20
0
تعليم الأطفال الصيام بلطف وروحانية رمضان

يمثل شهر رمضان المبارك مناسبة مميزة للأطفال حيث يعيشون أجواءه الروحانية المليئة بالفرح والحماس ويسعون إلى مشاركة الكبار في العبادات والأنشطة الرمضانية المختلفة.
نسرين بوزيان
غير أن بعض الآباء يقعون في خطأ شائع حين يرددون أمام أبنائهم أنهم ما زالوا صغارا ولا يستطيعون الصيام وهو ما قد يجعل الطفل يكبر دون أن يعتاد تدريجيا على هذه العبادة، ليجدها ثقيلة وصعبة عند بلوغه سن التكليف.
وبالرغم من أن الصيام من الناحية الشرعية غير واجب على الطفل قبل بلوغه سن التكليف إلا أن تعويد الطفل عليه بشكل تدريجي يعد أمرا تربويا مهما، يساعده على اكتساب القدرة على ممارسته بسهولة لاحقا، ويكون ذلك من خلال التدرج في عدد ساعات الصيام، كأن يبدأ الطفل بالصيام حتى منتصف النهار ثم حتى وقت العصر، أو الامتناع عن الطعام مع السماح له بشرب الماء عند الحاجة، مع مراعاة حالته الصحية وقدرته الجسدية حتى لا يتحول الصيام إلى عبء يثقل عليه.

في هذا السياق، أشارت الاستشارية الأسرية والتربوية، أم درة شريشي، في حديثها لـ"بركة نيوز" إلى أن كثيرا من الآباء يتساءلون حول ما إذا كان من الأفضل السماح للأطفال بالصيام أو منعهم خوفا على صحتهم، خاصة عندما يظهر الطفل رغبة قوية في تقليد الكبار ومشاركتهم هذه العبادة، وهو ما يضع الأولياء أحيانا في حيرة بين تشجيع الطفل على الصيام من جهة والخوف عليه من الإرهاق أو التعب من جهة أخرى.
وأوضحت شريشي أن القرار في هذه الحالة يعتمد بالدرجة الأولى على طبيعة الطفل وقدرته الصحية، فإذا كان الطفل قوي البنية وقادرا على الصيام دون أن يتعرض للإرهاق أو الضرر يمكن تشجيعه على الصيام كنوع من التدريب التدريجي، أما إذا لاحظ الوالدان أن الصيام يسبب له تعبا شديدا أو صعوبة في إكمال يومه بشكل طبيعي، من الأفضل السماح له بالإفطار حفاظا على صحته خاصة أن الصيام غير واجب عليه قبل البلوغ.
ونوهت شريشي إلى أن من الأخطاء التي يقع فيها بعض الأولياء إجبار الأطفال على الصيام، وهو أمر غير صحيح من الناحية التربوية والدينية، لأن الله تعالى لم يفرض الصيام على الإنسان إلا بعد بلوغه سن التكليف، في المقابل هناك أولياء يمنعون أبناءهم تماما من الصيام حتى وإن كانوا قادرين على ذلك ويرغبون فيه وهو ما يحرم الطفل من فرصة التدرج في تعلم هذه العبادة، الطفل الذي يمتلك القدرة على الصيام يمكنه أن يعيش أجواء رمضان ويشارك أسرته فرحة الصائمين، ما يساعده على اكتساب هذه العادة تدريجيا حتى تصبح جزءا طبيعيا من حياته عند الكبر.
كما لفتت إلى أن الأطفال غالبا ما يسعون إلى صيام أكبر عدد ممكن من الأيام بدافع التنافس مع إخوتهم الأكبر سنا أو التفاخر أمام أصدقائهم وأقرانهم، وهو ما يجعل دور الأسرة مهما في دعم الطفل وتحفيزه بطريقة إيجابية بعيدة عن الضغط أو الإكراه، حتى تتشكل لديه علاقة صحية ومتوازنة مع الصيام ويصبح بالنسبة له تجربة ممتعة وليست عبئا ثقيلا.
وذكرت الاستشارية أن تشجيع الأطفال على الصيام ليس أمرا جديدا، قد كان الصحابة يحرصون على تعويد أطفالهم على الصيام بأساليب بسيطة ومرحة، إذ كانوا يصنعون لهم ألعابا من الصوف يلهون بها خلال النهار، فإذا شعر أحدهم بالجوع أو التعب انشغل باللعب حتى يحين وقت الإفطار وهو ما كان يجعل تجربة الصيام بالنسبة للطفل ممتعة ومليئة بالحماس.
كما يمكن لأسرة الطفل الذي يصوم لأول مرة اعتماد أساليب فعالة مشابهة لما كان عليه الصحابة، عبر إشغال الأطفال بأنشطة خفيفة وبرامج تعليمية وترفيهية ممتعة تساعدهم على قضاء النهار بسلاسة بعيدا عن التركيز على شعورهم بالجوع، مما يجعل تجربة الصيام أكثر متعة وتحفيزا لهم ، علاوة على ذلك يمكن تحفيز الطفل بالكلمات الطيبة أو إقامة احتفال بسيط عند إتمامه يوما كاملا من الصيام لأول مرة، بعض العائلات الجزائرية تحتفل بهذه المناسبة تقديرا لجهوده وتشجيعا له على الاستمرار، بما يعزز العلاقة الإيجابية مع الصيام ويجعل هذه العبادة تجربة شيقة وممتعة منذ الصغر.
في ختام حديثها، شددت شريشي على أهمية القدوة الحسنة داخل الأسرة، إذ يتأثر الأطفال بشكل كبير بسلوك الوالدين وطريقة تعاملهم مع الشهر الفضيل كلما شاهد الطفل والديه يستقبلان شهر رمضان بالفرح والسكينة ويحرصان على العبادة والهدوء داخل البيت، اكتسب هذه القيم بشكل تلقائي أما إذا ارتبط رمضان داخل البيت بالتوتر أو الشجار أو العصبية، قد تتكون لدى الطفل صورة سلبية عن هذا الشهر المبارك.

