29

0

سيرة ومسيرة.. مروان البرغوثي

 

 

بقلم: شريف إبراهيم احمد - مصر

 

 

يُولد بعض الرجال من رحم الحكاية، ويولد آخرون ليصنعوا الحكاية نفسها. وبين الولادة والصناعة يقف اسم مروان البرغوثي، كأحد أبرز الوجوه التي اختزلت مسار النضال الفلسطيني الحديث، وجعلت من السجن فضاءً آخر للحرية، ومن القيود نصوصًا تُكتب بالروح لا بالحبر.

البدايات: طفل من نار وأسئلة

في قرية كوبر، قرب رام الله، وُلد البرغوثي عام 1959، في زمنٍ كانت فيه الأرض تنوء تحت ثقل الاحتلال، وكانت الطفولة نفسها مشروع مقاومة. لم يكن الصبي الذي شبّ على الحجارة والطرقات الضيقة يدرك أنه سيغدو يومًا أحد رموز حركة فتح، لكن البدايات كانت تنبئ بذلك؛ إذ التحق بالحركة في سن مبكرة، وذاق طعم الاعتقال وهو لم يزل في مقتبل العمر.

بين الحلم والمنفى

في سنوات الشباب، تنقّل البرغوثي بين الاعتقال والنفي، فكان المنفى محطة أخرى لتشكيل وعيه السياسي. في تونس، حيث استقرت قيادة منظمة التحرير، تعمّق في فهم السياسة، وارتبط اسمه أكثر بمسار منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت آنذاك تمثل الحلم الجمعي للفلسطينيين في الداخل والشتات.

عودة إلى الأرض… لا إلى الحياة العادية

مع توقيع اتفاق أوسلو، عاد البرغوثي إلى الأراضي الفلسطينية، لكن عودته لم تكن عودة إلى الاستقرار، بل إلى اشتباكٍ أكثر تعقيدًا مع الواقع. انتُخب عضوًا في المجلس التشريعي، وصار صوتًا بارزًا داخل الحركة الوطنية، يجمع بين العمل السياسي والميداني، في لحظة كانت تتأرجح فيها القضية بين السلام الموعود والواقع المحتدم.

الانتفاضة… حين يتكلم الشارع

مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، برز البرغوثي كأحد أبرز القادة الميدانيين. لم يكن مجرد اسم في نشرات الأخبار، بل كان عنوانًا لحالة شعبية تغلي، وصوتًا يعكس غضب الشارع الفلسطيني. في تلك المرحلة، أصبح رمزًا للمقاومة، ومثار جدل في آنٍ واحد، بين من رآه قائدًا وطنيًا، ومن وضعه في خانة المواجهة المباشرة مع الاحتلال.

الاعتقال: الجسد في الأسر… والفكرة طليقة

في عام 2002، اعتقلته إسرائيل بعد عملية عسكرية في رام الله، وحُكم عليه بالسجن المؤبد عدة مرات. ومنذ ذلك الحين، تحوّل السجن إلى مساحة أخرى من حضوره. لم يغب اسمه، بل ازداد حضورًا، كأن القضبان لم تُغلق عليه، بل فتحت له أبواب الرمزية.

في زنزانته، كتب وتأمل، وقاد إضرابات للأسرى، كان أبرزها الإضراب الكبير عام 2017، الذي أعاد تسليط الضوء على قضية الأسرى الفلسطينيين. أصبح البرغوثي، داخل السجن، صوتًا لمن لا صوت لهم، ومرآة لمعاناة آلاف الأسرى.

الرجل الرمز: بين السياسة والأسطورة

ما يميز تجربة مروان البرغوثي ليس فقط مسيرته النضالية، بل قدرته على التحول إلى رمز عابر للانقسامات. ففي زمن التشرذم الفلسطيني، بقي اسمه حاضرًا كأحد الشخصيات التي تحظى بإجماع نسبي، وكمشروع قائد يمكن أن يجمع بين الداخل والخارج، بين السياسة والمقاومة، بين الواقعية والحلم.

ما بين القضبان… وما بعدها

اليوم، لا يزال البرغوثي في سجنه، لكن حضوره يتجاوز الجدران. اسمه يُطرح في كل حديث عن المستقبل السياسي الفلسطيني، وصورته تُرفع في المسيرات، وكلماته تُتداول كأنها بيانات من خارج الأسر لا من داخله.

إن سيرة مروان البرغوثي ليست مجرد سيرة رجل، بل سيرة قضية. هي حكاية شعب يبحث عن ذاته في مرايا الألم، ويصوغ من المعاناة معنى، ومن الفقد أملًا لا ينكسر.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل يمكن للسجن أن يُنهي قصة رجل، أم أنه – كما في حالة البرغوثي – لا يفعل سوى تحويلها إلى أسطورة تُروى جيلاً بعد جيل؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services