30
0
عقاربُ تستعيدُ صَوتَها الأول… عودةُ المنبّه إلى غرفةٍ أرهقها الضوء

بقلم : سماحه حسون – فلسطين
في لحظةٍ ما لم تُعلن عن نفسها، بدأ الإنسان يلتفتُ إلى ما كان يظنّه تفصيلًا صغيرًا في حياته: المنبّه التقليدي. ذلك الشيء المعدنيّ أو البلاستيكيّ الذي كان ينام على طاولةٍ قريبة من الوسادة، صار فجأة رمزًا لعودةٍ أعمق من مجرد أداة للاستيقاظ؛ عودةٌ إلى طريقةٍ أهدأ في العيش، إلى علاقةٍ أقلّ تشابكًا مع الضوء الأزرق الذي يسرق الليل ويعيد تشكيله على هيئة إشعارات.
لم يكن المنبّه يومًا مجرد عقارب وصوتٍ حادّ يوقظنا على عجل. كان نوعًا من الاتفاق الصامت بين الإنسان والوقت: ساعةٌ تؤدي وظيفتها وتنتهي، بلا أبوابٍ جانبية ولا نوافذ مفتوحة على العالم. لكن الهاتف الذكي، حين دخل غرف النوم، لم يكتفِ بإيقاظنا؛ بل ظلّ يقترح علينا البقاء مستيقظين، كأنه لا يؤمن بنهايةٍ حقيقية لليوم.
هكذا، شيئًا فشيئًا، بدأت الغرف تفقد عزلتها. لم تعد الوسادة مكانًا للانطفاء، بل صارت نقطة عبورٍ نحو شاشاتٍ لا تنام. وفي هذا الفيض من الضوء، اكتشف كثيرون أنهم لا يستيقظون متعبين فقط، بل مثقلين أيضًا بما لم يكن من المفترض أن يرافقهم إلى النوم: الأخبار، الرسائل، المقارنات، وضجيج العالم الذي لا يهدأ.
هنا، عاد المنبّه التقليدي كمن يعود من ذاكرةٍ بعيدة، لا ليُنافس التكنولوجيا، بل ليعتذر عن البساطة التي كادت تُنسى. مجرد جهاز صغير، يؤدي مهمة واحدة، لكنه في جوهره يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وزمنه: لا شيء يوقظه سوى الوقت، لا شيء يشتته قبل النوم سوى صمته الخاص.
في هذا العودة، ثمة حنينٌ خفيّ لا يُقال بصوتٍ مرتفع. حنينٌ إلى صباحٍ كان يبدأ بصوتٍ واحد، لا بعشرات التنبيهات. إلى يقظةٍ لا تُفتح فيها نافذة على العالم قبل أن تُفتح العينان على الحياة نفسها. إلى زمنٍ لم يكن فيه السرير محطةً أخيرة للتصفح، بل بدايةً حقيقية ليومٍ جديد.
حتى صوته، ذلك الرنين المعدني الذي كان يُشبه القلق في طفولتنا، صار اليوم يبدو أكثر صدقًا من كل النغمات الرقمية الملساء. كأنه لا يجمّل الاستيقاظ، بل يقدّمه كما هو: لحظة انفصالٍ عن النوم، لا استدعاءً للعالم كله دفعةً واحدة.
عودة المنبّه إلى غرف النوم ليست حنينًا إلى الماضي فقط، بل محاولة لإعادة تعريف الحاضر. أن نضع حدودًا للضوء، للضجيج، للانتباه. أن نسمح للغرفة بأن تعود غرفة، لا امتدادًا للعالم الخارجي. وأن نمنح النوم حقه القديم: أن يكون انقطاعًا هادئًا، لا استراحة قصيرة بين إشعارات.
وفي النهاية، قد لا يكون المنبّه هو ما تغيّر، بل نحن. نحن الذين بدأنا نبحث عن أشياء بسيطة، لأنها – على بساطتها – تعلّمنا كيف ننجو من التعقيد.

