509147
0
مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 128

بقلم اسماعين تماووست
كان هذا الرجل، في مرحلة معينة من حياته، قد وجد نفسه في موقف بالغ التعقيد، لا أحد يمكنه أن يتخيل كيف يكون الحال عندما تجد نفسك محاصرًا بين جدران المجتمع الصغير حيث يعرف الجميع كل شيء عن بعضهم، ومع ذلك، كان له حظٌا كبيرا، فقد تمكن من العثور على ملاذٍ آمن وسط عائلة غجرية، قدمت له المأوى، وقد ساعدها في جلب المياه الصالحة للشرب بواسطة شاحنته ، من بئر محفور في بستانٍ يقع على مسافة غير بعيدة من منزل هذه العائلة.
وكانت هذه العائلة قد أخذت عليه وعدًا بالسرية التامة، حيث أصبحوا متورطين معه بعد أن قدموا له الحماية. ومع مرور الوقت، أصبحت مرتبطة به بشكل وثيق، ما جعلها شريكًا في جريمته.
وقد كان يُزود هذه العائلة بما يحتاجون إليه، إما عبر شاحنته من نوع "بيجو 403"، وهي شاحنة صغيرة كان يستخدمها في تنقلاته، أو بواسطة دراجة هوائية، حيث كان يركبها رغم تقدمه نوعا ما في العمر، الذي قد يتراوح بين الخمسين والستين عامًا، ما يعكس مدى صعوبة الظروف التي كان يمر بها.
كان يهرب من أعين المراقبة الأمنية ويستمر في التنقل بين الأماكن المختلفة، حاول تكوين صورة جديدة عن نفسه و مع مرور السنوات، أصبح لديه شخصية قوية مكنته من فرض سيطرته على جميع أفراد العائلة حتى أضحى لا أحد يشك فيه أو يتساءل عن تصرفاته.
لقد استغل ضعفهم وأصبح يسيطر عليهم بشكل لافت، حيث تحصل على كل المزايا التي كان يطمح إليها طوال حياته، وهنا يمكنكم أن تتخيلوا كل شيء!!!!!
وأصبح يحصل على كل الاحترام والطاعة، ولكن في ظل هذه "الراحة" التي وجدها وسط هذه العائلة، حاول أن يستجمع قوته وذكائه في استغلال المواقف لصالحه، كان كالحية التي تتحين الفرصة لتمسك بكل ما يحيط بها، منتظرًا اللحظة المناسبة للاحتفاظ بكل ما أمكنه الحصول عليه.
أصبح، نتيجة لجرائمه المتعددة، لا يختلف عن اللصوص الذين لا يتورعون عن تدمير كل ما يمد لهم يد العون.
خان بكل وقاحة الأيادي التي كانت تطعمه وتحسن إليه، مستغلاً ضيافة عائلة الغجر التي آوته في محنته، رغم تورطهم في دعمه بشكل غير مباشر في ممارساته الإرهابية.
لقد استغل هذا المجرم الوضع الذي كان يعيش فيه بين أفراد عائلة الغجر، الذين منحوهم الحماية، ليعيش حياة المكر والخداع، كان يبتزّهم ويتلاعب بمشاعرهم حتى وصل به الحال إلى أن استغل عدة نساء من هذه العائلة، اللائي كنّ قد منحنه ملاذًا آمنًا خلال الفترة التي كان فيها معرضا للتهديد والمخاطر.
حياته أصبحت أكثر قسوة من أي وقت مضى، إذ أن فراره المستمر كان يشبه حياة كلب ضال يفتقر إلى الاستقرار أو الأمان.، ينتقل من مكان إلى آخر، يعيش في خوف دائم...
ما زاد الأمور تعقيدًا هو أنّه كان يستغل ضعف بعض أفراد العائلة، ويقنعهم بكلامه المعسول الذي لا يعكس إلا أكاذيبه و يعدهم بحمايتهم من أي خطر قد يهددهم، بينما هو في الحقيقة لا يسعى إلا لتحقيق مصلحته الشخصية على حسابهم.
لم تعرف هذه العائلة الغجرية التي قدمت له الحماية، أن مافعلته سيكون السبب في تدميرها وزيادة آلامهما، لأنه لم يكن في الحقيقة إلا مستغلًا لانعدام الأمان في تلك الأوقات العصيبة.
تحوّل إلى شخص أقوى وأكثر خبثًا، فبالرغم من أنهم كانوا يدعموه ويساندونه في أعماله الإرهابية، إلا أنه كان يتعامل معهم بلا رحمة، مستغلًا كل نقطة ضعف فيهم ليحصل على كل ما يريد، كان يديرهم كما لو كانوا مجرد أدوات لتحقيق أهدافه الشريرة، إلى درجة أنه أصبح يملك السلطة الكاملة على أفراد تلك العائلة، الذين كانوا يثقون به بشكل أعمى، ظنًا منهم أنه شخص محصن من كل شر.
ولكنه لم يكن سوى وحش يتحين الفرصة ليظهر حقيقته. فقد خانهم جميعًا وانتهك حرمتهم.
بمجرد أن علمت المجموعة التي يقودها الإخوة الغجر أن الشرطة قد اكتشفت من هم منفذو الهجوم على مدرسة الشرطة في الصومعة، انسحب هؤلاء المجرمون من منازلهم للذهاب إلى الغابة المسماة "الغابة السوداء"، التي تمتد إلى نهر يقع بين بلديتي سيدي موسى ولاربعا، أي بالقرب من دوارهم، مكان إقامتهم الذي اختاروه للاختباء من قوات الأمن التي كانت قد بدأت في ملاحقتهم.
هذا الشخص المزعوم قائد العصابة المجرم يحاول إقناع من يتحدث معه، ربما في محاولات لخلق تمرد، كان هدفه الوحيد تجنيد أكبر عدد ممكن للانضمام إلى منظمته القاتلة التي أنشأها بالخداع والكذب.
في الواقع، ما قام به بسبب جهله الواضح كان أبشع أنواع الظلم، وبالنسبة لتصرفه المتطرف، وشغفه المريض والخطير الذي اتبعه عن وعي، فقد جعله مذنباً تجاه نفسه، وكان السبب الرئيسي في عدة عمليات قتل بشعة. والأدهى من ذلك، أن الضحايا كانوا من الأبرياء المدنيين الذين ليس لهم أي سلاح للدفاع عن أنفسهم.
استمر في ارتكاب جرائمه معتقدا أنه بذلك سيصبح شخصية بارزة، بينما هو في الواقع مجرد قائد فاشل لجماعة من المجرمين الضائعين في ظلام دامس، غافلين تماماً عن الخطر الذي يهددهم في كل لحظة، استمر في إيذاء نفسه من دون أن يدرك ذلك، كما تسبب بالاذى للاخرين، خاصة أولئك الذين صدقوا أكاذيبه.
ومع ذلك، وفقاً لما أخبرني به الشاب المراهق الذي يبلغ بالكاد أربعة عشر عاما، ابن مساعد-رئيس العصابة المدعو ب/م، أن هذا المجرم يتنقل عبر سيارته، في الغالب بين القرى الصغيرة ولاية الجزائر والبليدة، ليقابل أشخاصاً من معارفه، وكان يغير أحياناً سائق السيارة لتجنب أي تفتيش قد يكشف أمره. وقال هذا الشاب إنه سافر معه عدة مرات، مشيرا أنه كلما مروا بحاجز أمني، كان يبدأ في تلاوة سورة يس، لم يكن أحد بحاجة لسؤاله عن هذا التصرف، فقد كان يعتقد أن تلاوة الآيات ستمنحه الحماية.
ولكن الحقيقة التي كان يجهلها هي أن الله "يُمهِلُ ولا يُهْمِلُ". في كل مرة يمر من الحواجز، كان يعتقد أنه سينجو، لكن الله لا يغفل عن الظالمين. كما جاء في قوله تعالى في سورة آل عمران، الآية 155: "يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ"، أي أنه يمنحهم مهلة، ولكنه في النهاية لا يهملهم.
كان يعتقد أن قراءة هذه الآيات ستقيه شر القانون، وأنه يمكنه الاستمرار في ارتكاب أعماله دون أن يتم محاسبته. ولكنه كان يغفل عن حقيقة أن الله لا يترك الظالمين ينجون، وأن كل تأخير هو فرصة له للتوبة قبل أن تأتي اللحظة الحاسمة.......
يتبع....