20
0
تجليات مرحلة ايران : معادلة الردع والاحتواء


بقلم كمال برحايل
جاء البيان الصادر عن مقر خاتم الأنبياء لقيادة الحرس الثوري، بالنبأ المثير فيه الدهشة والخبر اليقين، عن قصف القوة الجو فضائية الإيرانية، للقواعد الجوية الإسرائيلية كاهداف تعبوية، من حيث تنطلق الطائرات المغيرة على الضاحية الجنوبية في بيروت.
يحدث هذا لأول مرة في لحظة تاريخية فارقة بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار، وفي مضمونه يتحقق ذلك الحلم الذي طالما ساور الجميع، لإرتباطه بمعادلة انه لاتراجع عن وحدة الساحات في المواجهة المفتوحة او خرق الخطوط الحمراء بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإسرائيل، تلك هي الضوابط المحددة لقواعد الاشتباك.
ان هذا التحول النوعي في الحرب يؤكد على الجاهزية العملياتية لقدرات الحرس الثوري، ليستقر على مبدأ ثابت للردع والاحتواء على جبهات المقاومة بغض النظر عن التطورات المتأرجحة أو مسعى التسوية الشاملة الطارئة على الموقف التفاوضي بين الأطراف المتحاربة، حيث تتلاقى بصيغة الحكمة مع مقولة تنسب لملك الفرس كسرى انو شروان، " لا تنم عن عدو غائب تأمن لعدو تائب"، وبهذا الرد ترتسم فيه ملامح مرحلة ايران، بعد تحييد الحلفاء في الاتحاد الأوروبي اوربا ومجلس التعاون الخليجي.

ومن هذا السياق تبدى يقيناً بعد استهداف العمق الإسرائيلي، تلاه مباشرةً انخراط رسمي لحركة أنصار الله في اليمن، مبادرةً بإطلاق صاروخ إلى فلسطين المحتلة مع فرض حصار بحري في باب المندب على السفن المتوجهة إلى الموانئ لإسرائيلية، تلك الحقائق الفائقة التوقعات كشفت عن المسلمات الآتية :
أولاً: افلاس نظرية الأمن الإسرائيلي وضرب المناعة السياسية والعسكرية
ثانياً: استباحة العمق الإسرائيلي بدون سابق إنذار بموجب توازن الردع .
ثالثا: ربط حصانة الضاحية الجنوبية في بيروت بمعادلة الحرب .
رابعا: تغيير الملف النووي بالمضايق البحرية في هرمز وباب المندب .
ولعل ما يمكن إدراكه ايضا خطورة التوقيت لاتخاذ قرار الرد المشروع على إسرائيل، هو الإمساك بخيار إيقاف الحرب او التصعيد تحسباً لمراجعة الموقف الاستراتيجي، على امتداد وحدة الساحات من اليمن إلى العراق هو المؤشر بقدرة ايران على توظيف العديد من الأوراق الرابحة في الحرب، بداية من مضيق هرمز إلى باب المندب ثم ردع العدوان على لبنان، وبالتالي لم تعد جبهة المقاومة محصورة الشأن بيّن الفصائل اللبنانية والفلسطينية، وتحديداً بعد اقدام حركة المقاومة الإسلامية في غزة، على فتح الباب الشرعي والاخلاقي والسياسي لايران لتصبح الطرف الأصيل ضمن جبهة المقاومة في خطوة استباقية لإقحام الطابع القومي للصراع الحضاري مع الغرب، وإيقاف قافلة التطبيع بموجب المعاهدة الإبراهيمية ومشروع إسرائيل الكبرى في المنطقة.
بالتالي نتلمس طبيعة التغير في أبعاد هذه المنازلة الاستثنائية، هو الانتقال من أسلوب التأديب إلى ضرورة الانتقام مع الحرص بجعله مقتصر بين التناسب والضرورة، اعتباراً لمجمل الأوضاع الدولية ثم يتحول الصبر الاستراتيجي إلى فتح الحساب المغلق بأثر رجعي ولن يطوى ببساطة او بتلقائية، على مسار طاولة التفاوض عبر منصة إسلام أباد .
وفي مقابل هذه التطورات المستجدة وعلى قناة الميادين، يستمر سماع صوت صافرات الإنذار المتتالية،مبقية الأنظار شاخصة على تدفق المشاهد وسماع دوي الصواريخ، حاملة الرعب والإحباط في حيفا والجليل الأعلى، بحسب ما تكشفه مقالة في صحيفة هارتس حاييم ليفنسون، بقوله" نكذب على أنفسنا اليوم نحن في وضع لن نتمكن من استعادة احساسنا بالأمن الشخصي، وكل تهديد إيراني سيجعلنا نرتعد لقد تعرضت مكانتنا الدولية لضربة قوية، وظهر ضعف قيادتنا للخارج القريب والبعيد، نجحنا لسنوات في خداع العالم وأقنعنا انفسنا، بأننا دولة قوية وشعب حكيم وجيش قوي،لكن الحقيقة نحن مجرد قوة جوية شرط ان تستيقظ في الوقت المناسب ".
وأخيراً يتمكن محور المقاومة مرة أخرى، عقب هذه الضربة الإيرانية القاسية من فرض معادلة الضاحية مقابل الشمال، وباستحالة فصل الملف اللبناني من المعادلة الإقليمية في الصراع، ولكن هذا الإنجاز في إسرائيل يعبر عن انتكاسة قاسية للمستوى السياسي والعسكري والأمني، الذي سيجبر لامحالة رغم أنفه على اعادة تقدير الموقف وقراءة المخاطر ،بعدما تيقن بالعجز المطلق عن شن الحرب الشاملة، في بيئة إقليمية معادية نتيجة لانكشاف الجبهة الداخلية، بدون حماية أمام الضربات الصاروخية المتعددة لجبهة المقاومة.
آخر الكلام: إرنستو تشي غيفارا .
" كل شيء يصبح جميلاً عندما نريد ان نراه جميلاً، نحن أسياد افكارنا ".

