16
0
على شرفة المنزل المطلة على مقبرة الفناء


بقلم الفنان التشكيلي - يوسف كتلو
كانت الطاولة الزرقاء صامتة، إلا من فنجاني قهوة؛ أحدهما على الريحة كما تحب خولة، والآخر ثقيلاً كما اعتاد يوسف.
الريح تمر بين أغصان المشمش، وتحمل معها همساً لا يسمعه إلا من أحب حتى الوجع.
قالت خولة، وهي تنظر نحو الأفق الذي يفصل الدنيا عن العدم:
"يا يوسف... أنا مدينة لأخي سمير بوسع هذا الكون كله. لن أنسى تلك السنوات الثلاث، كان يأتي كل صباح ليأخذني إلى المدرسة المهنية، لا يمل ولا يشتكي، وكأنه يحمل ابنته لا أخته. ولن أنسى الأعياد، حين كان يأتي مع أولاده ويضع في يدي مئتي شيكل، لكن القيمة لم تكن في النقود، بل في القلب الذي كان يسبق يده."
وسكتت قليلاً، ثم ابتسمت ابتسامة تشبه الدموع.
"أتذكر وأنا طفلة، كان يقول لي: قولي للماء تعال، فيأتي لك. وكان يضحك ويقول: قولي لأي شيء تعال، سيأتي لأنه يحبك. كان يصنع لي عالماً أصدق من الواقع، حتى ظننت أن المحبة تستطيع أن تغيّر قوانين الكون."
تنهد يوسف وهو يحدق في المقبرة:
"يا خولة... اليوم ذهبت إلى إحدى المشمشات. قطفت لك أجمل الثمار، وضعتها في سلة من القش، وأرسلتها في خيالي إلى سمير. قلت له: هذه هدية من خولة، لتسدد شيئاً يسيراً من دين المحبة الذي لا يُقضى."
ابتسمت خولة بحزن وقالت:
"المحبة يا يوسف لا تُسدَّد، إنها تكبر كلما حاولنا ردها. وأنا أحب جميع إخوتي وأخواتي، لكن سمير له في قلبي مكان يشبه مكان الطفل الذي يختبئ في صدر الزمن. هو لا يظهر ضعفه لأحد، لكنه يحمل بحراً كاملاً من الدموع خلف عينيه."
أطرق يوسف رأسه وهمس:
"لقد رأيته يبكي يا خولة. أقسم بالحياة أنه لم يبكِ أحداً كما بكى عليك. كنتِ في عينه طفلة ما زالت تمسك بطرف ثوبه وتضحك."
قالت خولة بصوت جاء من جهة لا يعرفها البشر:
"لأن الأرواح يا يوسف لا تكبر عند من أحبها بصدق. تبقى كما كانت أول مرة. أنا لم أغب عنه، فقط انتقلت إلى جهة أخرى من النور."
ثم التفتت إليه وكأنها توصي العالم كله:
"وأوصيك يا يوسف أن تبقى كما عهدتك؛ قوياً، عنيداً، متمرداً على الانكسار. لا تقبل الانحناء، فالأشجار التي تنحني كثيراً تنسى شكل السماء. كن نورك الذي عرفته، فإن الحياة الفانية لا تستحق أن تهزم قلباً خُلق للمحبة."
سكتت لحظة، ثم قالت وكأنها تخاطب أخاها مباشرة:
"يا سمير أبو محمد الخامس... إن وصلتك كلماتي، فاعلم أن خولة ما زالت تحبك كما كانت، بل أكثر. هنا، في العدم، لا تموت العاطفة، بل تتحرر من الجسد وتصبح ضوءاً خالصاً. كل خطوة خطوتها معي، وكل يد أمسكت بيدي، وكل عيد جعلتني أشعر فيه أنني أغنى الناس... ما زالت محفوظة في ذاكرة الروح."
أجاب يوسف وهو ينظر إلى المقبرة:
"سأبلغه يا خولة. سأقول له إنك ما زلت محبة للنور، في الحياة وفي العدم، وإن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يتركه من دفء في قلوب الآخرين."
وحين مالت الشمس نحو الغروب، بقي فنجانا القهوة على الطاولة الزرقاء كما هما.
واحد لم يشربه أحد.
والآخر ظل دافئاً، كأن خولة مرت به قبل لحظات، وتركت على حافته أثراً لا تراه العين، لكنه يسكن القلب إلى الأبد.

