155

0

"شهادات خرجت من الجحيم"..

أهوال يكشفها أسرى غزة عن التعذيب داخل السجون بعد 7 أكتوبر

بواسطة: بركة نيوز

تقرير: سنابل الغول - غزة

 

"كانت لحظاتٌ تحبس الأنفاس حين وضعوني في تابوت موتى وأنا حيّ، مُكبَّل اليدين والقدمين، معصوب العينين، كان الصعق بالكهرباء أرحم لي من هذا النوع من التعذيب".

بهذه المفاضلة بين صنوف العذاب التي لا يحتملها بشر، بدأ ابن غزة الأسير المحرر عماد نبهان حديثه، كاشفًا عن أهوال عاشها حين ضاق العالم عليه حتى صار بحجم تابوت، وصار النَّفَس معركة، والظلام شريكًا، والوقت عدوًّا لا يرحم. هناك، وجد نفسه حيًّا في قبر من خشب وحديد، داخل غياهب زنازين الاحتلال التي لم يدخلها أحد بعد السابع من أكتوبر إلا وقد قرأ على نفسه سورة الغياب.

يروي عماد قصته قائلًا:

"تم اعتقالي من مخيم جباليا بتاريخ 20/12/2023. من هنا بدأ الجحيم. أدخلوني معتقل سديه تيمان لتبدأ معه رحلة العذاب الأقسى، حيث جربتُ فيها صنوف التعذيب بالكهرباء وبالتابوت وبالشبح. كنت أموت ببطء".

ولتقريب مشهد العذاب الذي عاشه في داخل المعتقل، أشار إلى الكرسي البلاستيكي الذي كان يجلس عليه. وبنبرة يَحبس فيها الغصّة، ويداه ترتجفان وهو يستحضر كابوس الصحوة، أوضح:

"كرسي مثل هذا، لكن من الحديد. كنت مُكبَّل اليدين والقدمين، ويقوم الجلّاد بصعقي بالكهرباء. وإن لم يجد نتيجة من التعذيب الكهربائي، ينتقل إلى التعذيب النفسي، وهو التعذيب داخل التابوت".

توقف عن الكلام لبرهة، وتنفس الصعداء وهو مغمض العينين كأنه يعود من الجحيم، ثم تابع:

"مكثتُ 12 يومًا في تابوت وأنا حي.

الشعور لا يوصف.

كنت ممددًا في تابوت خشبي بداخله قفص حديدي، فيه ثلاث فتحات صغيرة: واحدة لإدخال الطعام بالماصّة، واثنتان للتنفس.

الطعام كان عبارة عن رُبع كأس صغير من شوكو الأطفال الذي يحتوي على مكملات وفيتامينات. كنت أسحب شهيق النفس بأعجوبة"، قالها واضعًا يده على صدره كأنه خرج من التابوت للتو.

ثم أكمل:

"لم أكن أعرف شيئًا عن الوقت في الخارج إلا وقت الصباح، لأنه كان موعد إخراجي من التابوت لاستكمال التحقيق والتعذيب".

وأوضح أنهم خلال التعذيب حاولوا استدراجهم للعمالة، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك؛ فالموت أهون عليه من خيانة وطنه.

 

واختتم حديثه قائلًا:

 

"أسوأ لحظة في حياتي كانت لحظة دخولي التابوت، وأجمل لحظة حين انتهى الكابوس وخرجت إلى حضن أهلي".

وفي وجه آخر لصنوف العذاب التي يتجرعها المعتقلون الفلسطينيون، يتحدث د. مؤنس محسن (أسير محرر وطبيب متطوع في مستشفى الشفاء) الذي تم اعتقاله ووضعه في سجن راكيفيت السري، قائلًا:

"تم اعتقالي في 18 مارس/2024 من مستشفى الشفاء، ونُقلنا إلى الداخل المحتل. وضعونا في سجون سرية للغاية، مقطوعين عن العالم الخارجي، محرومين من سماع الأخبار أو الاطمئنان على أهلنا.

لم ندرِ إن كانوا أحياء أم أموات، وكان ذلك أسوأ عذاب نفسي يمكن أن يتعرض له أي كائن حي".

وأضاف:

"خلال فترة اعتقالنا التي دامت عامًا وسبعة أشهر، تم استخدام أعتى وأبشع أساليب التعذيب من شبح وضرب مبرح وتنكيل. وكان أقذرها الاغتصاب الجنسي بحق المعتقلين من أبناء مدينتي. لا توجد كلمات تصف شعورنا حينها أو تلك اللحظات القاسية التي عشناها".

هذه الشهادات ليست حكايات عابرة؛ بل صرخات كاشفة لجحيم يشبه الموت وإن تأخر.

يرويها الأسرى الذين تاقوا إلى النجاة من آلة التعذيب الإسرائيلية في أيام صار الخوف جدارًا يطبق على أرواحهم، والتابوت وطنًا مؤقتًا، والعذاب لغة يومية لا تنتهي.

 

  

الأسير المثقف… سيرة الكاتب والباحث الفلسطيني ساري عرابي

 

بقلم ثامر سباعنه

مركز كن بلسما للتدريب والأبحاث - فلسطين

 

في سياق الصراع على الرواية والوعي، يبرز اسم الأسير الكاتب والباحث الفلسطيني ساري عرابي بوصفه نموذجًا للمثقف المقاوم، الذي لم تقتصر معركته على الأرض، بل امتدت إلى الكلمة والتحليل والفكر. فالرجل الذي عرفته المنابر الإعلامية محللًا سياسيًا، عرفته سجون الاحتلال أسيرًا مستهدفًا، في محاولة واضحة لإسكات الصوت الفلسطيني الحر.

 

 

نبذة عن حياته ونشأته

 

وُلد ساري عرابي في مدينة رام الله، ونشأ في قرية رافات شمال غرب القدس، حيث تشكّلت ملامح شخصيته الأولى في بيئة متشبعة بالهوية الوطنية والدينية. منذ صغره، انخرط في العمل الدعوي والطلابي، وكان حاضرًا في النشاطات الثقافية والسياسية داخل مدرسته ومساجد بلدته. 

لم تكن حياته التعليمية مستقرة؛ إذ تعرّض للاعتقال مبكرًا عام 1998 وهو على مقاعد الدراسة، في تجربة شكلت نقطة تحوّل في وعيه ومسيرته.

 

 

مشواره التعليمي والثقافي

 

بعد الإفراج عنه، التحق بجامعة بيرزيت، حيث درس اللغة العربية وآدابها، وتخرج بعد سنوات طويلة تخللتها الاعتقالات والملاحقات. ثم أكمل دراساته العليا في برنامج الدراسات العربية المعاصرة. 

هذا المسار المتعثر لم يكن عائقًا، بل شكّل دافعًا إضافيًا لديه للاجتهاد والتعمق في القراءة والبحث. عُرف عرابي بشغفه الكبير بالمعرفة، واهتمامه بالتحليل السياسي والفكري، خاصة في قضايا الفكر الإسلامي والقضية الفلسطينية، حيث نشر العديد من المقالات والدراسات في مراكز بحثية ومجلات علمية. 

لقد تعب على نفسه في بناء مشروعه الثقافي، فكان قارئًا نهمًا، ومحللًا دقيقًا، يسعى إلى فهم الواقع الفلسطيني ضمن سياقاته التاريخية والسياسية.

 

جهده في الكتابة والتحليل

 

برز ساري عرابي ككاتب ومحلل سياسي في عدد من المنصات الإعلامية، منها مواقع وصحف عربية معروفة، حيث قدّم قراءات معمقة للأحداث الفلسطينية والإقليمية. كما شارك في برامج تلفزيونية، محللًا للأحداث من زاوية فكرية وسياسية تربط الواقع بالسياق التاريخي. 

وتتميز كتاباته بالجمع بين التحليل السياسي والبعد الفكري، مما جعلها قادرة على مخاطبة النخبة والجمهور العام في آنٍ واحد.

 

دوره في إبراز الرواية الفلسطينية إعلاميًا

 

لم يكن حضور عرابي الإعلامي مجرد تعليق على الأحداث، بل كان جزءًا من معركة الوعي. فقد سعى إلى تقديم الرواية الفلسطينية بلغة علمية وتحليلية، تفكك الرواية الصهيونية، وتعيد بناء السردية الفلسطينية على أسس معرفية متينة.

في ظل التضليل الإعلامي العالمي، شكّل صوته نموذجًا للمثقف الذي يدافع عن قضيته عبر الكلمة، ويعيد تعريف الصراع باعتباره صراعًا على التاريخ والهوية، وليس مجرد نزاع سياسي عابر.

 

الاعتقال واستهداف المثقفين

 

في أواخر عام 2025، أعادت قوات الاحتلال اعتقال ساري عرابي من منزله في بلدة رافات، ضمن حملة اعتقالات واسعة في الضفة الغربية. 

ولم يكن هذا الاعتقال الأول، بل هو امتداد لسياسة ممنهجة تستهدف المثقفين والكتاب الفلسطينيين، في محاولة لاغتيال الوعي وإسكات الأصوات المؤثرة. فقد أصبح المثقف الفلسطيني هدفًا مباشرًا، ليس لأنه يحمل سلاحًا، بل لأنه يحمل رواية.

إن استهداف عرابي وأمثاله يعكس إدراك الاحتلال لخطورة الكلمة، وقدرتها على فضح سياساته، وكسر روايته، وتعزيز الوعي الجمعي الفلسطيني

يمثل ساري عرابي نموذجًا حيًا للمثقف الفلسطيني الذي جمع بين الفعل الثقافي والنضالي، بين القلم والموقف. فمسيرته تؤكد أن معركة الفلسطيني ليست فقط على الأرض، بل على الوعي أيضًا.

وفي زمن تتعرض فيه الرواية الفلسطينية لمحاولات الطمس والتشويه، يبقى صوت المثقف الحر، رغم القيد، أحد أهم أدوات المقاومة، وأحد أبرز تجليات الصمود.

 

 


 

حين يتقاسم الأسرى الوجع.. مشاهد من داخل سجون الاحتلال

 

بقلم الأسير: الأسير عامر ابو عرفة

 

في سجون الاحتلال، لا يُقاس الألم بحجمه، بل بقدرته على التسلل إلى الروح، فخلف الأبواب الحديدية، حيث يُفترض أن يُترك الإنسان وحيدا مع وجعه، يحدث العكس تماما..يتكاثر الوجع، نعم، لكنه يتوزع، يُقسّم، يُخفّف، حتى لا ينهار أحد.

في الزنازين، لا أحد يتألم وحده..حين يمرض أسير، لا يبقى المرض في جسده فقط، بل ينتقل كعدوى إنسانية إلى من حوله.. يسهرون معه، يقتسمون الدواء القليل، ويختصرون حصصهم من الطعام ليُبقي واقفا.. يتحول الجسد الواحد إلى جماعة، والجماعة إلى جسد واحد يقاوم الانكسار، ليس لأنهم أقوياء كما يُظن، بل لأنهم أدركوا مبكرًا أن النجاة هنا ليست فردية.

في لحظات التفتيش القاسية، حين يقتحم السجّان الغرف بعنجهية مدججة بالإذلال، لا يُفكر الأسير بنفسه أولا، بل بما يمكن أن يُخفيه عن رفيقه، أو ما قد يُنقذه من عقوبة قادمة. تُخبأ الرسائل، تُوزّع المقتنيات، وتُعاد صياغة الخسارة بحيث لا تقع كاملة على كتف واحد.

كل شيء يُقسم.. حتى الخوف

وفي "الفورة"، حيث المساحة الضيقة التي يُفترض أن تكون متنفسًا، تتحول إلى ساحة لقاءات صامتة، تُقرأ فيها الوجوه أكثر من الكلمات. نظرة واحدة كفيلة بأن تقول: "أنا معك".. وربتة خفيفة على الكتف قد تكون أقوى من خطاب طويل.

هم لا يملكون الكثير، لكنهم يملكون بعضهم.

حين يأتي خبر قاسٍ من الخارج، استشهاد قريب، أو هدم بيت، أو غياب طويل، لا يُترك الأسير ليواجه الخبر وحده. تُحاط روحه بدائرة من الصمت الحنون، حيث يجلس الجميع حوله، لا ليخففوا عنه بالكلام، بل ليمنعوا عنه السقوط. هنا، لا تُقال المواساة.. بل تُعاش.

حتى الجوع، ذلك السلاح الأشد فتكا، لا يُترك ليكون معركة فردية. حين يشتد، تُعاد قسمة اللقمة، وتُكسر القاعدة: "كلٌ لنفسه".. قطعة الخبز تُجزأ بعناية، ليس بعدل الكمية، بل بعدل الحاجة.

في السجن، العدالة ليست قانونا.. بل أخلاق، قد ينجح السجّان في تقليص المساحة، في تجويع الأجساد، في إطفاء الضوء، لكنه يفشل دائمًا في كسر هذه المعادلة الصامتة: أن الإنسان، حين يُسلب كل شيء، يتمسك بالآخر أكثر.

هنا تتجلى المفارقة..السجن الذي أُريد له أن يكون مكانا للعزل، يتحول إلى مدرسة للجماعة.. والقيود التي صُممت لتفكيك الإنسان، تعيد تشكيله ضمن "نحن" أكبر، أوسع، وأقسى على الكسر..في تلك الزنازين، لا يُهزم الألم… بل يُعاد توزيعه..وهذا وحده كاف ليبقى الأسرى واقفين.

 

 

 

 


 

علي السمودي يخرج من "عتمة الزنازين" حاملاً وصايا الأسرى

 

تقرير مكتب : إعلام الأسرى

 

بملامح أرهقها الغياب، وجسدٍ فقد الكثير من وزنه بفعل سياسة “التجويع الممنهج”، عانق الصحفي الفلسطيني المخضرم علي السمودي الحرية اليوم، بعد أشهر قضاها خلف قضبان سجون الاحتلال الإسرائيلي، لم تكن لحظة الإفراج مجرد عودة عادية، بل كانت صرخة إنسانية وثّقت فصلاً جديداً من معاناة الحركة الأسيرة.

لم تكن عودته إلى أزقة جنين مجرد خروج أسير، بل كانت انبعاثاً لشهادة حيّة من قلب ما وصفه بـ”المسلخ”، حيث لم يعد السجن مكاناً للاحتجاز، بل ساحة لإبادة الروح والجسد معاً.

وبمجرد وصوله، بدا السمودي في حالة صحية تستدعي رعاية فورية؛ شحوبٌ حاد بفعل الزنازين الانفرادية، وفقدان جسيم للوزن يعكس سياسة “التجويع الممنهج”. وبصوتٍ يغلفه الإرهاق ويملؤه الإصرار، قال السمودي: “الاحتلال يمارس حرب تجويع لم تعرفها الحركة الأسيرة منذ عام 1967؛ الأسير يدخل بوزن طبيعي ويخرج هيكلاً عظمياً. لقد فقدنا هويتنا الجسدية من شدة الهزال، فالطعام المقدم لا يكفي لغذاء طفل صغير، ونوعيته لا تصلح حتى للاستهلاك البشري، ونحن نبقى على قيد الحياة بأعجوبة.”

لم يتحدث السمودي عن ألمه الشخصي بقدر ما وصف الجحيم الذي يعيشه آلاف الأسرى خلفه، مؤكداً أن واقع السجون تحول في الآونة الأخيرة إلى “مقابر مظلمة”، وقال: “خرجت من السجن، لكنني تركت خلفي آلاف القلوب التي تموت في اليوم مائة مرة. الأسرى يعيشون مرحلة هي الأصعب في تاريخ القضية؛ عزل تام، وتنكيل لا يتوقف. رأيت أسرى يصرخون من الألم ولا يجدون حبة دواء واحدة، فالضرب أصبح روتيناً صباحياً ومسائياً يستهدف كرامة الأسير قبل جسده.”

السمودي، الذي ارتبط اسمه دائماً بتغطية الميدان، وكان شاهداً على استشهاد الزميلة شيرين أبو عاقلة، أكد أن اعتقاله كان محاولة فاشلة لإخفاء الحقيقة عن جنين، وقال: “الاحتلال يحاول كسر القلم عبر كسر الجسد. كنت في السجن أكتب بقلبي ما لم أستطع كتابته بقلمي، وكنت أسمع صرخات التعذيب في الزنازين المجاورة، فلا أملك إلا الأمل بأن الحقيقة لا يمكن أن تُسجن للأبد. الاحتلال واهم إن ظن أن الزنازين ستوقف رسالتنا.”

ولم يحمل السمودي معه فرحة الحرية، بل حمل ثقل الأمانة ووصايا الأسرى الذين وصفهم بأنهم “أمانة في أعناق الجميع”، مطالباً المؤسسات الدولية بالتحرك لوقف “حرب الإبادة الصامتة” وتسليط الضوء على المرضى والجرحى، وأضاف: “وصيتهم الوحيدة لي: لا تتركونا وحدنا، نحن نُقتل ببطء، والصمت الدولي يذبحنا أكثر من سياط السجان.”

خرج علي السمودي ليتنفس هواء جنين، لكن كلماته بقيت محبوسة في صدى الزنازين التي ترك فيها رفاق دربه ، وختم حديثه بتنهيدة طويلة وهو ينظر إلى السماء: “الآن فقط أستطيع التنفس، لكن أنفاسي ستبقى منقوصة ما دام هناك أسير واحد يئن خلف تلك الجدران. إلى متى سيظل العالم صامتاً أمام تحويل السجون إلى مسالخ للبشر؟ 

 

 

الكيان الصهيونى بعد 78 عاماً: تحولات الهوية والمصير

 

بقلم : د. أحمد رفيق عوض

مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية

 

بعد ثمانية وسبعين عاماً على قيامها، تبدو (إسرائيل)، في نظر الفلسطيني، ككيانٍ لم يستقر بعد على تعريفٍ نهائي لنفسه. ليست المسألة مجرد دولةٍ نجحت في تثبيت وجودها، بل مشروع ما زال يتقلب بين صيغٍ متناقضة، ويتحوّل من طورٍ إلى آخر دون أن يبلغ لحظة التوازن. من هنا، فإن النظر إليها اليوم لا ينفصل عن قراءة هذا التحول العميق في بنيتها الفكرية والسياسية والاجتماعية.

يمكن القول إن (إسرائيل) انتقلت، عبر هذه العقود، من صهيونيةٍ اشتراكية ذات طابعٍ جماعي، إلى صهيونية توراتية دينية تميل إلى التطرف والانغلاق. تلك الصهيونية الأولى، رغم عدائها، كانت تُغلّف نفسها بخطابٍ حداثي، وتقدّم مشروعها كجزءٍ من العالم الغربي وقيمه. أما اليوم، فنحن أمام خطابٍ مختلف، أكثر انكفاءً على ذاته، وأكثر استناداً إلى نصوصٍ دينية وتأويلاتٍ تاريخية تمنح الصراع طابعاً مطلقاً لا يقبل التسويات.

هذا التحول لم يكن شكلياً. فقد انتقلت (إسرائيل) من فكرة الانفتاح النسبي إلى حالة من الانغلاق المتزايد، ومن القبول بفكرة التسوية – ولو تكتيكياً – إلى تبنّي سياسات تقوم على التوسع والرفض. لم تعد التسوية خياراً مركزياً، بل باتت تُستبدل برؤيةٍ تقوم على فرض الوقائع بالقوة، وعلى إعادة تعريف الصراع باعتباره صراعاً وجودياً لا سياسياً فقط.

وفي السياق نفسه، تراجعت صورة (إسرائيل) بوصفها “الضحية الاستثنائية” التي لا تُمسّ، لتدخل تدريجياً في دائرة النقد والمساءلة، بل وحتى المحاكمة في بعض الأوساط الدولية. لم تعد تلك الهالة الأخلاقية التي أحاطت بها في بداياتها قادرة على حمايتها بالكامل، خاصة مع تصاعد مشاهد العنف والتوسع، ومع انكشاف التناقض بين خطابها وممارساتها.

أما على مستوى الشخصية اليهودية داخل هذا الكيان، فقد حدث انتقال لافت من “اليهودي التلمودي” المنغلق على ذاته، والمكتفي بإدارة شؤونه الخاصة، إلى “اليهودي التوراتي” الذي يرى نفسه فاعلاً في التاريخ، ومكلّفاً بالسيطرة والتوسع والقتال. هذا التحول يعكس انتقالاً من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم، ومن الانكفاء إلى المبادرة، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام مزيد من الصدامات.

سياسياً، لم تعد (إسرائيل) كما كانت. فبدلاً من المؤسسات التي كانت تضبط الإيقاع العام، نشهد اليوم صعوداً لدور الفرد والزعيم، وتراجعاً تدريجياً في ثقل المؤسسة. الديمقراطية التي طالما قُدّمت كميزةٍ أساسية، تتعرض لاختباراتٍ قاسية، مع تنامي النزعات السلطوية، وصعود قوى شعبوية تميل إلى الحسم بدلاً من التوافق.

وعلى مستوى الأداء، لم تعد الانتصارات العسكرية الكاسحة هي السمة الغالبة. باتت إسرائيل تخوض جولاتٍ معقدة، تنتهي غالباً بتسوياتٍ أو بمحاولات لتسويق “رواية نصر”، أكثر مما هي انتصارات حاسمة في الميدان. كما أن مفهوم السيطرة الأمنية المطلقة تآكل، ليحلّ مكانه واقع تعدد الجبهات، وتشابك التهديدات، بما يجعل التفوق العسكري أقل قدرة على حسم الصراع.

اجتماعياً، انتقلت (إسرائيل) من مجتمعٍ يطمح إلى التجانس، إلى مجتمعٍ متعدد الطوائف والهويات، يعاني من انقساماتٍ داخلية متزايدة. من الجماعية التي كانت تميّز البدايات، إلى الفردانية التي تطغى اليوم، ومن مناعةٍ وطنية صلبة إلى حالة من التصدع الداخلي، تعكس فشل مشروع الاندماج الكامل.

الأكثر دلالة أن الجماعات التي كانت تُعتبر هامشية أو متطرفة، أصبحت اليوم في قلب المشهد، بل هي التي ترسم السياسات وتحدد الاتجاهات. هذا التحول يعيد تشكيل (إسرائيل) من الداخل، ويدفع بها نحو مزيد من التشدد، ويجعل "(إسرائيل الثالثة)" في الضفة الغربية المحتلة تعبيراً عن هذا المسار الجديد، حيث الاستيطان ليس مجرد سياسة، بل عقيدة.

ورغم كل ما حققته إسرائيل من نجاحات في الاقتصاد والتكنولوجيا والقوة العسكرية، إلا أنها ما زالت تعاني من أزمة هوية عميقة. لم تستطع حتى الآن أن تحسم سؤال: ماذا تريد أن تكون؟ دولة طبيعية في المنطقة، أم مشروعاً استثنائياً فوقها؟ هذه الحيرة تنعكس في سياساتها، وفي علاقتها بجوارها، وفي تعاملها مع الفلسطينيين.

وفي جوهر الأمر، يبدو أن فشلها في الوصول إلى تسوية مع الفلسطينيين ليس مجرد تفصيل، بل هو العقدة التي تعيق استقرارها. فبدلاً من أن يؤدي هذا الفشل إلى مراجعة، يدفعها نحو مزيد من التطرف والعنف، وكأنها تحاول الهروب إلى الأمام.

هكذا، تقف إسرائيل اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. استمرارها في هذا المسار قد يفضي إلى نتائج غير مريحة، ليس فقط للفلسطينيين، بل لها أيضاً. فالدول، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تعيش طويلاً في حالة صراعٍ مفتوح، ولا أن تؤسس استقرارها على إنكار الآخر.

من هنا، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف يراها الفلسطينيون؟ بل: إلى أين تمضي (إسرائيل) نفسها، وهي تتبدل على هذا النحو المتسارع، دون أن تجد نقطة ارتكازٍ نهائية؟

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services