25

0

زواج أو صفقة؟ عندما تصبح "الشهرية" شرطا في الزواج

بقلم سهام  بن عاشور

  تحت شعار "جيناكم بالحسب و النسب طالبين شهرية بنتكم باش نكملوا بها شهرية وليدنا" هي الطريق كي يتزوج الرجل من المرأة الموظفة أو العاملة من أجل راتبها، هذه الفكرة يحاول العديد من الرجال إيجاد لها مبررات ، و هم أنفسهم الذين يبررون هذا الخيار إذ غالبا ما يستندون إلى حجج مثل صعوبة المعيشة أو فكرة التعاون بين الزوجين، و هذه حجج لها أساس ودافع واقعي، لكنها تصبح إشكالية عندما تستخدم لإخفاء دافع آخر، وهو اختيار المرأة أساسا بسبب دخلها، هنا يتحول "التبرير" إلى محاولة لإضفاء شرعية على علاقة غير متوازنة.

    فإلى أي مدى أصبح راتب المرأة معيارا في اختيار الزوجة في المجتمع المعاصر؟

  تعد مؤسسة الزواج من أهم المؤسسات الاجتماعية التي تعكس طبيعة القيم والمعايير السائدة في المجتمع. وقد شهدت هذه المؤسسة في العقود الأخيرة تحولات ملحوظة نتيجة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي مست بنية الأسرة وأدوار أفرادها.

وفي هذا السياق ظهرت في الخطاب الشعبي عبارات تعكس هذه التحولات، من بينها العبارة الساخرة التي تشير إلى التقدم لخطبة فتاة بسبب راتبها.

   فقد أصبح الارتباط بموظفة أو عاملة لديها راتب ثابت مطمع لكثير من الشباب المقدمين على الزواج، خاصة أصحاب الدخل الضعيف أو المحدود أو حتى البطالون، ولا يحتاج المرء إلى ذكاء ليدرك أنه أصبح اليوم الزواج من الموظفات رائج جدا، فالطلب و التهافت على الموظفة خاصة الجامعية أكثر من غيرها، ما يجعل راتبها في بعض الأحيان سببا في المشاكل وأحد مصادر الشقاء في حياتها الأسرية، أين أصبح نظر أو عيون الرجل منصبة عليه كما لو كان حق من حقوقه إذ نجد عددا كبيرا من النساء لا يتمتعن بحرية التصرف ولو بجزء قليل من مالهن الخاص.

  فقد شهدت المجتمعات المعاصرة تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة أثرت في مختلف جوانب الحياة، ومن بينها مؤسسة الزواج. فبعد أن كان الزواج في كثير من المجتمعات يقوم أساسا على اعتبارات القرابة والنسب والقيم الأخلاقية و الدين، بدأت عوامل جديدة تظهر في معايير اختيار شريك الحياة، ومن أبرزها العامل الاقتصادي و المادي.

وقد انعكس ذلك في بعض الخطابات التي تشير إلى الاهتمام براتب المرأة أو وضعها المهني كعنصر مهم في الزواج، ويعكس هذا التحول تغيرات في بنية المجتمع وأدوار أفراده. كما أنها تعكس أزمة قيم مركبة و معقدة، فهي من جهة تعترف بواقع اقتصادي و مادي صعب يتطلب التعاون بين الطرفين: الرجل و المرأة، ومن جهة أخرى تكشف عن انحدار في تقدير قيمة المرأة كإنسانة مستقلة ماديا يمكن أن تكون السند المعنوي و المادي، وتحويلها إلى "مصدر تمويل"، بدلا من أن يكون الزواج الناجح هو الذي يكون فيه تعاون مالي "اختياري" نابع من المودة، وليس "اشتراطا أو شرطا أو طلبا" أو دافعا أساسيا للارتباط لا ينقصه إلا أن يكتب في عقد الزواج لتصبح الكثير من العلاقات الزوجية تبنى على المصلحة خاصة بعد تزايد ولوج المرأة سوق العمل واستقلاليتها المادية الذي جعلها مطمعا للعديد من الرجال الذين يرغبون في الارتباط بها لا لشيء إلا طمعا في مرتبها، وتنجر عن هذه العلاقة التي بنيت على المصلحة العديد من الاختلافات والمشكلات الأسرية التي تكون نهايتها الحتمية الطلاق وتفكك الأسرة.

   إن رجال اليوم رفعوا شعار "أريدها موظفة" لا شيء يذكر إنما هي حاجة مادية يسعون لها لدعمهم و إعانتهم على تكاليف الحياة التي باتت باهظة جدا وربما البعض منهم يفضلها عاملة كنوع من التملص وهروب من المسؤولية من الصرف والنفقة على الزوجة بحجة أن لها راتبها الخاص، حيث لم تعد معايير اختيار الزوجة مقتصرة على النسب والأخلاق فقط، بل توسعت لتشمل والوظيفة، و الراتب والاستقرار المالي.

  لكن الإشكال يظهر عندما يتحول هذا الاحتياج إلى اعتماد كامل أو اتكالية أو استغلال، بحيث يرى الرجل في راتب الزوجة حلا لمشكلاته هو المالية، لا مجرد مساهمة مشتركة. في هذه الحالة، يتغير معنى الزواج من شراكة متوازنة إلى علاقة فيها خلل في توزيع المسؤوليات.

فهذا الصنف من الرجال لا يسعى إلا إلى الارتباط براتب شهري طمعا فيه أو مساند له كنوع من الاعتماد على راتب الزوجة دون التفكير في العواقب التالية للزواج لأن الهدف من الزواج مادي بحت ففكرة أن الزوجة تصبح "الممول الأساسي" تشير إلى اختلال في التوازن الأسري، حيث تتحمل المرأة عبئا مزدوجا: العمل خارج المنزل + مسؤوليات البيت، بينما يتراجع دور الرجل الذي يميل للاعتماد بدل المشاركة.

إذ يفضل الاقتران بزوجة موظفة بل ويفضل من تعمل في قطاع حكومي لأنها ستكون ذات راتب عال لتصرف عليه وعلى عيالها وبيتها، وتكون الممول الأساسي ويترك عليها الجمل بما حمل.

   من هذا المنظور أصبحت بعض النساء ترى أن تفضيل الرجل الزواج بامرأة موظفة بدافع راتبها لا علاقة له بالرجولة، لأنهن ينظرن إلى الأمر من زاوية طبيعة العلاقة نفسها إن كانت علاقة قائمة على التقدير المتبادل و المشاركة أم على المنفعة، فإذا كان الرجل يختزل المرأة في راتبها فهذا يفهم كنوع من الاستغلال و الاتكالية، لأنه يحولها من شريكة حياة إلى مورد اقتصادي مادي، وهو ما يتعارض مع فكرة العدالة الإنسانية والاحترام و مكانة كل منهما داخل الأسرة. خاصة و أن الأصل أن الرجال قوامون على النساء أي المسؤول عن الإنفاق والقوامة هو الرجل أما إن كان هناك جنوح من الرجل فينظر للمرأة على أنها مال فقط فأعتقد أن رجولته تحتاج لمراجعة، فالزواج شركة رأس مالها الحب والتفاهم ولا حق للرجل في التصرف في مال زوجته وإن أعوزته الحاجة لمالها فليكن ذلك بالتفاهم والاتفاق.

   لكن في المقابل لا يمكن فصل هذا السلوك عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية؛ فارتفاع تكاليف المعيشة وتغير أدوار الجنسين جعلا الزواج أقرب إلى شراكة مادية ومعنوية في آن واحد، ولم يعد دور الإعالة حكرًا على الرجل كما في السابق.

لذلك، الإشكال الحقيقي لا يكمن في كون المرأة تعمل أو تساهم براتبها، بل في الدافع وطبيعة الاتفاق: فإذا كان هناك وعي وتفاهم وتقاسم عادل للمسؤوليات، فإن الأمر يدخل ضمن شراكة طبيعية بين طرفين، أما إذا غاب هذا التوازن وأصبح المال هو المعيار الأساسي للاختيار، فهنا يظهر الإحساس بعدم الإنصاف الذي تعبّر عنه كثير من النساء.

  يمكن تناول هذه الفكرة من زاويتين متكاملتين إحدى هاته الزوايا أنه يُنظر إلى التركيز على راتب المرأة كعامل حاسم و مطلوب و ضروري في الزواج ما يختزل العلاقة الزوجية و الإنسانية في بعدها المادي ، ويحول الزواج تدريجيا إلى ما يشبه "عقد منفعة مادية" لا غير، خاصة و أن الزواج يظل في جوهره مؤسسة اجتماعية تقوم على التعاون والتكامل بين الزوجين، وليس مجرد علاقة مادية، أما من الزاوية الواقعية، فالأمر لا يكون بالضرورة استغلالا أو اتكالية إذ أن التحولات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الحياة و المعيشة في وقتنا الحالي جعلا من الدخل أو راتب الزوجين معا شكلا من أشكال التعاون داخل الأسرة، حيث يتعاون و يساهم الطرفان معا في تحقيق الاستقرار، لتبنى هنا العلاقة على أساس الشراكة وتقاسم المسؤوليات. لذلك، التقييم الحقيقي لا يتوقف عند وجود راتب للمرأة، بل عند كيفية النظر إليه داخل العلاقة.

من جهة أخرى:

لقد أوضح مختصون في العلاقات الأسرية والزوجية أن بعض الرجال يرغبون في الزواج من موظفة طمعا في مالها أو راتبها، ويعتبرونها مصدر دخل ثابت يرفع عن كاهلهم الكثير من الأعباء، فيلح عليها بالمشاركة في كل مصروفات المنزل، وهذا الصنف يضم شريحة كبيرة من الذين يعملون في وظائف ذات رواتب متدنية.

فرغم أن مشاركة المرأة في العمل قد تسهم في دعم الاستقرار الاقتصادي للأسرة لكن عندما يصل استغلال الرجل للمرأة ماديا يمكن أن يؤدي إلى توترات أسرية تصل أحيانا لحد الطلاق ، فتحويل راتب المرأة إلى معيار أساسي في اختيار الزوجة قد يؤدي إلى مجموعة من المشكلات الاجتماعية والأسرية. فعندما يصبح الهدف من الزواج تحقيق منفعة مادية، قد تتحول العلاقة الزوجية من علاقة قائمة على المودة والتكامل إلى علاقة يغلب عليها الطابع النفعي.

                                                 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services