34
0
أطفال بين براثن الإدمان و أمل يرسم طريق النجاة
بركة نيوز ترصد لكم قصص التعافي من الإدمان من مركز بوشاوي

قام فريق "بركة نيوز" بزيارة ميدانية إلى المركز الوطني لوقاية ومكافحة المخدرات، التابع للمنظمة الوطنية لرعاية الشباب في غابة بوشاوي بالعاصمة، وذلك للاطلاع عن كثب على دوره الحيوي في مكافحة الإدمان ومرافقة الشباب في رحلة التعافي.
نسرين بوزيان

عند وصولنا إلى المركز، كان أول ما لفت انتباهنا لافتة كبيرة وضعت عند المدخل تحمل العبارة: "سلك روحك من المخدرات" لم تكن هذه العبارة مجرد شعار توعوي عابر بل كانت بمثابة رسالة مباشرة وصريحة ، تعكس الجهود المكثفة التي يبذلها المركز في محاربة الإدمان ومساعدة الشباب على النجاة من هذه الآفة.
بمجرد دخولنا إلى الساحة الخارجية للمركز لفت انتباهنا الحضور الكبير من الشباب والمراهقين، إلى جانب الأمهات والآباء الذين كانوا في انتظار أبنائهم، كانت الأنظار مشدودة نحو الأخصائيين في الردهة حيث كانوا في جلسة مع أبنائهم، يترقبون بفارغ الصبر أي أخبار تطمئنهم عن حالتهم وأملهم في أن يخرج أبنائهم من دائرة الإدمان.
حين يسرق الإدمان الطفولة مبكرا

أثناء تجولنا في أروقة المركز، لفت انتباهنا مشهد مراهق بدا في حالة من الارتباك الشديد، كان يضع يده على رأسه كما لو كان يحاول أن يوقف سيل الندم المتدفق داخله، كانت ملامحه تحمل براءة الطفولة، مما جعلنا نتساءل: كيف وصل هذا الطفل إلى هذه الحالة؟ بدا وكأنه وقع فجأة في عالم لا يعرفه، محاطا بأحداث لا يدرك تماما تبعاتها.
فتح هذا المشهد أمامنا العديد من التساؤلات حول الأسباب التي دفعته إلى هذا الطريق، وكيف سيعمل المركز على إعادة رسم مسار حياته بعيدا عن هذا المنزلق الذي وقع فيه، مع ذلك، لم يكن مصير هذا المراهق محكوما عليه بالضياع، كانت اللحظة الحاسمة في حياته عندما تم توجيهه إلى المركز الوطني لوقاية ومكافحة المخدرات في بوشاوي، كان تدخل المركز بمثابة يد الإنقاذ التي ساعدته على الخروج من دائرة الظلام إلى النور.

توجهنا إلى الطفل ياسر الذي لفت انتباهنا في المركز برفقة الأخصائية النفسانية وعندما سألناه عن حاله، أجابنا بجملة عفوية: "والفت بلا بيها" وهي تعبير عن تأقلمه مع الحياة دون المخدرات بعد أن كان يتعاطى بشكل مفرط، يوميا وهو في سن لم يتجاوز الخامسة عشرة، هذا التغيير الواضح في سلوكه أظهر أنه بدأ يدرك تماما عمق التورط الذي وقع فيه.
رغم التقدم الملحوظ في مسار تعافيه، أدرك ياسر أن الطريق إلى الشفاء ليس خاليا من الصعوبات والتحديات، بينما بدأ يلمس ثمار الجهد الذي بذله في المركز، كان يعاني من ضغوط نفسية ومعنوية شديدة ناتجة عن خوف وقلق والديه اللذين اكتشفا حجم المخاطر التي كانت تهدد مستقبل ابنهما، مما جعلهما يدخلان في صراع داخلي مرير بين حب عميق وخوف مستمر على مصير ياسر.
تمثل هذا الخوف بشكل خاص في انعدام الثقة خصوصا من جانب الأم التي كان لها الأثر الأكبر في هذه المرحلة، الأم التي لطالما حلمت بأن يرفع ابنها رأسها، أصبحت اليوم تعيش حالة من القلق المستمر، ورغم أن خوفها كان ينبع من حب عميق إلا أنه في بعض الأحيان كان يتحول إلى ضغط خانق يثقل كاهل ياسر بدلا من أن يحرره.
هي أم تخاف على ابنها من العودة إلى السقوط لكنها لم تكن تعرف كيف تعبر عن هذا الخوف بطريقة تساعده على التقدم، تأتي تصرفاتها مشحونة بالقلق والرقابة بدلا من الطمأنينة والثقة، مما يضاعف من معاناته ويزيد من صعوبة التقدم نحو التعافي.
في خضم هذا التوتر، كان ياسر يقف على حافة بداية جديدة وهو في حاجة ماسة إلى يد تمسك به برفق، لا أن تدفعه إلى الوراء دون قصد، يحتاج إلى احتواء حقيقي يعينه على النهوض بدلا من الضغط الذي قد يعيده إلى الدوامة التي كافح للخروج منها.
وفي تلك اللحظة، تدخلت الأخصائية النفسية بحكمة وهدوء مدركة تماما أن ياسر بحاجة إلى دعم نفسي عميق كي يواصل مسار التحول الذي بدأه،تحدثت إليه بلغة مليئة بالطمأنينة، مشيرة إلى أهمية التواصل مع والديه وكيفية التعامل مع مخاوفهم من خلال الحوار والاحتواء، كانت كلماتها بمثابة الضوء الذي يوجهه نحو تقويم خطواته في رحلة التعافي.
التحول الذي مر به ياسر لم يكن تحولا مفاجئا بل كان تدريجيا هادئا وعميقا تجسد في نبرة صوته ، التي كانت تحمل شذرات من الندم والتفكير العميق وفي نظراته التي كانت تترجم رحلة مريرة من المراجعة الذاتية.
وعن سلوكياته اليوم في رحلة التعافي، أكد ياسر أنه لم يعد كما كان في السابق على الرغم من المحاولات المستمرة من بعض أصدقائه لإغرائه بالعودة إلى دائرة الإدمان، إلا أنه كان حازما في قراره بعدم العودة إلى تلك الطريق المظلمة، إذ تغيرت أولوياته بشكل جذري، وأصبح المال الذي كان ينفقه سابقا على المخدرات يوجه الآن إلى احتياجاته الأساسية، مثل شراء الطعام والملابس لنفسه قال بعفوية: "وليت نفشش روحي".
مشيرا إلى أنه بدأ يعود لممارسة شعائره الدينية بانتظام وهو ما شعر أنه أساس رئيسي لاستعادة توازنه الروحي، وفي لحظة صادقة وبنبرة مفعمة بالتوبة والرجوع، قال: "وليت نصلي" كانت هذه الجملة بمثابة إعلان عن بداية حياة جديدة مليئة بالأمل والالتزام.
ياسر الذي كان يوما ضائعا في عالم المخدرات بدأ يتلمس طريقا جديدا نحو الاستقرار بمساعدة المركز، قد انخرط في جلسات الدعم النفسي، وبدأ يمارس الرياضة بانتظام، بينما كانت "تيزانة انتيك" التي يقدمها المركز تساعده على التخفيف من التوتر، كما استفاد من جلسات الحجامة التي تساهم في استعادة التوازن الجسدي والنفسي، مما ساعده في إحداث تحول تدريجي في حياته.
بعد انتهاء الجلسة مع ياسر بدأت جلسة والده عماد في سياق متابعة وضع الأسرة وتأثير مرحلة التعافي على أجواء المنزل، أشار عماد إلى أن سلوكيات ياسر قد تغيرت بشكل ملحوظ خاصة في طريقة حديثه وتفاعله مع أفراد الأسرة، لكن هذه التغييرات لم تخلو من بعض القلق حيث أوضح عماد أن ياسر أصبح يستخدم أسلوبا حادا أحيانا في الحديث، هو ما أثار لدى والده بعض المخاوف الإضافية بشأن حالة تحسن ابنه.
في هذا السياق، تدخلت الأخصائية النفسانية لتوضح أن مرحلة التعافي غالبا ما ترافقها تغيرات سلوكية قد تبدو متذبذبة في البداية، وأكدت أن الحدة أو التمرد اللفظي لا يعد بالضرورة دليلا على تراجع بل هو جزء من عملية إعادة تشكيل الشخصية في هذه المرحلة، لذلك يجب أن تكون الأسرة أكثر مرونة في تعاملها مع ياسر واحتوائه ودعمه بشكل أكبر، إذ إن التفاهم والمرونة هما السبيل لتعزيز استقراره النفسي والعاطفي وبناء الثقة بينه وبين أسرته.
ليخبرها عماد أن زوجته رغم محاولاتها المستمرة لإعادة بناء الثقة مع ياسر، تجد صعوبة في التكيف مع سلوكياته الجديدة وتشعر بخيبة أمل بسبب عدم التزامه بالقواعد المنزلية مثل مواعيد العودة إلى البيت.
وتؤكد الأخصائية أن المرحلة التي يمر بها ياسر تتطلب أسلوبا قائما على التوجيه الهادئ بدلا من التوبيخ أو الإلزام الصارم، مشيرة إلى أن الحوار المبني على الثقة والاحتواء يساعد ياسر على التكيف بشكل أفضل داخل أسرته، مما يسهم في تقدمه في رحلته نحو التعافي.
فضول عابر فتح أبواب الإدمان
بينما كانت حالة ياسر تتطلب نهجا تدريجيا في التوجيه، ننتقل الآن إلى الحالة الثانية حيث نجد شابا آخر يدعى عبد السلام، يبلغ من العمر 18 عاما يعاني من إدمان حديث نسبيا لا يتجاوز أربعة أشهر، ورغم أن مدة إدمانه قصيرة مقارنة بحالة ياسر إلا أن آثار الإدمان بدأت تظهر على سلوكه اليومي وتوازنه النفسي والعاطفي، مما يستدعي أيضا تدخلا عاجلا لمساعدته في تجاوز هذه المرحلة الحرجة.
أشار عبد السلام إلى أنه كان يتعاطى المواد المخدرة في فترات الليل حيث كانت الوحدة والفراغ يدفعانه إلى البحث عن شيء يغطي شعوره بالملل ، كان يشعر بأن المخدرات هي الوسيلة الوحيدة للهروب من مشاعر الفراغ العاطفي والنفسي التي كانت تسيطر عليه، مما دفعه إلى التمادي في تعاطيها بشكل متكرر.
رغم أنه كان يصف تجربته بالإدمان "الحديث" إلا أن المؤشرات الأولية على سلوكه اليومي كانت واضحة، بدأ يعاني من اضطرابات في النوم حيث كان يستيقظ في منتصف الليل ويشعر بالتعب والإرهاق طوال اليوم..
عند سؤال الأخصائية عن الدوافع التي دفعته لتجربة المخدرات، أجاب عبد السلام أن الفضول كان السبب الرئيسي في البداية، لكن الضغط الاجتماعي من أصدقائه الذين كانوا يتعاطون المخدرات لعب دورا كبيرا في دفعه للإدمان قائلا: "أنا خاطيني هادي طريق عندي 4 أشهر برك".
في هذا السياق، أوضحت المختصة أن الاستمرارية في التعاطي قد تؤدي إلى تحول سريع من تجربة إلى اعتماد حقيقي خاصة في هذا العمر، حيث تكون القدرة على ضبط النفس والوعي بمخاطر المخدرات محدودة.
كما قدمت له خطة علاجية شاملة تضمنت العلاج السلوكي التدريجي الذي يهدف إلى تغيير العادات المرتبطة بتعاطي المخدرات خاصة في الفترة الليلية، علاوة على الابتعاد عن مدمني المخدرات والعمل على استبدال هذه العادات بأنشطة ترفيهية بديلة مثل ممارسة الرياضة ، وشددت الأخصائية على أهمية إشراك أفراد العائلة في المسار العلاجي لأن نجاح العلاج يعتمد بشكل كبير على دورهم في عملية الاحتواء والدعم النفسي.
الانتكاس ليس نهاية الطريق

في ختام الجلسات، وللاطلاع أكثر على عمل المركز وعلى كيفية إدارة هذا المسار العلاجي، أجرينا حوارا مع الأخصائية في علم الاجتماع العائلي والطفولة والرعاية الاجتماعية، مهيدي رفيقة، العاملة بالمركز التي أوضحت أن تشخيص حالات الإدمان لدى فئة الشباب لا يتم بشكل مباشر أو عشوائي، بل يعتمد على مجموعة من المؤشرات السلوكية الدقيقة التي تساعد المختصين على فهم الحالة النفسية للمدمن في مراحلها الأولى، ومن أبرز هذه المؤشرات النفور، والانطواء، والانسحاب من التواصل المباشر، وهي علامات غالبا ما تعكس حالة من الرفض أو الانغلاق أمام أي محاولة للتدخل العلاجي.
وأشارت الأخصائية أن أغلب الحالات في بداية العلاج تتسم بالحذر الشديد حيث يتجنب المدمن الحديث أو يتعامل بتحفظ واضح مع المختصين، معتبرا في كثير من الأحيان أن الجلسات غير مجدية أو مفروضة عليه ، هذا الرفض غالبا ما يكون تعبيرا عن خوف أو عدم استعداد نفسي للدخول في تجربة علاجية جديدة.
وفي هذا السياق، أوضحت مهيدي أن طريقة إجابة المريض داخل الجلسة تحمل دلالات مهمة إذ قد يظهر أحيانا نوع من التهكم أو الاستهزاء أو التقليل من جدية الحوار العلاجي، وهو ما يجعل مهمة المختص أكثر تعقيدا في فهم الوضع الحقيقي للمريض. كما قد يلجأ بعض المرضى إلى المراوغة أو تقديم معلومات غير دقيقة، سواء بدافع الخوف أو الإنكار أو محاولة الحفاظ على مسافة نفسية بينهم وبين المختص.
وأكدت المختصة أن الجلسة الأولى لا تهدف إلى العلاج المباشر بقدر ما تهدف إلى بناء جسور الثقة وهي في الغالب جلسة قصيرة تخصص للقراءة النفسية الأولية وفهم شخصية المريض وطريقة تفاعله، باعتبارها خطوة أساسية في إعداد خطة علاجية تتناسب مع كل حالة على حدى، ولابد من الإشارة إلى أن الحالة النفسية للمريض خلال الجلسة الأولى غالبا ما تكون مضطربة، وقد تتراوح بين الصمت، الانسحاب أو حتى البكاء.
وأوضحت الأخصائية أن المرحلة التالية تعتمد على بناء الثقة مع المريض بشكل تدريجي حيث يتم استخدام أسلوب هادئ يتفهم حالته النفسية ويعزز شعوره بالأمان خلال الجلسة ، وذلك لأن نجاح العلاج يرتبط بشكل كبير بقدرة المختص على توفير بيئة يشعر فيها المريض بالقبول والتفهم، دون أن يشعر بالحكم عليه.
كما تشير إلى أن العديد من الحالات تبدأ في إبداء قدر أكبر من التعاون مع بداية الانفتاح التدريجي حيث يتغير موقف المريض شيئا فشيئا ، وقد يطلب البعض حضور أحد أفراد العائلة في الجلسات اللاحقة، خاصة بعد إدراكهم لأهمية عنصر السرية الذي يعد ركيزة أساسية في نجاح العملية العلاجية ،مع الحرص المستمر على أن الهدف ليس الحكم على المريض أو توبيخه بل مساعدته على تجاوز وضعه.
لفتت الأخصائية إلى أن التعاطي يبدأ غالبا في سن مبكرة نتيجة مشاكل أسرية مثل التفكك والعنف الأسري، إلى جانب تأثير رفقة السوء والظروف الاقتصادية الصعبة والعلاقات العاطفية الفاشلة أو المشاكل العائلية المستمرة، مما يدفع الشاب إلى تعاطي المخدرات كوسيلة للهروب.
وعن العلاج بالطبيعة في بيئات هادئة مثل الغابات، أوضحت الأخصائية أن هذا النوع من العلاج يساعد المدمنين على التأقلم مع البيئة الجديدة وتقليل التوتر من خلال تقنيات الاسترخاء والتأمل، إضافة إلى سرد قصص واقعية عن التعافي لتحفيز المريض على التغيير، وتتضمن هذه القصص التوعية بالعواقب القانونية والاجتماعية لتعاطي المخدرات.
كما أكدت الأخصائية أن أسلوب الحوار والتواصل يعد جزءا أساسيا في العلاج حيث يبدأ الأخصائي بالتفاعل مع المدمن عبر أسئلة وأجوبة بسيطة لفهم تفكيره، ثم يعمل تدريجيا على توجيهه نحو تعبير أفضل عن نفسه.
وفيما يتعلق بدور العائلة، أشارت الأخصائية إلى أن استقرار البيئة العائلية يعد عنصرا جوهريا في تحسين سلوك المدمن، يتم إشراك العائلة في بعض الحالات من خلال جلسات إرشاد تهدف إلى حل المشاكل الأسرية التي قد تكون سببا في توجه الأبناء نحو تعاطي المخدرات.
أما عن انتكاس بعض المرضى، أكدت الأخصائية أنه جزء من مسار التعافي الطبيعي حيث قد يعود المدمن للتعاطي في لحظات ضعف أو عند مواجهة ضغوط نفسية أو اجتماعية، ومع ذلك، لا يعتبر الانتكاس نهاية العلاج بل هو فرصة لفهم الأسباب التي أدت إلى العودة إلى التعاطي.
بين ياسر الذي بدأ يشعر ببصيص الأمل وهو يخطو خطواته الأولى نحو استعادة حياته الطبيعية، وعبد السلام الذي ما زال غارقا في دوامة الأسئلة حول ماضيه وما مر به، يحاول أن يفرز حقيقة ماضيه قبل أن يخطو أي خطوة نحو التغيير، مع مرور الوقت سيدرك أنه لا يمكن للإنسان أن يتقدم نحو المستقبل دون التصالح مع ماضيه أولا.
التعافي من الإدمان رحلة طويلة وشاقة، تحتاج إلى شجاعة لا متناهية لتجاوز التحديات وإرادة فولاذية للتمسك بالأمل حتى في أحلك الأوقات.

