموضوع.
يضاف لها المعطيات المعرفية والعلمية الآتية : وبناء على أن الشق الأعظم من دورات التنمية البشرية يدور حول القضايا النفسية والسلوكية ؛ فإن واقع المعرفة والعلم فيها يفيدنا بتنوع فروعه الأساسية تتراوح بين 15 و25 فرعًا رئيسيًا، ومن أهمها: علم النفس التربوي. علم النفس الاجتماعي يدرس تأثير المجتمع والجماعات على الفرد. علم النفس التنموي (النمائي)يدرس تطور الإنسان من الطفولة إلى الشيخوخة. علم النفس المعرفي يركز على الذاكرة والانتباه والتفكير واللغة. علم النفس العصبي ،يدرس العلاقة بين الدماغ والسلوك. علم النفس الفسيولوجي،يبحث في الأسس البيولوجية للسلوك .علم النفس الإرشادي ،يساعد الأفراد على حل المشكلات الحياتية والتوافق النفسي. علم النفس الثقافي يبحث أثر الثقافة والعادات في السلوك الثقافي .علم نفس الشخصية ،يدرس أنماط الشخصية والفروق الفردية. علم النفس التربوي الخاص ، يهتم بذوي الاحتياجات الخاصة وصعوبات التعلم. علم نفس الطفل،يركز على نمو الطفل النفسي والعاطف
فإذا أضفنا للفروع تكييفها بالتركيبة النفسية والفكرية والمعتقد والخبرات المكتسبة حضاريا وثقافيا بالرصيد المعرفي الشرعي والأعراف السليمة والممارسات الأخلاقية السوية اجتماعيا . فإن الحكم يشتد على تلك الدورات التدريبية تبعا لثقل المهمة . فلا يسوغ القول : نحن نحاول ونجتهد بإخلاص لنساعد في التنمية البشرية ؛ لأن المولى تعالى خلق الإنسان واودع فيه قواعد ومفاعيل الحركة والسلوك والفكر والشعور ؛ من أقوى مؤثراتها البيئة الحضارية {بأوسع دلالاتها ؛ من الأبوين إلى الدورة الحضارية السائدة الأقوى تأثيرا وهيمنة . والتعامل معه يحتاج إلى إبداع علم ومعرفة السياق الحضاري ؛ وهذا سر عبقرية سبق ابن خلدون بإبداع علم العمران الأرحب مجالا ودلالات من الاجتماع . بل إننا نجد بذوره وجذوره في القرآن الكريم والسنة الشريفة وفعل الصحابة رضي الله عنهم ، وفي مناهج الاستنباط في الفقه الإسلامي الباذخ ؛ مما يعد موجهات لفكر ومعرفة اجتماعية ونفسية للمجتمع الإسلامي في طور بنائه أو إعادة بنائه معرفيا وعلميا . فالتدرج في بعض الأحكام ،وفهم بعض الخصائص التشريعية، كشرب المسكر والناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم يخبر فيما يخبر به من الحكمة مراعاة انتقال المكلفين { الأفراد والمجتمع والأمة} من وضع إلى وضع ، وإجابات الرسول صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال عند الله تعالى تتنوع تنوع ثراء ومراعاة حال السائل ، لا تناقض كما يهرف جهلة الهدي النبوي . وإجابة سيدنا عبد الله بن عباس من جاء يسأل عن توبة القاتل ، ان له توبة ، وإجابة غيره مرة أخرى ، ليس له توبة . فسئل عن الاختلاف هنا وهناك ، فأجاب ان الأول قتل وبدا عليه الندم ، يريد التوبة ، أما الثاني فبدا عليه التحضير للقتل . أما الفقه الإسلامي فهو استنباط الحكم من الأدلة الشرعية بقواعد الاستنباط المعروفة ، ولذااغتنى الفقه الإسلامي بثروة فقهية قانونية لا نظير لها في أي فكر قانوني في العالم. وتأتي الفتوى السند الرئيس لفعل المكلف ،بتكييف الحكم حسب معطيات موضوعه .
أما ممارسات دورات التنمية البشرية في الأغلب الأعم وفي أحسن أ حوالها فهي اجتهادات تجميع وتكييف وترتيب وتقديم وفق مهارات أو غرائز شخصية .
كما يلاحظ أن كثيرا من الممارسين في دورات المهارات والتكوير الذاتي ، والإرشاد الأسري ومشكلات الطفولة والمراهقة ، من الناحية الميدانية يبنون تشخيصاتهم وأحكامهم وحلولهم لشتى المشكلات بناء على الحالات والعينات التي يتواصلون معها عبر مكاتبهم أو درواتهم أو غيرها . لكن السؤال الكبير جدا ما حكم هذا المسلك، وفق قواعد البحث العلمي ومناهجه وتقاليده التي استقر عليها ؟ يقينا أنه لا يعترف بمسالكهم ، ولا يقرها ؛ لأن المبدأ بدهي وبسيط في مملكة البحث العلمي ؛ فدراسة أي مشكلة أو حالة أو ظاهرة تستدعى عملا علميا مضنيا ، ومناهج متطورة و وقتا كافيا تحتاجه النتائج ، فضلا عن التحكيم والتجريب ثم الاعتماد . وكل هذا لا يمكن ممارسته إلا عبر مؤسسات أكاديمية بحثية ، ومخابر علمية .
يضاف لهذا أن المشكلة النفسية فضلا عن الاجتماعية الواحدة في تصنيفها معرفيا وعلميا ، قد تكيف معالجاتها حسب الواقع والسياق الثقافي والعقائدي و الاجتماعي ،أذكر كتابا هاما اطلعت عليه منذ عقود " يتناول ما وصفه بعلم النفس عبر الحضاري" يعد أول كتاب باللغة العربية يستكشف مجال علم النفس عبر الحضارات. يبدو أنه يشير إلى هذا المعنى . كذلك رأي عبرت عنه باحثة غربية { للأسف لا أذكر اسمها الآن } ، يعبر مباشرا عن الفكرة المشار إليها ، بوثوق علمي ومعرفي . يؤكد هذا الاتجاه ما اجترحته أوساط علاجية في الولايات المتحدة الأمريكية في علاج حالات مرضية نفسية وعصبية ، بمراعاة ثقافة ومعتقدات المريض أو المراجع ؛ من بينها ما راته هيئة صحية في التعامل بنجاح مع امرأة أمريكية مسلمة، ، من الضروري أن تكون مدركة ومراعيًة للجوانب الدينية والثقافية للقضية. في هذه الحالة بالذات ، تغلب العلاج النفسي الموجه دينيًا على العديد من الحواجز. يجب على أولئك الذين يعملون مع المسلمين الملتزمين دينياً التفكير في نهج متكامل روحياً يلعب الإسلام دورًا مهمًا في حياة العديد من المسلمين؛ حيث يوفر لهم إطارًا شاملاً يؤثر على نظرتهم للعالم ؛ نظرًا لأن العديد من المعالجين يواجهون عملاء مسلمين ، يجب إيلاء اعتبار خاص فيما يتعلق بأهمية دور الإسلام في حياتهم وكيف يربط هذا المسلمين بمجتمعهم . بغض النظر عن المشكلات الجوهرية المتعلقة بالصحة العقلية التي يواجهها المسلمون ... يجب على أطباء الصحة العقلية تعديل تدخلاتهم لتناسب احتياجات عملائهم بشكل أفضل. قد يساعد سؤال العملاء مباشرة عن قيمهم وتفضيلاتهم ، بدلاً من وضع افتراضات ، في تقوية الرابطة العلاجية وتطوير خطة علاج أكثر فعالية دينياً وروحياً وثقافيا. لذا فأثر المؤثرات وبالتالي البحث للوصول إلى معالجات وحلول قد يمتد إلى تنوع البيئات وأعراف وثقاقات المجتمعات الإسلامية ؛ فإذا اتحدت الحلول في القواعد العامة والمبادئ الأساس خاصة منها المستنبطة والمدعومة من القران الكريم والسنة الصحيحة ، فإن الحلول لا بد ان تطلب في سياقاتها حسب الملمح الحضاري للمجتمع والبيئة وغيرها من عوامل ا التي تنشأ الحالة أو المشكلة في بيئتها .
نماذج من محتويات منشورات بارزين في الدورات والاسشارات التربوية *:
1. يقول أحدهم :" في ملامح البشر أسرار لا تُقال وكل إنسان يحمل في طلّته ما يشبه قلبه فمن صفا قلبه رقت ملامحه ومن طاب داخله أشرق وجهه دون حاجة للتجمل" .
إذا عرضنا هذا الحكم المعمم على الطبيعة البشرية ،على معطيات و نتائج بعض الدراسات النفسية والسلوكية؛مثلا في أصول "الأنماط الجسدية الجاهزة للوجه" (الأفكار النمطية عن ملامح الوجه يقوم فريق من علماء النفس بقيادة "جوناثان ب. فريمان"، مدير مختبر العلوم العصبية والمعرفية الاجتماعية بجامعة كولومبيا، باستكشاف هذه الأسئلة منذ سنوات، باستخدام مجموعة متنوعة من تجارب السلوك البشري والتصوير العصبي. وقد حقق فريقه مؤخراً سلسلة من الاختراقات المهمة، حيث كشفوا عن كيفية تأثير مواقفنا الاجتماعية على هذه الانطباعات الأولى، وقاموا بتطوير تمرين بسيط يعتمد على الكمبيوتر يمكنه مساعدتنا في إدراك الآخرين بشكل أكثر موضوعية.
يقول فريمان، وهو أستاذ مشارك في علم النفس: «لطالما اعتقد علماء النفس أن استجاباتنا لوجوه البشر متجذرة بعمق في بيولوجيتنا التطورية لدرجة تجعلها غير قابلة للتغيير، لكننا أثبتنا أن هذا ليس صحيحاً. وتبين أن الروابط المعرفية التي نربطها بين ملامح الوجه والسمات الشخصية يمكن تعديلها وتفكيكها، بحيث لا نعتمد عليها في المواقف التي قد تكون ضارة فيها.
يملك علماء النفس مصطلحاً لوصف ميلنا إلى الإفراط في قراءة المعاني في وجوه الآخرين: إذ يسمونه "التعميم المفرط للوجوه" ( ). ويقولون إن هذه الظاهرة تتجلى أيضاً في نزعتنا للاستجابة بشكل إيجابي للبالغين ذوي الوجوه الطفولية (الذين يحفزون لدينا دافع الحماية والرعاية)، وفي شعورنا بالانجذاب نحو الأشخاص الذين تتمتع ملامحهم بالتناسق والتماثل).
تقليدياً، كان العلماء ينظرون إلى الأنماط الجاهزة للوجه (الأفكار النمطية عن ملامح الوجه) على أنها مبرمجة جينياً، وعالمية، وثابتة، لكن فريمان وزملائه ظلوا يعملون على تفكيك هذه الفكرة وتقويضها. فقد اكتشفوا أن الأشخاص في الثقافات المختلفة يدركون الوجوه بطرق متباينة (على سبيل المثال، يفترض الأمريكيون أن الأشخاص ذوي الوجوه التي يبدو عليها الحزن هم عدوانيون، بينما يرى الكثير من الأرجنتينيين أنهم حنونون ومهتمون). كما وجدوا أنه حتى داخل الثقافة الواحدة، تختلف استجابات الناس لملامح الوجه اعتماداً على مواقفهم تجاه العرق، والجنس، وعوامل اجتماعية أخرى.
بالإضافة إلى ذلك، وجد الباحثون أن مناطق الدماغ المسؤولة عن الوظائف المعرفية العليا — مثل الحفاظ على المعتقدات الاجتماعية — تتواصل مع مراكز المعالجة البصرية في الدماغ في الوقت الفعلي (في اللحظة نفسها) كلما نظرنا إلى وجوه بشرية، مما يؤثر على ما نعتقد أننا نراه.
2. مثال آخر، يذهب صاحبه على أن :"العقل لا ينضج وهو يقفز كل دقيقة بين فكرة وأخرى دون استقرار".
إذا حاولنا وضعه في سياقه العلمي ، نعثر على إجابات بحثية ، تفيدنا دراسات في علم النفس السلوكي والمعرفي غالباً ما يُوصف شتات الذهن (شرود الذهن) واليقظة الذهنية باعتبارهما حالتين عقليتين متباعدتين ذات تأثيرات متعاكسة على الأداء المعرفي والصحة النفسية. فعادةً ما يرتبط شتات الذهن العفوي بحالات التأمل الذاتي التي تساهم في المعالجة السلبية للماضي، والقلق/الاستغراق في خيالات المستقبل، وتعطيل أداء المهمة الأساسية. في المقابل، يُوصَف الوعي اليقظ (اليقظة الذهنية) مراراً وتكراراً بأنه تركيز على المدخلات الحسيّة الحالية دون استرسال معرفي أو تفاعل عاطفي، ويرتبط بتحسن أداء المهام وانخفاض الأعراض المرتبطة بالتوتر.و لسوء الحظ، فإن مثل هذه التمييزات تخفق في إدراك أوجه التشابه والتفاعلات بين هاتين الحالتين. وبدلاً من وجود علاقة عكسية بين اليقظة الذهنية وشتات الذهن، فإن التوصيف الأكثر دقة لليقظة الذهنية قد يتضمن تنقلاً ماهراً ومرناً ؛ جيئة وذهاباً بين العمليات المفاهيمية وغير المفاهيمية، والشبكات العصبيّة التي تدعم كل حالة، تلبيةً للمتطلبات المحددة سياقياً للموقف.
منذ ظهور تسجيلات الفسيولوجيا العصبية ،تبيّن أن الدماغ لا يرتاح بشكل كامل أبداً؛ حيث لاحظ "هانز بيرجر" لأول مرة أن جميع حالات اليقظة والنوم تُظهر طيفاً من السعات والترددات المختلطة للنشاط الكهربائي الذي لا يتوقف.
ووفقاً لدراسات "أخذ عينات الأفكار" أثناء شتات الذهن، فإن محتوى العقل المضطرب غالباً ما يكون غنياً بشكل لا يصدق ومرتبطاً بالذات؛ إذ يتميز بأفكار وعواطف عفوية تتعلق بالماضي، وآمال ومخاوف وخيالات حول المستقبل، وغالباً ما يشمل ذلك مشاعر متبادلة بين الأشخاص، وأهدافاً غير محققة، وتحديات لم تُحل، وذكريات اقتحامية (مزعجة).
3. مثال آخر ، بقول صاحبه :" من علامات الشخصية القيادية: الاحتفاء بالمعارضين والناقدين الأذكياء في الوقت الذي يبحث فيه المدير التقليدي عن "الموافقين" لتعزيز شعوره بالصواب، يسعى القائد الحقيقي لاستقطاب من يمتلكون الجرأة على قول "لا" بوعي. إنَّ القيادة الفذة تدرك أنَّ "الانسجام التام" داخل الفريق هو مقبرة للإبداع وعلامة على ركود الفكر، بينما يمثل النقد الذكي مرآةً كاشفة للثغرات قبل وقوع الأزمة. إنَّ الصدمة تكمن في قدرة القائد على احتواء "المخالفين" ومنحهم الأمان، لإيمانه بأنَّ بناء المؤسسات النهضوية يتطلب تضارب الأفكار لا تطابق الرؤوس. وبذلك يحول المعارضة من "عائق" إلى "صمام أمان" يضمن جودة القرار وسلامة المسير.
سوف نلاحظ عند عرض هذا التوجيه على معطيات ونتائج علم الإدارة مثلا نجد النتائج أظهرت أن القيادة والذكاء العاطفي يسهمان بشكل كبير في تحسين فعالية الفريق. بالإضافة إلى ذلك، تلعب الثقافة التنظيمية ومناخ العمل والتآزر الإبداعي دور العوامل الوسيطة في هذه العلاقات، مما يعزز من فعالية الفريق.كما تظهر نتائج بعضها عن أهمية كلٍّ من الذكاء العاطفي، وقيادة الفريق، والثقافة التنظيمية، وببيئة العمل، والتآزر الإبداعي كمحددات رئيسية لفعالية الفريق. ... يمكن لتنفيذ برامج التدريب على الذكاء العاطفي والمهارات القيادية أن يعزز التواصل وحل النزاعات، مما يخلق بيئة عمل أكثر انسجاماً وتعاوناً. وبالمثل، فإن تعزيز ثقافة تنظيمية إيجابية ومناخ عمل مريح يمكن أن يرفع معدلات الرضا الوظيفي واستبقاء الموظفين (الحد من التسرب الوظيفي)، مما يسهم في استقرار المؤسسة واستمراريتها. علاوة على ذلك، فإن تحفيز التآزر الإبداعي من خلال تخصيص مساحات للابتكار .
إن وضع معايير عالية الأداء يُعد أمراً قيماً، ولكن لا يقل عن ذلك أهميةً تهيئة بيئة يشعر فيها الموظفون بالأمان للابتكار والتجديد. ولا يمكن لهذه البيئة أن تتحقق إلا عندما يوازن القادة بين نزعتهم نحو الكمال (المثالية) وبين التعاطف والتفهم. ولا يعني هذا بالضرورة خفض المعايير، بل يكمن المغزى في إحداث توازن بين التوقعات العالية وبين تقديم الدعم والمؤازرة الإنسانية.
كما يكشف بحث كيفية تأثير نزعة الكمال (المثالية) لدى القادة على الإبداع، أجرينا ثلاث دراسات شملت سياقات ثقافية مختلفة.شملت الدراسة الأولى 200 مشارك من الولايات المتحدة الأمريكية، حيث استعادوا تجاربهم السابقة مع قادة يسعون نحو الكمال ويعبرون عن غضبهم. وجاءت الدراسة الثانية كشكل من أشكال التجارب المخبرية المنضبطة بمشاركة 119 مشاركاً في الفلبين. أما بالنسبة للدراسة الثالثة، فقد قمنا باستطلاع آراء 296 موظفاً و61 قائداً في إحدى شركات الاتصالات الصينية وقد جاءت النتائج متطابقة ومتسقة في الدراسات الثلاث؛ حيث تبين أن القادة الذين يبالغون في نزعتهم نحو الكمال — ولا سيما عندما يعبرون عن غضبهم — يتسببون في إضعاف شعور الموظفين بالأمان النفسي، الأمر الذي أدى بدوره إلى خفض مستويات الإنجاز .
4. أما الدكتور إبراهيم لخليفي فنموذج فريد في هذا المجال ؛ بفضل عوامل تميز في المشهد التطويري والتنمية البشرية منها : الذكاء والعبقرية المطبوعتان ، مساره الدراسي في جامعات غربية مرموقة وجادة ، تعمقه المعرفي اللماح للتراث الإسلامي ؛ وتأملاته العميقة للقرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة الشريفة ، وتتبع جذور التربية الإسلامية ونماذجها الفريدة في الحضارة الإسلامية ، ومهاراتها الفائقة في استخلاص النماذج التغييرية والتربوية للفرد والأسرة المسلمتين . والمتابعة العلمية للتقدم المعرفي والعلمي في المجال .
ج.الشرط الأعظم لمحتويات تسهم في إعادة بعث حضاري وفق شروط المرحلة الحضارية في مشهدها العالمي: هو نتيجة حتمية لما سبق؛ تتلاحم المعارف العلمية ذات الصلة مع المعارف الشرعية ، تتولاه استراتيجية طموح ، لانبثاق علوم التغيير الإرشادي المعرفي . وقد تكون الخطوات الأولى إليه ، منتديات نقاش فكري وعلمي تدعو إليها الأطراف التي مارست هذه النشاطات منذ عقود؛ يشارك فيها معهم الأكاديميون في التخصصات ذات الصلة المباشرة أو المجاورة ؛ كالعلوم الطبية . مع علماء الشريعة . حتى إذا نضجت العناصر الأولى لرؤية موجهة للاستراتيجية ، تتأسس خلايا علوم التغيير المنشودة ، لتضع تصوراتها المقترحة لها .
ونلاحظ الآتي ذكره :
3. الاستفادة من مشروع إسلامية المعرفة الذي أسسه المفكر الشهيد إسماعيل راجي الفاروقي رحمه ، ونفذ كثيرا من مشروعاته البحثية والفكرية ، المعهد العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن ، وفروعه في ماليزيا ومصر والأردن . واحتضنت مجلتا : "المسلم المعاصر" السباقة لفكرته وكثير من أبحاثه التأسيسية ، ومجلة " إسلامية المعرفة " . فضلا عن أطروحات وأبحاث أكاديمية في جامعات جزائرية و عربية وإسلامية
4. استقطاب الطلاب، في مشاريع بحثية بينية ، تطور الفكرة و الاستراتيجية ، والمشاريع والشركات الناشئة ، و تكوين و تطوير وتدريب المكون البشري ، العنصر الرئيس فياستراتيجية البلاد المستقبلية .
*المقتبسات العلمية محفوظة المصادر ، تجنبت إثقال المقال بها .

