116

0

طقوس رمضان المُصادرة في القدس

بقلم: نسب أديب حسين/ كاتبة وباحثة فلسطينية

سرتُ نحو باب المدينة القديمة متوجسّة هل سيكون لي ما أريد؟ هل يُعقل أن يشارف شهر رمضان على الانتهاء دون أن تجمعني والقدس ذاكرة؟

مذ أتيتها منذ عشرين عامًا لم يحصل، أن نصل العُشر الأواخر من رمضان دون أن أزورها أو أزور المسجد الأقصى، ففضلًا عن طقس زيارتها أسبوعيًا، لشهر رمضان طابع مختلف وخاص في القدس...  تتزيّن المدينة بأجمل حلّتها، وتتحوّل من النوم باكرًا إلى مدينة تسهر حتّى الفجر تقريبًا، ببقاء أبواب المسجد الأقصى مفتوحة حتّى ساعات متأخرة، ليعجّ بالمصلين والعائلات، وحركة دائمة منه إلى أزقة المدينة. تنتعش القدس بأجواء خاصّة دينيًا اجتماعيًا اقتصاديًا في هذا الشهر مع توافد المصلين من أنحاء فلسطين، وتصبح وجهة للسياحة الدينية الإسلامية من دول أخرى.

للمقدسيين بالذات طقوسهم مع المسجد الأقصى، إذ لا بدّ عند العديد من العائلات، أن يحملوا طعام إفطارهم ويتناولوه مرّة أو أكثر خلال الشهر فضيل في المسجد الأقصى، ثمّ أداء صلاة التراويح فيما الأطفال يلعبون على مقربة. كانت تُقام العديد من الأمسيات رمضانية من أناشيد صوفية ودينية، وأنشطة من إضاءة الفانوس أو فعاليات للأطفال، في عدّة مؤسسات ثقافية واجتماعية من برج اللقلق إلى متحف دار الطفل العربي والمسرح الوطني الفلسطيني، وغيرها. عدا عن فرقة الرازم التي كانت عادة ما تخرج مساء أيام الخميس، بأناشيد دينيّة بعد الركعة الثامنة من صلاة التراويح من باب حُطّة (أحد أبواب المسجد الأقصى في الجهة الشمالية للمسجد)، لتنشد في موقع في الحيّ ولينشد معهم الشباب والأطفال.

كما جمعت منافسة بين أحياء البلدة القديمة، وخاصّة حيّ باب حُطة وحيّ الواد، بزينة العيد وإبداعها. كان لكلّ هذا إنعاشٌ لفضاء المدينة بسكانها وتُجارها وتُكسب تجربة خاصّة لزوارها، وتشكّل إسنادًا مقابل فترات التوتر والمواجهات، التي لا يكاد يخلو عامٌ منها.

لكن منذ انتشر وباء فيروس كورونا، ألحظ تراكمًا في الأزمات، فيما مشاهد وطقوس تتلاشى الواحدة تلو الأخرى، حتّى وصلنا إلى المشهد المريع الذي وجدتُ عليه مدينتي. 

أبلغتني صديقتي أنّ البلدة القديمة مغلقة حين أخبرتها بنيّتي، كذلك في الطريق إلى باب الساهرة التقيت بصديق آخر يعمل في متجر قريب من البلدة، فأكّد هو كذلك أنّ الأبواب مغلقة ولا يُسمح بالدخول إلا لسكان البلدة، لكنّي استمريت، وكنتُ قد عقدتُ العزمة أنّي سأبدأ بمحاولاتي لدخول القدس من باب الساهرة في السور الشمالي الشرقي، حتّى باب الخليل في السور الغربي. عندما اقتربت من الحاجز المنصوب على مدخل الباب انتبهتُ أنّ الجنود الإسرائيليين لم يستوقفوا شبانًا تقدّموا قبلي للدخول، ولم يطلبوا الهويّات، فتقدمتُ داخلة وحين لم أسمع صرخة أحدهم تناديني أو تستوقفني، كدتُ أطير من الفرح.   

لم أكن لأصدق أن أنجح من المحاولة الأولى، وسأشعر أنّي انتصرتُ عدّة مرّات وأنا أمرّ بمجموعات عديدة من الجنود والحواجز داخل البلدة، دون أن يستوقفوني أو يطردوني، لكنّه انتصار ممزوج بحزن شديد، فها أنا معها، لكنّي أرى روح مدينتي مسلوبة. 

مضيتُ نحو حيّ باب حُطّة كما هي عادتي في شهر رمضان، وصلتُ السوق الصغير لهذا الحيّ والذي عادة ما نتزوّد منه ببعض الحاجيات للإفطار في المسجد الأقصى أنا وصديقاتي، لأجده فارغًا موصد الأبواب باستثناء بقالة واحدة. والحاجز المنصوب على مدخل الزقاق المقابل المؤدي للمسجد الأقصى، كفيل لإظهار إغلاق المسجد بشكل تام. صعدتُ أدراجًا قليله إلى متنزه صغير، تمّ انهاء ترميمه مؤخرًا، فيه مدرّج كانت عادة فرقة الرازم، ما تنهي احتفاءها وأناشيدها أيام الخميس عنده. بعض أطفال الحيّ يثيرون الصخب باللعب على الألعاب التي وُضعت بعد التحديث هنا، سيكون هذا الصخب الوحيد لسكان المدينة الذي أسمعه في جولتي. ما إن أنزل المدرّج حتى أرى جنودًا قادمين، بعدهم مجموعة أخرى أمام باب الملك الفصيل الباب الثالث للمسجد الأقصى في السور الشمالي، ومثلهم عند باب الغوانمة الباب الرابع.

كلّما تقدّمتُ أكثر ورأيتُ فراغ وسكون المدينة، إلّا من الجنود والشرطة، شعرتُ بروحي تثقل وتزداد قفرًا، طيلة سنوات لم نملك وقتًا نستجمع أنفاسنا لننعم ببعض اللحظات من الهدوء وراحة البال، لم يكن لنا إلّا وجودنا معًا نحن وأمكنتنا، لتكون لحظات فرح صغيرة... حتّى أفرحنا الصغيرة تُقتل...

من كان يتخيّل أن يكون رمضان الشهر الذي تزدهر وتزدان فيه القدس القديمة بزوارها، بهذا الشكل؟ بالكاد في كلّ سوق هناك بقالة أو اثنتين مفتوحتا الأبواب، فهذا النوع من المتاجر المزوّدة للطعام، فقط من سُمح لها بالعمل وافتتاح أبوابها خلال الحرب، أمّا غيرها فيُخالف إذا تحدّى التعليمات، أبواب المسجد الأقصى مغلقة، كنيسة القيامة مغلق باب الحوش المؤدي إليها، وفي الأسواق القريبة منها في طريق الدباغة أو سوق أفتيموس، حيث معظمها متاجر سياحية أو مطاعم، لم أجد استثناءً بباب واحد مفتوح، المكان خالٍ تمامًا إلّا من حمائم تحلّق فوق نافورة السوق.

أصعد إلى طريق حارة النصارى هناك استثناء ببقالة واحدة، والأمر ليس مختلفًا عند ميدان عمر بن الخطاب حيث باب الخليل والمدخل الغربي للمدينة، لكن هناك حركة المستوطنين الإسرائيليين في الذهاب والإياب نشطة جدًا مقارنة بالمواقع الأخرى التي مرّرتُ فيها.

سيظهر الاستثناء كذلك عند مدخل شارع مأمن الله/ ماميلا على بُعد نحو 50 مترا من باب الخليل، لأجد المتاجر الإسرائيلية هناك والتي تبدأ بمتاجر لكبريات الشركات من س. ستيرن وديور، وحيث المقاهي ومتاجر الملابس مفتوحة الأبواب، رغم أنّها لا تزوّد شيئًا من الحاجيات الضرورية. هناك حركة خفيفة للمتسوقين، فأستغرب هل الخطر محدق من الحرب والصواريخ على البلدة القديمة، وليس كذلك على هذه المتاجر المحاذية؟

أعاود دخول البلدة القديمة من باب الجديد مدخل حارة النصارى في الزاوية الشمالية الغربية للسور، ذات الصمت على المتاجر، مع حركة خفيفة في الطرقات، سيلفحني الصمت المطبق عند تقاطع عقبة الخانقاة الصلاحية مع سوق خان الزيت في مفترق لأربعة تفرعات لأسواق تتجه للجهات الأربع، كان لها أن تعجّ بالناس والصخب والأضواء في مثل هذا الوقت، وليس من صوت أو حركة إلا لوقع خطاي أنا وشخص آخر مرّ في الدرب.

عند مدرج باب العمود المدخل الرئيسي للمدينة، رأيتُ خمس مجموعات صغيرة لشابات تفترشن الأرض وتتجهزن لتناول الإفطار، في مشهد يرمّم القلب على الإصرار والتواجد النسائي الذي ألاحظه في السنتين الأخيرتين عند باب العمود، مقابل غياب كبير في ظهور الشبان في ذات الموقع. سأجد ظهور الشبان عند باب الساهرة، لتناول الإفطار والصلاة هناك. وسأغادر وأنا أحاول أن أجد تشخيصًا وتشبيهًا ملائمًا لما تمرّ به القدس منذ الحرب المندلعة في أكتوبر 2023.

"كيف حال القدس؟" سؤال أواجه به في كلّ زيارة لقريتي الرامة في الجليل، ومع الحوارات المختلفة بحسب الفترات، بدت القدس منطقة هادئة وساكنة جدًا مقارنة بمعظم المناطق الأخرى في الوطن. لكن من يعرف المكان يُدرك أنّه ليس الهدوء المصاحب للسكينة بل هدوء على صفيح ساخن، وحالة أشبه بما يصيب الجسد مع حرمانه لمدّة طويلة من التغذية والأملاح، المدينة تُسنزف وتُسلب كلّ يومٍ ببطء شديد.

جاء خبر إغلاق مؤسسة برج اللقلق في الزاوية الشمالية الشرقية للبلدة القديمة في أواسط شهر شباط، إشارة أولى لغياب طقس آخر من طقوس رمضان في المدينة، خاصّة للأطفال والفتيان، حيث يتمّ إضاءة فانوس رمضان وإطلاق أنشطة عديدة لهذه الفئة العمرية خلال الشهر الفضيل، هذه الخطوة رغم حدّتها بفرض إغلاق لمدّة نصف عام، لم تعد مستهجنة مع ازدياد محاصرة المؤسسات الثقافية المقدسية، ومنع العديد من الأنشطة. لكن ما لم نتوقعه أن تندلع الحرب، لنُحرم من طقوس رمضان كلّها مع المدينة.

مشهد شهر رمضان في فضاء القدس وخاصة مساء الخميس وأيام الجمعة، هو مدّ بشري من الفلسطينيين الذين يتدفقون من ستة أبواب من أبواب المدينة السبعة، ويظهرون بشكل واضح في معظم أجزائها طيلة الوقت ليًلا نهارًا، يصلون ويتسوّقون ويتحادثون وينشدون ويأكلون في طقوس جماعية وفردية معها. هذه الطقوس تزيد من العلاقة بين الانسان والمكان وبين الناس أنفسهم، لتعزّز روح الانتماء والهوية الثقافية الفلسطينية.

يمكن أن يُقرأ هذا الشهر بمنظار ثقافي كمهرجان كبير صاخب في القدس القديمة، يسيطر بالهوية العربية والإسلامية على المشهد والفضاء المقدسي، ممّا يُشكّل إرباكًا للمخطّط الإسرائيلي الذي نفّذ سياسات عديدة لأجل تهويد هوية المدينة، وما زالت مخطّطات مثل الخطة الخماسية الثانية تُستكمل. لذا منذ ظهر مهرجان الأنوار الإسرائيلي عند باب الخليل للمرة الأولى عام 2009، والذي استمر لسنوات يُعقد لخمس ليال، بعرض أنوار عند بعض أبواب المدينة وفي أزقتها مع مسارات محدّدة، رأيتُ أنّه أتى وغيره من مهرجانات إسرائيلية ليلية أخرى، ليُشكّل مواجهة أمام شهر رمضان، ببناء روابط بين الإسرائيليين والقدس في الحياة الليلية وكسر حاجز خوفهم من دخولها مساءً. وبدت هذه المهرجانات كجزءٍ منافس أو يسعى لموازنة الوجود الفلسطيني الواضح خلال رمضان، في الوقت عينه ازداد التقييد في التواجد بمنطقة باب العمود، بإتاحة وجود بسطات تغطي معظم المدرّج، ممّا قلّص من تجمهر شبان المدينة هناك بعد الإفطار، وألغى إمكانية وجود بعض الفعاليات والأنشطة.

يُضاف إلى ذلك تراكم الأزمات وأبعادها المتلاحقة على التجارة والمؤسسات الثقافية والناس من الوباء إلى الهبّات وصولًا إلى الحرب على قطاع غزة، جميعها زاد أثرها بتقليص بعض الطقوس المرادفة لهذه الفترة من تحديد زينة الأحياء، إلى تقليل أو غياب الأنشطة الرديفة لهذا الشهر. لكن بقيت علاقة الفلسطينيين مع المسجد الأقصى وتلبية حقّ الصلاة فيه، ورغم الإغلاقات خلال عامي 2024 و2025 والحدّ الأدنى من وصول المصلين من الضفة الغربية، بقيت الأعداد كبيرة جدًا بزيادة حضور المصلين من الداخل الفلسطيني، الأمر الذي قدّم بعض التعويض والمساندة لتُجار البلدة القديمة، الذين كانت متاجرهم شبه فارغة معظم أيام العام، وحافظ على مشهد صاخب من الحضور والحياة والعلاقة المتجددة مع المدينة.

أمّا على الصعيد الشخصي فكانت استعادة طقوس تجمعني وصديقاتي مع المدينة وخاصّة المسجد الأقصى خلال هذا الشهر، تسند قلبي وتُخفّف بعض التوتر المتراكم من الحرب، وتذكَرنا أنّنا ما زلنا بخير، ما دمنا نستطيع أن نستعيد طقوسنا ونجدّدها سنويًا.

تغييب جميع الطقوس، حتّى للمقدسيين ممّن يسكنون البلدة القديمة والمناطق المحاذية، بالسماح لأعداد قليلة يمكن تأمين الحماية لها وتتسع لها الجوامع المسقوفة داخل المسجد، يرافق هذا شلّ الحركة التجارية التي تعوّض التجار عن باقي العام، ليكون حرمان آخر من الأنفاس والأملاح، التي كان لها أن تسند وتمنح بعض القوّة لجسد المدينة. استمرارية الوجود التجاري الفلسطيني والحركة التجارية في القدس القديمة، هي جزءٌ مهم لاستمرار مشهد الحياة والحركة في المكان، غيابها سيُحوّلها لمدينة صامتة ومقفرة لتصير أشبه بحال مدينة الخليل القديمة أو أشدّ صعوبة. وإن تُركت القدس بعد انتهاء إغلاقات هذه الحرب وحدها دون أي زيارة ودعم، قد نجدنا في الأعوام القادمة نخسر المزيد والمزيد، وتتحوّل كلّ طقوسنا وعلاقتنا مع المكان إلى جزء من ذاكرة قديمة.

 
 
 
 
 
 
 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services