37

0

تحولات كبرى في الجزائر: نحو اقتصاد قائم على السيادة والمرونة

احتضن المركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف رحال” بالجزائر العاصمة، اليوم الثلاثاء، فعاليات النسخة الثانية من دراسة CEO Survey، المنظمة من طرف شركة PwC بالتعاون مع مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، تحت شعار: “السيادة والمرونة: مسار اقتصادي جديد للجزائر”.

هاجر شرفي 

وتندرج هذه الفعالية في إطار الديناميكية الوطنية الرامية إلى تعزيز الحوار الاقتصادي وتبادل الرؤى بين مختلف الفاعلين، من خلال جلسات نقاش رفيعة المستوى جمعت أعضاء من الحكومة ورؤساء مؤسسات وخبراء، حول قضايا استراتيجية تمس عدة قطاعات، على غرار المحروقات.

وجرت الفعالية بحضور عدد من أعضاء الحكومة ومسؤولي المؤسسات الوطنية والفاعلين الاقتصاديين، يتقدمهم وزير المحروقات محمد عرقاب، ووزير المناجم والصناعة المنجمية مراد حنيفي، ووزير الطاقة والطاقات المتجددة كمال عجال، ووزير المالية عبد الكريم بوالزرد، ووزير الصناعة الصيدلانية وسيم قويدري، إلى جانب المحافظة السامية للرقمنة مريم بن مولود، ورئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري كمال مولى، ما يعكس أهمية النقاشات حول مستقبل الاقتصاد الوطني وتحدياته.

وانقسمت أشغال هذه النسخة إلى أربعة محاور رئيسية، خُصصت لجلسات نقاش بمشاركة وزراء وخبراء وفاعلين اقتصاديين، وتناولت قضايا الطاقة والمناجم، السيادة الرقمية، السيادة الصحية، ومناخ الاستثمار .

عرقاب: الجزائر تعزز موقعها كشريك موثوق في سوق الطاقة العالمي

افتتحت الفعالية بجلسة مخصصة للطاقة والمناجم، أكد خلالها وزير المحروقات محمد عرقاب، أن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم لا تمثل قطيعة في أسواق الطاقة، بل تعكس مرحلة إعادة توازن تبرز أهمية أمن الإمدادات واستقرارها.

وأوضح أن الجزائر تتوفر على مقومات هيكلية قوية، من بينها احتياطاتها من المحروقات وبنيتها التحتية المتطورة، خاصة خطوط نقل الغاز نحو أوروبا، ما يعزز مكانتها كشريك موثوق على المدى الطويل.

كما أشار عرقاب إلى أن الاستراتيجية الوطنية ترتكز على تعزيز الشراكات القائمة، خاصة مع أوروبا باعتبارها شريكًا طبيعيًا، إلى جانب العمل على تنويع الأسواق تدريجيًا عبر تطوير قدرات الغاز الطبيعي المسال، بما يسمح بولوج أسواق جديدة وتعزيز مرونة الصادرات.

وأضاف أن الجزائر تواصل الاستثمار في تطوير بنيتها التحتية الطاقوية وتوسيعها عبر مشاريع استراتيجية، على غرار مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، بما يدعم تموقعها كمحور طاقوي إقليمي وقاري.

خطوات متسارعة لترسيخ السيادة الرقمية في الجزائر 

أما فيما يتعلق بمحور السيادة الرقمية، فقد قدّمت المحافظة السامية للرقمنة مريم بن مولود مداخلة حول مسار التحول الرقمي في الجزائر، استعرضت خلالها أهم المراحل التي عرفها هذا المسار منذ سنة 2020.

وأشارت إلى أنه تم خلال تلك الفترة إطلاق ثلاث هياكل أساسية، تمثلت في وزارة مكلّفة بالقطاع الرقمي آنذاك، إلى جانب وكالة أمن أنظمة المعلومات، بما ساهم في وضع اللبنات الأولى لمنظومة الأمن السيبراني في البلاد، بالتوازي مع إنشاء السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي لتعزيز أمن البيانات وحمايتها.

وأضافت أنه في سنة 2023 تم استحداث هيكل استراتيجي للرقمنة على مستوى رئاسة الجمهورية، مُنح صلاحيات واسعة تشمل التخطيط والتنفيذ والمتابعة وتقييم المشاريع الرقمية، بما يعكس إرادة الدولة في تسريع وتيرة التحول الرقمي.

كما أشارت إلى إنجاز مركزين وطنيين للبيانات (Data Centers) داخل الوطن لتخزين ومعالجة بيانات الدولة، في إطار تعزيز السيادة الرقمية وتسريع رقمنة القطاع العمومي، مؤكدة أن هذه الخطوات، رغم تنفيذها في فترة زمنية وجيزة، شكّلت أساسًا لبناء منظومة رقمية متكاملة.

قويدري: الجزائر ترفع إنتاجها الصيدلاني إلى 83% وتطلق مشروعًا استراتيجيًا للبيوتكنولوجيا 

وعلى مستوى السيادة الصحية، قدّم وزير الصناعة الصيدلانية وسيم قويدري مداخلة استعرض فيها واقع القطاع الصيدلاني في الجزائر وآفاق تطويره، مبرزًا أن البلاد شهدت خلال السنوات الأخيرة تنسيقًا مكثفًا بين الدولة والصناعة والمؤسسات، خاصة في ما يتعلق بتخطيط المخزون وتلبية الاحتياجات، وهو ما ظهر بوضوح خلال جائحة كوفيد-19.

وأوضح الوزير أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الإنتاج الوطني وتقويته، مشيرًا إلى أنه تم دعم عدد من المشاريع الاستراتيجية في هذا الاتجاه، بما سمح بالانتقال نحو إنتاج المواد الأولية محليًا وتقليص التبعية للاستيراد.

كما كشف عن التحضير لإطلاق مشروع استراتيجي يتمثل في مركز تكنولوجي للبيوتكنولوجيا مخصص لإنتاج اللقاحات والأدوية البيطرية والبشرية، يضم باحثين من الجالية الجزائرية في الخارج إلى جانب خبراء محليين ومعاهد باستور، في إطار دعم البحث العلمي وتعزيز القدرات الوطنية.

وأشار قويدري إلى أن هذا المركز يهدف إلى تعزيز الأمن الصحي الوطني وضمان الجاهزية في حالات الأزمات، موضحًا أنه خلال جائحة كوفيد-19 واجهت الجزائر صعوبات في توفير بعض العلاجات في وقت سريع بسبب الاعتماد على الاستيراد، بينما سيسمح هذا المشروع مستقبلًا بتطوير علاجات أولية خلال فترة قصيرة تتراوح بين 15 و20 يومًا، إضافة إلى إمكانية تطوير لقاحات وفق طبيعة كل وباء.

وفي عرض الأرقام، أفاد الوزير بأن الجزائر تمتلك 233 وحدة إنتاج صيدلاني، وتغطي حوالي 83% من احتياجاتها الوطنية من الأدوية، ما يجعلها من بين أبرز المنتجين في القارة الإفريقية.

أما على صعيد الرؤية المستقبلية، فأكد أن الهدف يتمثل في الجمع بين تعزيز السيادة الصحية الوطنية وترسيخ موقع الجزائر كشريك صناعي مرجعي في إفريقيا، مشيرًا إلى أن الفجوة القارية في هذا المجال لا تزال كبيرة، حيث لا تتجاوز نسبة تغطية الأدوية في إفريقيا 5%.

وأضاف أن الجزائر بدأت فعليًا في توسيع تعاونها الإفريقي من خلال توقيع نحو 8 إلى 9 اتفاقيات لتزويد عدد من الدول بالأدوية الأساسية، فضلًا عن اختيارها للعب دور محوري في المجال اللوجستي الصيدلاني ضمن سوق يُقدّر بمليارات الدولارات، مع التوجه نحو تعزيز الإنتاج المحلي لتلبية الطلب الإفريقي.

وفي ما يخص ميزانية قطاع الصحة، أوضح أنها تُقدّر بـ7.8 مليار دولار، وتُوجّه أساسًا لتحسين البنية التحتية الصحية ورفع جودة التكفل بالمرضى ودعم التحول الرقمي في القطاع الصحي، بعيدًا عن مجال إنتاج الأدوية . 

وفي ختام أشغال هذه النسخة، تم عرض نتائج استطلاع PwC Global CEO Survey، الذي شمل 4500 قائد أعمال في 105 دولة، مقدّمًا قراءة مقارنة بين التوجهات العالمية والواقع الوطني.

وكشفت النتائج أن 83% من القادة الجزائريين متفائلون بشأن نمو الاقتصاد الوطني خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، فيما اعتبر 55% منهم أن التضخم يشكل تهديدًا كبيرًا لأنشطتهم، ما يعكس مستوى من الوعي الاقتصادي.

كما أظهر الاستطلاع أن 43% من القادة يعتزمون الحفاظ على استثماراتهم الكبرى أو زيادتها رغم السياق الدولي غير المستقر، في إشارة إلى مرونة النسيج الاقتصادي الجزائري، بينما وضع 50% الأمن السيبراني والسيادة التكنولوجية ضمن أولوياتهم الاستراتيجية، إلى جانب اعتبار 47% أن الابتكار يمثل رافعة أساسية في استراتيجيات النمو.

وتبرز هذه النتائج وجود نسيج اقتصادي جزائري يتجه بثقة نحو المستقبل، قادر على التكيف مع التحولات العالمية مع الحفاظ على طموح النمو.

كما تؤكد النسخة الثانية من CEO Survey مكانتها كمنصة استراتيجية للحوار وتبادل الخبرات بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، في خدمة التنمية المستدامة وتعزيز السيادة الاقتصادية.

مقارنة مناخ الأعمال تؤكد تحسن موقع الجزائر اقتصاديًا

وفي سياق التظاهرة، أكد المدير العام لغرفة الجزائر للتجارة والصناعة شكيب قويدري، أن الملتقى شكل فرصة مهمة للقاء بين المتعاملين الاقتصاديين ومؤسسات الدولة المرافقة للاقتصاد، بما سمح بتبادل الرؤى حول واقع مناخ الأعمال في الجزائر.

وأوضح أن هذا اللقاء أتاح أيضًا إجراء مقارنة بين مناخ الأعمال في الجزائر ونظيره في عدد من الدول، ما يعكس، حسبه، أن الجزائر تسير في الطريق الصحيح من حيث تحسين بيئة الاستثمار وتعزيز جاذبيتها.

وأضاف أن مستوى الثقة لدى المتعاملين الاقتصاديين في مناخ الأعمال وفرص الاستثمار آخذ في الارتفاع، إلى جانب التفاؤل المرتبط بنسب النمو المستقبلية، وهو ما يعزز التوقعات الإيجابية بشأن المرحلة المقبلة.

ومن جهته أكد المدير المشارك لدى PwC، كريم ساسي، أن دراسة “CEO Survey” تُعد تمرينًا سنويًا يُقدَّم على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، وتهدف إلى استشراف آراء وتصورات صناع القرار الاقتصادي عبر العالم.

وأوضح أن هذه النسخة، الثانية من نوعها في الجزائر، أبرزت مؤشرات قوية تعكس تطورًا ملحوظًا وإيجابيًا في تصورات رؤساء المؤسسات حول الاقتصاد الوطني.

وأضاف أن هذه الدورة شكلت أيضًا فرصة للتطرق إلى عدد من القضايا المرتبطة بالسيادة، باعتبارها محورًا أساسيًا في السياسات العمومية المنتهجة منذ سنة 2020، مشيرًا إلى أن المعطيات الحالية تُبرز مدى الأثر الإيجابي لهذا التوجه على أرض الواقع.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services