بقلم: غدير حميدان الزبون/ فلسطين
يا أهلَ الضمائرِ إنْ صَدَقَت، ويا حُرّاسَ القيمِ إنْ نَطَقَت، هذا نداءٌ من أرضٍ تَنوءُ بالجراح، وتَضيقُ بما استُبيح من الأرواح؛ نداءٌ يَستصرخُ الساكنَ والمُرتحل، ويوقظُ في القلوبِ ما خَبَا من الأمل.
ها هو الظلمُ يكتسي ثوبَ التشريع، ويستعيرُ من القانونِ لسانَ التوقيع، فتُسَنُّ الأحكامُ على مقاسِ الهُوية، وتُصاغُ البنودُ بروحِ الإقصاءِ والقسوةِ الدموية؛ حتى غدا النصُّ سيفًا مُشهَرًا، وغدت العدالةُ اسمًا مُؤجَّرًا، وغدا الحقُّ في الحياةِ ورقةً تُمحى، إنْ قيلَ: هذا فلسطينيٌّ فلا يُستثنى. فانهضوا فالصمتُ شركاء، والتأخّرُ أذى وبلاء، والكلمةُ موقفٌ، والموقفُ حياة، ومن تخلّى عن الكلمةِ تخلّى عن النجاة.
إننا في لحظةٍ فارقة من التاريخ الفلسطيني، إذْ تتكشّف ملامح مرحلة بالغة الخطورة تتجاوز حدود الصراع التقليدي لتصل إلى إعادة تشكيل أدوات القمع ضمن أطر تشريعية تُضفي عليه صفة “القانون”.
في هذا السياق أقرّ ما يُسمّى “الكنيست الإسرائيلي” قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في خطوة تعكس تصعيدًا خطيرًا يستهدف الإنسان الفلسطيني في وجوده وكرامته وحقه في الحياة. هذا القانون يأتي ضمن منظومة استعمار استيطاني تعمل بشكل متواصل على إعادة إنتاج أدوات السيطرة، من خلال سياسات الإقصاء والتهجير القسري والتطهير العرقي، إلى جانب ترسيخ نظام فصل عنصري واضح المعالم.
وتندرج هذه الخطوة ضمن مسار طويل يسعى إلى تقويض البنية المجتمعية الفلسطينية وكسر إرادة الصمود لدى الأسرى والمعتقلين.
قانون موجّه على أساس قومي يحمل هذا التشريع طابعًا تمييزيًا صريحًا، إذ يستهدف فئة محددة على أساس الهوية القومية، الأمر الذي يضعه في مواجهة مباشرة مع مبدأ المساواة أمام القانون.
فالتشريعات العادلة تقوم على العمومية والتجرّد، بينما يكشف هذا القانون عن نزعة انتقائية تسخّر النصوص القانونية لخدمة أهداف سياسية وأيديولوجية.
كما يتعارض هذا القانون مع قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان خاصة ما يتعلق بضمانات المحاكمة العادلة والقيود الصارمة المفروضة على تطبيق عقوبة الإعدام.
ويُبرز هذا التعارض خللًا عميقًا في بنية النظام القانوني الذي يُحاكم المدنيين تحت الاحتلال ضمن محاكم عسكرية تفتقر إلى أبسط معايير العدالة. فشرعنة القتل عبر النصوص القانونية تُظهر هذه الخطوة اتجاهًا نحو تحويل الممارسات القمعية إلى نصوص مُقنّنة، بحيث يجري تغليف العنف بإطار قانوني يمنحه مظهر الشرعية.
وتكمن خطورة هذا المسار في إعادة تعريف العدالة بما يخدم منطق القوة، فتتحول القوانين إلى أدوات تُستخدم لترسيخ الهيمنة بدل حماية الحقوق. هذا التحول يعكس مرحلة تتكامل فيها الأبعاد التشريعية مع الممارسات الميدانية بما يؤدي إلى تكريس واقع تتآكل فيه الضمانات القانونية لصالح منظومة تشرعن الإقصاء والعقاب الجماعي.
تشهد السجون الإسرائيلية واقعًا قاسيًا يرزح تحته آلاف الأسرى في ظل سياسات تشمل التعذيب الجسدي والنفسي، والإهمال الطبي، والعزل الانفرادي، إلى جانب ظروف اعتقال تنتهك الكرامة الإنسانية.
وتشير هذه الممارسات إلى بنية متكاملة تستهدف تفكيك الإنسان الفلسطيني على المستويين الجسدي والمعنوي.
وفي هذا الإطار يضيف قانون الإعدام بُعدًا أكثر خطورة، إذ يفتح المجال أمام تصعيد غير مسبوق في أدوات القمع، ويُعزّز مناخًا يُهدّد حياة الأسرى بشكل مباشر ضمن سياق أوسع من السياسات التي تستهدف الوجود الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده.
وفي اختبار حقيقي للنظام الدولي يعكس التعامل الدولي مع هذه التطورات حالة من التباين الواضح في تطبيق المعايير، الأمر الذي يطرح تساؤلات عميقة حول مصداقية منظومة العدالة العالمية.
فالقيم التي تُرفع كشعارات عالمية تحتاج إلى تجسيد فعلي من خلال مواقف وإجراءات ملموسة تضمن حماية الإنسان بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة.
ويُبرز هذا السياق حاجة ملحّة إلى تفعيل أدوات المساءلة الدولية، وتعزيز دور المؤسسات الحقوقية في مواجهة الانتهاكات بما يعيد الاعتبار لمفهوم العدالة بوصفه قيمة إنسانية شاملة نحو تحرّك فعّال يتطلّب هذا الواقع خطوات عملية وجادّة، من أبرزها: ممارسة ضغط دولي لوقف تنفيذ هذا القانون، تفعيل آليات المساءلة عبر المحاكم والهيئات الدولية المختصة. إعادة تقييم العلاقات مع الجهات التي تعتمد تشريعات تمييزية، دعم جهود التوثيق والرصد التي تقوم بها مؤسسات حقوق الإنسان.
هذا ويمثّل إقرار قانون إعدام الأسرى تصعيدًا بالغ الخطورة يطال جوهر الحق في الحياة، ويكشف عن مرحلة تتسارع فيها محاولات فرض واقع قائم على القوة والتشريع الإقصائي.
وفي ظل هذا المشهد تبرز مسؤولية إنسانية وأخلاقية تقع على عاتق كلّ من يؤمن بالعدالة وكرامة الإنسان.
إنّ هذه الصرخة تتجاوز حدود الجغرافيا، لتصل إلى الضمير الإنساني العالمي، فالعدالة قيمة لا تقبل التجزئة، وحقوق الإنسان تظل معيارًا يُقاس به صدق المبادئ ومصداقية المواقف.
فيا مَن يَزِنونَ القولَ بميزانِ الحق، ويخطّونَ المواقفَ بمدادِ الصدق، إنّ التاريخَ صحيفةٌ لا تُمحى، وذاكرةٌ لا تنسى، وشاهدٌ لا يَغفى، يكتبُ فيها من نصرَ الإنسان، ومن باعَ الميزان.
فاجعلوا العدلَ إمامًا، والكرامةَ خِتامًا، ولا تتركوا الحقَّ غريبًا بين الأمم، ولا الإنسانَ أسيرًا بين القيم، فإنّ الكرامةَ إذا استُبيحت، والعدالةَ إذا جُرِّحت تهدّمت أركانُ المعنى، وسقطت هيبةُ المبنى.
هذه صرخةٌ تُودَعُ في أعناقِ الأحرار، فإمّا أنْ تُجابَ فتُحيي الاندثار، وإمّا أنْ تُهمَلَ فيُكتبُ على الصمتِ عار.
ويا أهلَ العدلِ إنْ بقيَ في الأرضِ مَوطِن، ويا أهلَ النخوةِ إنْ ظلَّ في الصدرِ سَاكِن، إنّ القضايا العادلةَ لا تموتُ إنْ وُجد لها ناصر، ولا تخبو إنْ قام لها ضميرٌ حاضر؛ فلا تُسلِّموا الحقَّ لليلٍ طويل، ولا تتركوا الصوتَ يضيعُ بين التأويل والتعليل.
قِفوا موقفَ من يُدركُ ثِقلَ الأمانة، ويعي أنَّ الصمتَ خيانة، وأنَّ التأجيلَ إدانة؛ فكم من حقٍّ أُريقَ بين مُتردِّدٍ ومُتفرِّج، وكم من إنسانٍ ضاعَ بين مُسوِّفٍ ومُحرِّج.
فاجعلوا الكلمةَ سيفًا، والموقفَ حِلفًا، والضميرَ شاهدًا لا يَغيب؛ حتى يُقالَ: هنا قام الحقُّ، وهنا انتصرَ الإنسانُ، وهنا سقطَ القيدُ الرهيب.